عاجل عاجل | الضوء عادة ما يسرع الأمور. اكتشف العلماء للتو أن الأمر يفعل العكس في عالم النانو: ScienceAlert
ثقافة

عاجل | «الدولة التالية»: خرائط التوسّع واستراتيجية التفكيك

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | «الدولة التالية»: خرائط التوسّع واستراتيجية التفكيك
في أواخر أيار الماضي، أطلق جوناثان بولارد - الجاسوس الأميركي الذي أمضى ثلاثين عاماً في سجون بلاده بعد إدانته بالتجسّس للكيان الإسرائيلي - في «بودكاست» لشبكة «عروتس شيفع»، عبارة تختصر عقيدةً كاملة: «علينا أن نستعدّ للحرب المقبلة، التي ستكون على الأرجح ضدّ تركيا ومصر... العاصفة قادمة». لم تكن تلك زلّة لسان. فبولارد، المقرّب من أوساط الوزير المتطرّف إيتمار بن غفير، ربط حديثه بشرط واضح: أن ينهي الكيان أولاً ملفاته مع إيران وغزّة وحزب الله، ليتفرّغ بعد ذلك لمصر وتركيا. وحين نبّهه المحاور إلى أنّ تركيا تمتلك أحد أقوى جيوش المنطقة، لم يتراجع. هذه التصريحات ليست مجرّد رأي فردي، بقدر ما تمثّل تعبيراً صريحاً عن منطق يحكم سلوك الكيان منذ أكثر من قرن، وهو ما يُعرف في الأدبيات الصهيونية بمنطق «الدولة التالية». كثيرون يقابلون الحديث عن «إسرائيل الكبرى» بشيء من الاستخفاف، باعتبارها مجرد أوهام من الماضي أو شعارات يرفعها متطرفون. غير أنّ هذا الاطمئنان قد يكون أخطر من التهديد نفسه، لأنه يُسقط من الحسابات ضرورة التحوّط والاستعداد قبل وقوع الصدمة. وما يدحض هذا التصوّر ليس الخطاب السياسي أو السجال الأيديولوجي، بل تتبّع النصوص والتصريحات عبر الزمن، بأقلام أصحابها أنفسهم. في عام 1904، كتب تيودور هرتزل، مؤسّس الصهيونية السياسية، أنّ حدود الدولة المنشودة تمتدّ «من نهر مصر إلى الفرات». وبعد أكثر من أربعة عقود، كرّر الحاخام يهودا فيشمان المعادلة نفسها أمام لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين (أونسكوب) عام 1947، متحدثاً عن حدود تمتد «من النيل إلى الفرات». وبين مؤسّس الحركة الصهيونية وحاخامها البارز، بقيت الخريطة ذاتها حاضرة وإن اختلفت اللغة والسياقات. وفي 1954، كتب ديفيد بن غوريون أنّ تفكيك لبنان وإقامة «دولة مارونية» فيه يشكّلان «واجباً مركزياً»، يُنفَّذ عندما تتوافر ظروف الفوضى والحرب الأهلية. وبعد نحو عشرين عاماً، ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، بدا النصّ وكأنه يستشرف ما سيأتي. ثم جاء مأوضح عوديد يينون عام 1982 ليقدّم واحدة من أكثر الرؤى تفصيلاً لمشروع التفكيك الإقليمي: عراق مقسّم إلى ثلاث دول تتمحور حول البصرة وبغداد والموصل، وسوريا موزّعة بين كيانات علوية وسنية ودرزية، ومصر «جثة»، ومآل الأردن إلى «التصفية». بدا ذلك لكثيرين آنذاك أقرب إلى الهذيان، قبل أن تشهد المنطقة محاولة هائلة لتفكيك العراق وتدخل سوريا نفق التفكّك. عام 1996، صاغ عدد من المحافظين الجدد وثيقة «القطيعة النظيفة»، واضعين إزاحة نظام صدّام حسين - بصرف النظر عن طبيعته - ضمن الأهداف الاستراتيجية التي تفتح الطريق أمام إعادة تشكيل البيئة الإقليمية. وبعد سبع سنوات فقط، شغل ثلاثة من أبرز واضعي الوثيقة مواقع مؤثرة في إدارة جورج بوش الابن، وكانوا بين أبرز مهندسي غزو العراق عام 2003. من يعتقد أنّ هذه الأفكار أصبحت جزءاً من الماضي، فإنّ الحاضر يقدّم مؤشرات لا تقلّ وضوحاً. في 22 أيلول 2023، عرض بنيامين نتنياهو من على منبر الأمم المتحدة خريطة تضمّ الضفة الغربية وقطاع غزة بالكامل ضمن حدود الكيان. وفي آب 2025، وعندما سُئل عن علاقته بمجسّم «إسرائيل الكبرى»، أجاب بكلمة واحدة: «كثيراً»، قبل أن يصف نفسه بأنّه صاحب «مهمّة تاريخية وروحية». لم يتحدّث تنياهو حرفياً عن مشروع يمتدّ «من النيل إلى الفرات»، كما ذهبت بعض التغطيات الإعلامية، غير أنّ إقراره بعلاقته الوثيقة بالمجسّم كافٍ بحدّ ذاته لفهم الدلالة السياسية والرمزية. فالمجسّم يجسّد تصوراً توسعياً يمتدّ من النيل غرباً إلى الفرات شرقاً، ومن جنوب الأناضول وأغلب الأراضي السورية شمالاً، إلى عمق الجزيرة العربية وصولاً إلى المدينة المنوّرة جنوباً، فضلاً عن فلسطين التاريخية والأردن ولبنان. في وثائقي بثّته قناة «آرتي» عام 2024، تحدّث وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عن كيان سيتوسّع «شيئاً فشيئاً» ليشمل، إلى جانب فلسطين، الأردن ولبنان ومصر وسوريا والعراق والسعودية. وصاغ رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت (2024) المنطق نفسه بصورة أكثر مباشرة، حين أوضح إنّ «اللاعب الوحيد القادر على تهديدنا بعد إضعاف إيران هو تركيا». ثم جاء بولارد ليضع الحلقة التالية في السلسلة، متحدثاً عن تركيا ومصر بوصفهما المحطتين التاليتين بعد إيران وغزة ولبنان. من هرتزل إلى بولارد، تتبدّل الأسماء والخلفيات الفكرية، تبقى الخريطة واحدة كجزء من العقيدة المؤسِّسة. وتتسرّب هذه العقيدة أحياناً إلى تفاصيل تبدو للوهلة الأولى تقنية أو رمزية، كأسماء العمليات العسكرية نفسها. فالعملية الإسرائيلية في تلة الشقيف - أرنون حملت اسم «مروم هريم» (أعالي الجبال)، وهي تسمية لا تقتصر دلالتها على الوصف الجغرافي، بل تستند إلى اقتباس توراتي مباشر من سفرَي إشعياء (37:24) والملوك الثاني (19:23)، حيث يرد التعبير على لسان الملك الآشوري سنحاريب وهو يتباهى بالصعود إلى «أعالي الجبال، أقاصي لبنان»، وقطع «طوال أرزه». وذهب أحد الكتّاب الإسرائيليين إلى وصف الاسم بأنه «تطبيق حرفي لإشعياء». وهكذا تستعير عملية عسكرية تُنفَّذ على أرض لبنان نصّاً تاريخياً يرتبط بغزو لبنان نفسه، وبالوصول إلى قممه وقطع أرزه، الرمز الأبرز في الهوية الوطنية اللبنانية. وهذه ليست واقعةً معزولة، إذ حملت العملية الإسرائيلية ضد إيران عام 2025 اسم «الأسد الصاعد»، وهو أيضاً اقتباس توراتي من سفر العدد. وكأن العقيدة تفصح عن نفسها حتى في المفردات التي تختارها لوصف أفعالها. وثمّة محطة أخرى تكشف جوهر هذا المنطق، مع سقوط النظام السوري أواخر عام 2024. فبغض النظر عن التباين في تقييم الحدث ونتائجه، لم يكن اهتمام الكيان الإسرائيلي منصبّاً على هوية السلطة الجديدة بقدر ما كان منصبّاً على الجغرافيا. فإسرائيل لا تنظر إلى المنطقة بوصفها أنظمة تتبدّل وأحزاباً تتعاقب، بل كخرائط قابلة لإعادة التشكيل ومصادر تهديد ينبغي تفكيكها. ومن هنا، لم تشفع خصومة الإدارة الجديدة في دمشق مع النظام السابق لها في تغيير النظرة الإسرائيلية إليها، إذ سارع وزير الخارجية الإسرائيلي إلى وصفها بأنها «خطر» و«مجموعة من الجهاديين». وفي الوقت نفسه، كشفت صحيفة إسرائيلية بارزة عن ضغوط تمارسها تل أبيب على واشنطن بهدف الإبقاء على سوريا «ضعيفة ولامركزية»، وهي صياغة تكاد تتطابق مع ما طرحه يينون قبل 44 عاماً. ومن يظن أن تغيير اللون السياسي لأي نظام كفيل بإخراجه من دائرة الاستهداف، يغفل حقيقة أساسية: الخرائط لا تقرأ الألوان، بل تقرأ المساحات. بعيداً عن الاصطفافات الأيديولوجية، بقوم منطق «الدولة التالية» على ركيزةٍ واحدة: أن تُؤخذ الدول فرادى ومنزوعة القدرة على رفع كلفة استهدافها. وفي المقابل، فإن ما يعطّل هذا المنطق هو ما يُعرف في أدبيات الأمن الاستراتيجي بـ«الردع بالإنكار»، أي جعل تحقيق الأهداف التوسعية مكلفاً إلى درجة تفوق مكاسبه المتوقعة. ولعلّ نظرية «موازنة التهديد» التي صاغها ستيفن والت تساعد في فهم هذه المعادلة. فالدول لا تبني تحالفاتها وتوازناتها في مواجهة القوة الأكبر فحسب، بل في مواجهة التهديد الأكثر خطورة، ويشكّل إدراك النوايا العدوانية أحد أهم عناصر هذا التقدير. وحين تكون هذه النوايا موثقة عبر قرن كامل من التصريحات والبرامج والرؤى المعلنة، يصبح السعي إلى بناء توازن يحدّ من آثارها مسألة ترتبط بحسابات المصلحة والأمن، قبل أن تكون مسألة أيديولوجية. وبيت القصيد أنّ أي جبهة تستنزف الكيان، وتقيّد حركته، وتفرض عليه استهلاك موارده وقدراته العسكرية، تؤدي - بغضّ النظر عمّن يقودها وعن الشعارات التي ترفعها - وظيفة موضوعية في حماية الأطراف الأخرى المستهدفة. إنها معادلة تكاد تشبه قوانين الفيزياء: فالطاقة التي تُستهلك في جبهة لا يمكن إنفاقها في جبهة أخرى في الوقت نفسه. والقوة المنشغلة في جنوب لبنان أو غزة ليست متفرغة بالكامل لسيناء أو سوريا أو شرق الأردن. ومن هنا تنبع المفارقة المرّة: مَن يحتفل بسقوط جبهة تُكبّد إسرائيل أكلافاً استراتيجية، قد يكون في الواقع يحتفل بسقوط أحد خطوط الدفاع التي كانت تؤخّر انتأوضح الضغوط والتهديدات إليه. وكلام بولارد يقدّم نموذجاً واضحاً لهذا المنطق، إذ يربط الانتأوضح إلى مواجهة مصر وتركيا بإنهاء ملفات إيران وغزة وحزب الله أولاً. أما الدول التي راهنت على أن التسويات السياسية كفيلة بإخراجها نهائياً من دائرة الاستهداف، فقد تعلّمت بالتجربة المُرّة. فمصر وقّعت اتفاقية السلام عام 1979، لكن يينون وصفها بعد ثلاث سنوات فقط بأنها «جثة» مرشحة للتفكك، فيما تعود اليوم إلى الظهور في تصريحات بولارد باعتبارها هدفاً في المرحلة المقبلة. والأردن الذي وقّع معاهدة وادي عربة عام 1994 لا يزال يواجه، حتى اليوم، أطروحات «الوطن البديل». ولا تشطب التسوية الاسم من القائمة، بل تنقله من «العدوّ الآن» إلى «الهدف لاحقاً». والمنطق نفسه ينسحب على المكوّنات داخل الدولة الواحدة، سواء في لبنان أو سوريا. فمن يعتقد أن إضعاف مكوّن بعينه يمثّل مكسباً له، قد يكون أسير حسابات آنية تتجاهل التجربة التاريخية. فالكيان الذي رسم خرائطه على تفتيت لبنان (كما في مخطّط يينون)، لا يميّز في النهاية بين مكوّنٍ وآخر. كل طرف يُستنزف أو يُقصى اليوم، يفتح الباب أمام استنزاف الطرف الذي يليه غداً. فما يصون لبنان، في نهاية المطاف، ليس غلبة مكوّن على آخر، بل وجود توازنات وعناصر قوة تجعل العبث بوحدته أو السعي إلى تفكيكه مشروعاً باهظ الكلفة على أي طرف خارجي يفكر فيه. ثمّة نزعة شائعة في الخطاب العربي إلى القفز مباشرة نحو شعار «الجبهة الموحّدة» التي تذوب فيها التناقضات والخلافات. غير أنّ هذا التصوّر يتجاهل واقع المنطقة وإرثاً من التباينات والجراح بين دولها. لكنّ سقوط هذا الوهم لا يعني استحالة التعاون. فالفرق كبير بين «التحالف السياسي» الشامل، الذي قد يكون متعذّراً في الظروف الراهنة، وبين «التقاطع الموضوعي للمصالح» الذي لا يتطلب أكثر من إدراك كل دولة أن أمنها واستقرارها مرتبطان بأمن واستقرار جيرانها. وليس هذا تنظيراً مجرّداً؛ فحين يعلن أردوغان (10 حزيران 2026) أنّ أمن تركيا «يبدأ من حلب ودمشق وبيروت» وأنّ بلاده «لن تسمح بأوهام أرض الميعاد»، تكون أكبر قوة إقليمية - وهي التالية في قائمة بولارد - قد ترجمت بنفسها منطق التقاطع الموضوعي: أنّ أمن الجار من صميم أمنها. ومن هنا، فإن المدخل لا ينبغي أن يكون أيديولوجياً أو عاطفياً، بل عملياً وتدريجياً، يقوم على بناء شبكات مصالح متبادلة (المياه، الطاقة، الغذاء، تجارة وتبادل منتجات، الممرّات وخطوط النقل) تقلّص هامش الابتزاز الخارجي وأدوات الإخضاع، وعلى تنسيق أمني ودبلوماسيّ في مواجهة الخطر المشترك ولو دون تحالف معلن. فالتباينات بين هذه الدول ليست قدراً، بل نقاط ضعف يستثمرها العدو المشترك، فيما يشكّل أي تهدئة بينها خسارة استراتيجية له. وليس المقصود الحلم بوحدة مثالية، بل الوصول إلى حدّ أدنى من الوعي بالمصلحة المشتركة، وأن تدرك هذه الدول أنها في قارب واحد وسط عاصفة واحدة، وأن تكفّ عن إحداث ثقوب جديدة في هيكله، وتعمل معاً على سدّ الثقوب القائمة. من المعتاد أن تُبنى المواقف السياسية على ما يقوله المرء عن خصومه. غير أنّ المقاربة الأكثر جدية هي تلك التي تنطلق مما يقوله الخصم/ العدو عن نفسه. من هرتزل وفيشمان إلى بن غوريون ويينون ونتنياهو، تقوم الحجة على شهادة أصحاب المشروع أنفسهم، لا على اتهامات ضحاياه. ويبقى أنّ هذا المنطق ليس قدَراً محتوماً، بل رهان على بقاء الدول والمكوّنات متفرّقة، كلٌّ ينتظر دوره وينكسر بنقيضه: أن ترتفع كلفة التوسّع في كل جبهة، وأن تدرك كل عاصمة - وكل مكوّن - أنّ الدرع الذي يقي غيره اليوم هو نفسه الذي سيقيه غداً. أمّا من ينتظر دوره مطمئناً إلى أنّ الحياد يؤجّله، فالقائمة لا تُلغى بالانتظار، بل تعيد الترتيب فحسب. الكاتب: مجتبى الحسيني 16 حزيران 2026 المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى