أنصار الله يوسّعون جبهة الضغط على طرق الطاقة العالمية
أنصار
لم يعد التقدم الذي يحققه أنصار الله على الساحل الغربي لليمن تطورًا عسكريًا يخص الجبهة اليمنية وحدها. خلال الأيام الأخيرة، انتقلت الحركة من السيطرة على المخا إلى التقدم باتجاه مناطق وجزر أكثر حساسية قرب مضيق باب المندب، وصولًا إلى ذُباب، فيما باتت جزيرة بريم (ميون) والممر البحري ضمن الحسابات الإقليمية. إذ يعتبر واحد من أهم الممرات التي تصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتربط حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. ولذلك، فإن ما يجري في اليمن بات يُقرأ باعتباره جزءًا من أزمة نشأت كتداعيات للحرب على إيران والتحكم في مضيق هرمز.
بدأ التطور الأخير من المخا، المدينة والميناء الواقعين على الساحل الغربي لليمن. بعد السيطرة عليه ما وضع أنصار الله على مسافة أقرب من باب المندب، وفتحت أمامهم مجالًا للتحرك جنوبًا باتجاه مناطق أكثر حساسية.
وتشير تقارير Reuters إلى أن أنصار الله تقدموا إلى ذُباب، وهي منطقة تقع بالقرب من المدخل الشمالي لمضيق باب المندب. وتكتسب ذُباب أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي المقابل للممر البحري ولجزيرة بريم، المعروفة أيضًا باسم ميون.
وتضع تقارير غربية أخرى هذا التقدم ضمن تحرك أوسع شمل مناطق وجزرًا على الساحل الغربي، بحيث أصبح خط التقدم العسكري لأنصار الله يقترب بصورة متزايدة من منطقة المضيق. وتعرض Euronews هذا التحرك ضمن سلسلة تبدأ من المخا وتمتد باتجاه ذُباب وبريم وباب المندب.
لماذا باب المندب مختلف استراتيجيًا؟
باب المندب ليس مجرد مضيق آخر على الخريطة. موقعه يجعله بوابة البحر الأحمر إلى خليج عدن والمحيط الهندي، ومن ثم جزءًا من الطريق البحري الذي يصل آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وهذه الجغرافيا تمنحه قيمة مضاعفة في أوقات الحرب. خاصة عندما أصبحت حركة السفن في مضيق هرمز مهددة، وأصبح باب المندب أكثر أهمية بالنسبة للدول التي تبحث عن طرق بديلة لحركة الطاقة والتجارة. ولكن الآن يدخل باب المندب بدوره المعادلة، لتصبح البدائل البحرية أضيق، وأكثر كلفة، وأطول زمنًا.
ولهذا تتعامل Washington Post مع “الخطرط الذي يمثله تقدم أنصار الله باعتباره تهديدًا لمسار يمكن أن يكون مهمًا لصادرات النفط الخليجية، ولا سيما السعودية، إذا تعطل الطريق عبر الخليج.
أما Associated Press فتشير إلى أن حركة الملاحة في باب المندب كانت قد تراجعت أصلًا بصورة كبيرة خلال “الهجمات” السابقة لأنصار الله، بما يوضح أن القدرة على تهديد الملاحة لا تتطلب بالضرورة إغلاق المضيق بصورة كاملة؛ بل يكفي رفع مستوى المخاطر إلى درجة تدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها.
النفط السعودي: ماذا يحدث إذا أصبح باب المندب مهددًا؟
هنا تنتقل أهمية التطور من الجغرافيا العسكرية إلى الاقتصاد.
فالسعودية تمتلك منفذًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، كما أن البحر الأحمر يوفر مسارًا يمكن استخدامه لنقل النفط والمنتجات النفطية نحو الأسواق الغربية عندما تكون الطرق البحرية في الخليج الفارسي مهددة.
لكن إذا أصبح هرمز وباب المندب معًا تحت مستوى مرتفع من المخاطر، فإن هامش المناورة السعودي ينكمش. وقد أشارت Washington Post إلى أهمية باب المندب كمسار بديل للصادرات السعودية في ظل اضطراب مضيق هرمز.
أما Financial Times فربطت بين اضطراب هرمز والتوتر المتزايد في البحر الأحمر، في ظل ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل.
وهذا ما سيفرض على السعودية كلفة عالية ويضعها أمام مواجهة قدرتها الاستيعابية للنفط ومعضلة الوقت. وارتفاع تكاليف الشحن وهنا تتحول الجغرافيا اليمنية إلى عامل في تحديد سعر الطاقة عالميًا.
لماذا طلب محمد بن سلمان من ترامب التدخل؟
ربما لا توجد إشارة أوضح إلى حساسية وأهمية التطور من التحرك السعودي نفسه.
بحسب Axios، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب التدخل عسكريًا ضد أنصار الله، في أعقاب التطورات على البحر الأحمر والتهديد المتزايد للمصالح السعودية.
الولايات المتحدة تواجه أصلًا حربًا واسعة مع إيران، وتتعامل مع أزمة مضيق هرمز وتداعياتها على الطاقة والملاحة. من غير المعلوم إلى أي مدى ستندفع وتنخرط في الأمر خصوصا مع اقتراب الانتخابات النصفية.
وحسابات إضافة جبهة جديدة وما ينطوي عليها من توسيع لمساحة الحرب، ورفع عدد الأهداف التي تحتاج القوات الأميركية إلى حمايتها، وزيادة مخاطر الهجمات على السفن والقواعد والمنشآت الأميركية في المنطقة. لكن ومع ذلك يبقى احتمال انخراط الولايات المتحدة في تنفيذ ضربات كبير ولو كانت تحت مسمى “الضربات المحدودة”.
وتفيد تقارير Reuters وAxios بأن واشنطن تتعامل بحذر مع طلب سعودي لشن ضربات مباشرة على أنصار الله، في ظل رغبة الإدارة الأميركية في عدم الانجرار إلى جبهة جديدة بينما تبقى إيران ومضيق هرمز في صدارة الأولويات. لكن كلما تقدم أنصار الله نحو باب المندب، ستزيد حاجة السعودية إلى تدخل أميركي؛ لأنهم أخبر بالجبهة اليمنية وطبيعتها
ما علاقة باب المندب بإغلاق هرمز؟
لو نظرنا إلى هرمز وباب المندب بصورة منفصلة، سنرى واحد في الخليج وآخر في البحر الأحمر.
لكن لا يمكن الفصل أن هرمز هو البوابة البحرية للخليج. وباب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وبينهما شبكة واسعة من طرق الطاقة والتجارة.
لأن توقف حركة الملاحة في هرمز تضغط على صادرات النفط والغاز الخارجة من الخليج. واضطراب باب المندب يضغط على حركة السفن التي تصل البحر الأحمر بقناة السويس والمتوسط. ولهذا فإن التطور على الساحة اليمنية يكتسب أهمية استثنائية في ظل الحرب مع إيران. ويضاف إلى أوراق القوة.
إحدى أكثر نتائج الحرب إثارة للاهتمام هي أن قيمة الجغرافيا البحرية عادت إلى الواجهة.
فقد أظهرت الجولات السابقة أن القوة التي تمتلك قدرات صاروخية ومسيّرات، وتتمركز بالقرب من ممر بحري ضيق، تستطيع التأثير في الدول الكبرى. وفي هذا السياق، فإن التقدم البري نحو باب المندب يضيف إلى أنصار الله شيئًا مهمًا عبر تحسين موقعهم الجغرافي بالنسبة إلى الممر الذي سبق أن امتلكوا قدرة على التحكم بالملاحة فيه من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة. ما يمنحهم -مجالًا أقرب للاستطلاع والمراقبة.
-تقليص المسافة أمام منظومات الاستهداف.
-توسيع القدرة على الضغط على الساحل والممرات البحرية.
“حماية أفضل للقدرات الموجودة على الساحل.
_خلق عمق جغرافي إضافي بدل الاعتماد فقط على القدرات بعيدة المدى.
وتقول Reuters في تقرير لها أن “الأسلحة والمشورة الإيرانية لعبت دورًا في تعزيز قدرات أنصار الله خلال التطورات الأخيرة”.
ماذا يعني ذلك لأوروبا وقناة السويس والتجارة العالمية؟
إذا اضطرت السفن إلى تجنب البحر الأحمر، فإن البديل الرئيسي هو الدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. وهذا يعني مسافة أطول، واستهلاكًا أكبر للوقود، وأيامًا إضافية في الرحلة، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن. وهنا يصبح تأثير أنصار الله عالميًا حتى لو لم تكن كل السفن المستهدفة أو المهددة مرتبطة مباشرة بالولايات المتحدة.
وتزداد حساسية هذه المعادلة عندما تأتي في وقت ترتفع فيه أسعار النفط أصلًا بسبب مضيق هرمز.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




