عاجل عاجل | يُعرض المسلسل المحدود "Lucky"، بطولة Anya Taylor-Joy، لأول مرة على Apple TV
ثقافة

عاجل | واشنطن تغلق أبواب الذكاء الاصطناعي

يدخل العالم عصراً ينقسم فيه الذكاء الاصطناعي إلى قطبين: غربٌ يحوّل أقوى نماذجه إلى امتيازٍ سيادي مغلق، وصينٌ تفتح بدائلها للعالم. إنه أفول زمن التقنية المتاحة للجميع

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | واشنطن تغلق أبواب الذكاء الاصطناعي
يصلح الثاني عشر من حزيران (يونيو) الحالي أن يكون التاريخ الرمزي الذي حُجبت فيه أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية. في ذلك اليوم، أبلغت شركة «أنثروبيك» (مالكة نظام كلود) جمهورها أنها عطّلت الوصول إلى نموذجيها الأكثر تقدّماً، فابل 5 وميثوس 5، امتثالاً لتوجيهٍ من وزارة التجارة الأميركية يستند إلى ضوابط التصدير ودواعي الأمن القومي، ويفرض حجبهما عن «كل مواطن أجنبي» داخل البلاد وخارجها. وفابل 5، الذي طُرح للعموم في التاسع من حزيران، هو النموذج الذي بلغ الجمهور فعلاً قبل أن يُسحب بعد ثلاثة أيام، فيما النسخة الكاملة من ميثوس 5 نسخته تقتصر أصلاً على جهاتٍ حكومية وشركاء مختارين. الواقعة في ظاهرها إجراء تقني محدود، وفي جوفها إعلانُ انتهاءِ حقبةٍ قصيرة ظلّت فيها أرقى أدوات المعرفة الاصطناعية متاحةً، بأثرٍ تجاري، لأيّ مستخدم على الكوكب. تلك الحقبة، التي يمكن تسميتها عصر «الحدود المفتوحة»، بدأت تُغلق أبوابها.

عصرٌ كان متاحاً للجميع

لفهم حجم التحوّل، ينبغي استعادة سمةٍ فارقة طبعت العقد الأخير. منذ انتشار النماذج التوليدية الكبرى مطلع العقد، صار الوصول إلى أحدث ما تنتجه المختبرات الأميركية متاحاً عبر اشتراكٍ بسيط أو واجهةِ برمجة، من دون اعتبارٍ يُأفاد لجنسية المستخدم أو موقعه. باحثٌ في بيروت، ومطوّرٌ في لاغوس، وطالبةٌ في جاكرتا، كانوا يبلغون أعلى مستويات التقنية نفسها التي يبلغها نظراؤهم في وادي السيليكون، بفارقٍ زمني يُقاس بأيام. هذه الإتاحة الواسعة صنعت وهماً مريحاً مفاده أن قمّة التقنية فضاءٌ مُشاع تتساوى أمامه المراكز والأطراف. وقد رسّخت الشركات هذا الوهم لأنه كان جوهرَ نموذجها التجاري: كلّما اتّسعت قاعدة المستخدمين، تعاظمت العائدات وبيانات التدريب. وقد بدت تلك الإتاحة قطيعةً مع تاريخ التقنيات الاستراتيجية التي درجت الدول على احتكارها في مراحلها الأولى، من الطاقة النووية إلى أنظمة التوجيه الفضائي. للمرة الأولى، انتشرت تقنيةٌ ذات حمولةٍ استراتيجية هائلة قبل أن تُحكم الدولة قبضتها عليها، فتولَّد إحساسٌ عابر بأن قواعد اللعبة تبدّلت لمصلحة إتاحةٍ كوكبية واسعة. ما حدث في حزيران نقَضَ هذا الافتراض دفعةً واحدة. فالتوجيه الحكومي امتدّ إلى «كل مواطن أجنبي»، حتى اضطرت «أنثروبيك» إلى تعطيل النموذجين أمام عملائها كافة ضماناً للامتثال، بمن فيهم مستخدمون داخل الولايات المتحدة. صرّحت الشركة اعتراضها على القرار، ووصفت الثغرة الأمنية التي بُني عليها بأنها محدودة ومعروفة سلفاً وتستطيع نماذج عامة أخرى اكتشافها، ورأت أن مخاطرها لا تتعدّى مخاطر نماذج منتشرة في الصناعة، ووصفت القرار بأنه سوء فهم تعمل على تصحيحه. ولم يبدّل اعتراضُها النتيجة المباشرة: صار بلوغُ النماذج الأقوى مشروطاً بإذنٍ سيادي، وانتقلت أرقى النماذج من سوقٍ مفتوحة إلى فضاءٍ مسوّر تتحكّم الدولة في بوّاباته. واللافت أنّ واشنطن دائماً ما استخدمت ضوابط التصدير لتقييد الرقائق التي تشغّل النماذج، فكان هذا التوجيه أوّل تطبيقٍ لها على النماذج نفسها. وللتاريخ هنا سابقةٌ دالّة. في تسعينيات القرن الماضي، صنّفت واشنطن برمجيات التشفير القوية في خانة العتاد العسكري الخاضع لضوابط التصدير، ومنعت تصديرها خارج حدودها باعتبارها سلاحاً يمسّ الأمن القومي، في ما عُرف لاحقاً بـ«حروب التشفير». وبعد سنواتٍ من الضغط القضائي والصناعي، تراجعت الدولة وحرّرت التشفير، فصار ركيزةً للاقتصاد الرقمي كلّه. واللافت أن مسار الذكاء الاصطناعي يسلك اليوم اتجاهاً مضادّاً: تقنيةٌ وُلدت منتشرةً ومتاحة، ثم تُعاد إلى حظيرة الضبط الأمني بعدما تبيّن للدولة عمقُ أثرها الاستراتيجي. ما جرى مع التشفير بدأ بالإغلاق وانتهى بالانفتاح، أما الذكاء الاصطناعي، فيبدأ مساره من الانفتاح ويتّجه نحو الإغلاق.

رخصةٌ تُمنح وتُسحب

والأهمّ أنّ الواقعة كشفت طبيعة الإتاحة السابقة. فالانفتاح الذي بدا حقاً مكتسباً ظلّ في جوهره رخصةً تجارية مؤقتة، تملك الدولة سحبَها متى رأت في النموذج خطراً أمنياً. وقد بقي مفتاحُ الإطفاء حاضراً طوال الوقت، خاملاً في يد السلطة التنفيذية، إلى أن جاء حزيران 2026 فحوّله من النظري إلى الواقعي. ويترتّب على هذا الإدراك أثرٌ عملي: كلّ من يبني مشروعاً أو بحثاً على نموذجٍ بعينه صار مكشوفاً أمام احتمال سحبه بقرارٍ سيادي مفاجئ، فدخل عاملُ المخاطرة السياسية في صلب أيّ خطةٍ تعتمد على النماذج الأكثر تطوّراً. يمنحنا هذا التحوّل مفتاحاً لقراءة المرحلة المقبلة. فحين يصير الوصول إلى أعلى مستويات التقنية رهنَ ترخيصٍ سيادي يُمنح لقلّةٍ موثوقة ويُحجب عن البقية، تقترب العلاقة من نمط «الإقطاع التقني» الذي تحدّث عنه الاقتصادي اليوناني يانيس فاروفاكيس، أي النظام الذي يستبدل بالعقد التجاري المتكافئ علاقةَ تبعيةٍ بين سيّدٍ يملك البنية التحتية ومستفيدٍ يدفع ريعاً مقابل إذنٍ بالاستخدام. في هذا النمط، ينحدر المستخدم من موقع الزبون إلى موقع التابع، ويصير بلوغُ أقوى النماذج إقطاعاً يوزّعه المانح السيادي على من يرتضيهم. والدولة الأميركية، بإمساكها بصلاحية المنح والمنع، تتحوّل من منظّمٍ للسوق إلى مالكٍ فعلي لبوابة المعرفة المتقدمة، تقرّر من يعبرها ومن يُردّ عنها. وما يترتّب على ذلك يطاول الابتكار نفسه؛ فحين يصير بلوغُ الأدوات الأقوى حكراً على دائرةٍ ضيّقة، تضيق مساحة التجريب المستقلّ، وتنحصر القدرة على بناء ما هو جديد في حوزة من يملك مفاتيح البوابة.

فراغٌ تملؤه بكين

يعيد إغلاقُ الحدود المفتوحة تشكيلَ المشهد على قطبين. على القطب الأول، تنكفئ النماذج الأميركية القصوى إلى فضاءٍ مقنّن تحرسه اعتبارات الأمن القومي، فلا تبلغه إلا جهاتٌ حكومية وشركاء موثوقون خاضعون للتدقيق. وعلى القطب الثاني، تتقدّم المختبرات الصينية المفتوحة المصدر، وفي مقدّمتها ديب سيك، لتملأ الفراغ بنماذج قابلة للتنزيل والتشغيل محلياً خارج سلطة الترخيص الأميركي. هكذا تنتقل صفة «الانفتاح» من المختبرات الأميركية التي بَنت جزءاً من صورتها على سعة الإتاحة، إلى نماذج صينية مفتوحة الأوزان صارت المنفذ الأوسع أمام العالم. في هذه المفارقة تختصر اللحظة انقلاباً في الأدوار: المركز الذي رفع راية الأسواق المفتوحة يُغلق حدوده، فيما يصير المنافس الصيني، بحساباته الخاصة، مصدرَ التقنية المتاحة لأطراف العالم. وليست صفة «الانفتاح» الصينية بعيدة من الحساب الاستراتيجي؛ فإتاحة الأوزان المفتوحة تبني نفوذاً ناعماً وتوسّع رقعة الاعتماد على المعايير الصينية، وتحوّل كرمَ الإتاحة إلى أداةٍ في صراع النفوذ التقني. وتبقى النتيجة العملية للأطراف واحدةً في الحالَين: المنفذ الوحيد المتبقّي إلى نماذج متقدمة قابلة للامتلاك يمرّ اليوم عبر بكين. وتقع دول الجنوب العالمي في صميم هذا التحوّل. فالملايين من المستخدمين والمطوّرين في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ممّن بنوا أعمالهم على النماذج الأميركية المتقدمة، وجدوا أنفسهم خارج البوابة بين عشيةٍ وضحاها، ودُفعوا نحو القطب الصيني المتاح. ويمكن وضع ما جرى في سياقٍ أوسع: نهج الابتعاد عن العولمة الذي تنتهجه إدارة الرئيس دونالد ترامب، من الرسوم الجمركية وإعادة التوطين الصناعي إلى تطويق التقنية المتقدمة. فقد دخل النموذجُ المتقدم خانةَ السلع الاستراتيجية التي تضبط الدولةُ تصديرَها، من الصلب إلى الرقائق إلى أنظمة التوجيه، وصار أصلاً وطنياً يُصان داخل الحدود. والمفارقة الأكبر أن هذا الانكفاء الأميركي عن العولمة يفتح الطريق أمام عولمةٍ بديلة تقودها بكين في الأسواق الناشئة التي أخلتها واشنطن. وهكذا تُنتج خطوةٌ اتُّخذت باسم حماية التفوّق الأميركي نقيضَ مقصدها: تسريعَ صعود المنافس في نصف الكرة الجنوبي. الكاتب علي عواد 16 حزيران 2026 المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى