عاجل | الضاحية الجنوبية وشهادة جديدة على فاعلية وحدة الساحات
عاجل | الضاحية الجنوبية وشهادة جديدة على فاعلية وحدة الساحات
يشكّل ما جرى في الأول من حزيران/يونيو 2026 دليلاً جديداً على أن معادلة "وحدة الساحات" لم تكن يوماً مجرد شعار إعلامي أو تعبير سياسي عابر، بل حقيقة استراتيجية تفرض نفسها، كتحدٍ أساسي أمام معسكر العدوان الصهيوأمريكي. فالنجاح في منع العدو الإسرائيلي من توسيع عدوانه نحو الضاحية الجنوبية لبيروت لم يكن نتاج عامل واحد، بل جاء نتيجة شبكة معقدة من الضغوط العسكرية والسياسية والإقليمية، التي كان جوهرها إعلان الجمهورية الإسلامية في إيران رسمياً إيقاف مسار التفاوض مع أمريكا، والجهوزية للردّ الواسع على أي اعتداء إسرائيلي، ضد المستوطنات في شمالي فلسطين المحتلة. وهو ما دعمته العديد من الإشارات عن جهوزية ساحتي العراق واليمن للمواجهة في هذا الإطار. ما أوصل رسالة واضحة للإدارة الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب، بأن أي خطوة إسرائيلية إضافية ستكون محفوفة بالمخاطر والتداعيات الإقليمية.
واللافت أن هذا الواقع بات يحظى باعتراف متزايد حتى داخل الأوساط الإسرائيلية والغربية. فقد أشارت صحيفة "هآرتس" إلى أن "وحدة الساحات" جعلت مهمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر تعقيداً. وهذا التقييم لا يعكس مجرد قراءة نظرية، بل يعبّر عن إدراك إسرائيلي بحقيقة ودور هذه المعادلة. فقد عمل بنيامين نتنياهو طوال العامين الأخيرين على هدف استراتيجي واضح يتمثل في تفكيك مفهوم "وحدة الساحات" وعزل الجبهات عن بعضها البعض. وكان يدرك أن مصدر القوة الحقيقي للمحور لا يكمن فقط في قدرات كل طرف على حدة، بل في الترابط السياسي والعسكري والمعنوي بين مختلف الساحات. لذلك سعت إسرائيل إلى فصل ساحة غزة عن ساحة لبنان، ثم تحاول الآن بشكل مباشر وغير مباشر، فصل المواجهة مع إيران عن الجبهة اللبنانية، لأن نجاح هذا الفصل كان سيعني إضعاف قدرة المحور على ممارسة الضغط المتبادل وتوزيع عناصر القوة على امتداد المنطقة.
غير أن ما حدث بالأمس، وما سبقه من أحداث ومؤشرات، أظهر أن هذا المشروع الإسرائيلي الأمريكي لم يحقق أهدافه. فمعادلة "وحدة الساحات" لم تعنِ يوماً أن جميع الأطراف ستدخل الحرب بالطريقة نفسها أو بالتوقيت نفسه أو بالمستوى نفسه من الانخراط. فالحروب الكبرى لا تُدار وفق الانفعالات اللحظية، بل وفق حسابات دقيقة تتعلق بتوازن القوى وطبيعة المرحلة والأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى. ولذلك فإن تقييم هذه المعادلة لا ينبغي أن يُختزل بالسؤال السطحي: "أين بقية الجبهات؟"، بل يجب أن ينطلق من سؤال أكثر أهمية: هل نجحت إسرائيل في عزل لبنان وإفراغه من أي دعم أو تأثير إقليمي؟ والجواب الواضح هو لا.
لقد تجلت "وحدة الساحات" بأشكال متعددة خلال هذه المواجهة. فهي حاضرة في الضغط التفاوضي الإيراني الذي يربط بين ملفات المنطقة المختلفة، وحاضرة في القلق الإسرائيلي المستمر من احتمال توسع المواجهة إلى ساحات أخرى، وحاضرة في استنزاف العدو على أكثر من محور، كما أنها حاضرة في الدماء التي امتزجت بين أبناء فلسطين ولبنان والعراق واليمن وسائر ساحات المقاومة خلال العقود الماضية، وحاضرة الآن في تضحيات المقاومين الفلسطينيين في جبهة جنوبي لبنان. فمن الظلم اختزال هذه الحقيقة بمجرد البحث عن تدخل عسكري مباشر من هذا الطرف أو ذاك. فعشرات المقاومين من أبناء المخيمات الفلسطينية أم من إيران والعراق واليمن، الذين التحقوا بمواجهة الاحتلال خلال السنتين الماضيتين أم خلال معركة العصف المأكول، هم جزء من هذه الوحدة. والشهداء الذين ارتقوا على امتداد المنطقة هم أيضاً جزء منها. كذلك فإن حالة التنسيق السياسي والعسكري والأمني التي تشكلت عبر عقود بين قوى المحور، ولا تزال حتى الآن وتتصاعد وتيرتها، تمثّل أحد أبرز التجليات العملية لهذه المعادلة.
ويشكل متّصل، فإن استهداف إسرائيل المركّز للمقاومة الإسلامية في لبنان حزب الله، هو في جوهره بهدف ضرب هذه المعادلة. فاستهداف حزب الله بالنسبة لنتنياهو يتجاوز مجرد استهداف مقاومة لبنان، بقدر ما هو محاولة ضرب إحدى العقد المركزية التي ربطت مختلف أطراف المحور ببعضها البعض. وعندما وصف نتنياهو الشهيد السيد حسن نصر الله بأنه "محور المحور"، فإنه كان يعترف ضمناً بالدور المركزي الذي لعبه الحزب في بناء هذا الترابط الإقليمي.
وبالعودة للمستوى العملي الذي تجلّى بالأمس، فإن ما منع إسرائيل من استهداف الضاحية الجنوبية لم يكن فقط القدرات العسكرية المباشرة الموجودة للمقاومة في لبنان، بل أيضاً إدراك الإدارة الأمريكية - التي حاولت تقديم نفسها كوسيط لكته حقيقة هي المحرّض والداعم الرئيسي للعدوان- أن أي خطوة من هذا النوع ستفتح الباب أمام تداعيات إقليمية أوسع: من اليمن والعراق والجمهورية الإسلامية في إيران. وهو ما يهدّد بتعميق ومضاعفة الخسائر الأمريكية والإسرائيلية التي لحقت بهم مؤخراً. كما أن إبقاء أوراق القوة الاستراتيجية لدى أطراف المحور يمثل بحد ذاته عنصر ردع فعال. فاليمن يحتفظ بأوراق مرتبطة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب، والعراق يمتلك أوراق ضغط تتعلق بالوجود الأمريكي، وإيران تملك قدرات صاروخية وإقليمية هائلة، فيما تستمر المقاومة في لبنان بفرض وقائع ميدانية معقدة على العدو.
وعليه، ما تحقق في 1 حزيران/يونيو 2026 يثبت أن هذه المعادلة ما زالت حية وفاعلة، وأنها نجحت مرة جديدة في تعقيد الحسابات الإسرائيلية والأمريكية، وإثبات فشل رهان نتنياهو على تفكيك هذا الترابط الإقليمي. فالساحات ما زالت متماسكة، ووحدة المصير والمواجهة لا تزال تشكل أحد أهم عناصر القوة، في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية.
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.



