اخبار لبنان
عاجل | في سرديّة «حرب الآخرين على أرضنا»

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | في سرديّة «حرب الآخرين على أرضنا»
في ظل التصعيد العسكري للعدوان الصهيوني الإبادي على جنوب لبنان والبقاع، والذي يستهدف البشر والحجر ويواصل مساعيه التوسعية الساعية إلى احتلال أراضٍ لبنانية وضمّها، يخوض الاحتلال حرباً نفسية لا تقلّ أهمية عن حربه العسكرية، ساعياً إلى كسر إرادة الشعب اللبناني وإضعاف صموده عبر المجازر والتدمير المُمنهج، على أمل أن يتمكّن من طمس بطولات المقاومة التي تسطّر ملاحمها في الجنوب. وإلى جانب هذه الحرب العسكرية والنفسية، تتصاعد حرب سياسية وإعلامية تستهدف تفكيك الجبهة الداخلية اللبنانية وتحميل المقاومة مسؤولية العدوان القائم وعزلها عن بيئتها الشعبية. وفي هذا السياق، وبانسجام واضح مع حملة التحريض التي تقودها السلطة السياسية وبعض النخب البورجوازية، يُعاد إحياء شعار قديم مفاده أن ما يجري ليس سوى «حرب الآخرين على أرضنا».
غير أن هذا الشعار ليس جديداً في لبنان، وهو ليس توصيفاً موضوعياً محايداً للحرب، بل أداة سياسية وأيديولوجية لإعادة تعريف طبيعة الصراع وتحديد الموقف من المقاومة. لقد نشأ هذا الشعار أواخر الستينيات مع انطلاق العمل الفدائي الفلسطيني في لبنان، حيث استخدمته قوى اليمين اللبناني الرجعي الفاشي لتقديم الصراع مع العدو الصهيوني كصراع خارجي لا علاقة للبنان به، في مقابل رفض القوى الوطنية والشيوعية والقومية لهذا الطرح، باعتبار أن القضية الفلسطينية تمثّل جزءاً من معركة تحرّر عربية أوسع ضد الاستعمار والصهيونية.
غير أنّ الانقسام حول هذا الشعار ليس سياسياً وأيديولوجياً فقط، بل ارتبط أيضاً بفوارق طبقية واجتماعية واقتصادية انعكست على الموقف من الصراع ومن المقاومة. فقد عبّر هذا الشعار عن مصالح فئات بورجوازية استفادت من البنية الاقتصادية القائمة ومن اندماج لبنان في النظام الرأسمالي العالمي، ورأت في المقاومة تهديداً لهذه المصالح، فعملت على تقديم الصراع بوصفه شأناً خارجياً. وبذلك اكتسب الشعار بعداً طبقياً واضحاً، إذ عبّر عن رؤية القوى المستفيدة من استمرار البنية الاقتصادية والسياسية القائمة أكثر مما عبّر عن موقف وطني جامع. وقد استُخدم هذا الشعار في مراحل تاريخية مختلفة، وها هو يعود اليوم في سياق الحرب الإبادية الوجودية.
ومهما تعدّدت الحروب، يبقى في كل مرة أداة يستخدمها خصوم المقاومة لتقديم الصراع مع الكيان الصهيوني بوصفه صراعاً خارجياً لا علاقة للبنان به، ولتصوير المقاومة كأداة لمشاريع إقليمية لا حركة تحرّر وطني. ولا تخرج عودته اليوم عن هذه الوظيفة، إذ كلّما اشتدت المواجهة مع المشروع الصهيوني، أعاد هذا الخطاب تحريف الصراع في إطار «الحرب الخارجية» المفروضة على لبنان، بدلاً من الاعتراف بأنه امتداد مباشر لمشاريع العدو التوسعية في المنطقة. غير أن هذا الفهم يشكّل تشويهاً لطبيعة الصراع القائم منذ أكثر من قرن، إذ تُظهِر الوقائع التاريخية من اعتداءات واحتلالات وانتهاكات أن لبنان في صلب دائرة المواجهة مع المشروع الصهيوني، وأن هذا الصراع لا يمكن تحييده أو تجاهله.
وينطلق هذا الجدل من اختلاف أعمق حول طبيعة الصراع ذاته وبنيته التاريخية، إذ إنه صراع تاريخي متواصل بين مشروع هيمنة إمبريالي صهيوأميركي وشعوب ودول وقوى ترفض الخضوع له وتسعى إلى التحرر منه. وقد تبدّلت أشكال هذا الصراع وأدواته عبر العقود، إلا أن جوهره ظل واحداً يتمثّل في السعي إلى إخضاع المنطقة وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالح القوى المهيمنة.وفي هذا الإطار، يؤدّي هذا الكيان الصهيوني وظيفة محورية بوصفه أداةً وامتداداً عضوياً لمنظومة الهيمنة الغربية في المنطقة. فمنذ نشأة المشروع الصهيوني ارتبط وجوده بالدعم الاستعماري البريطاني أولاً، ثم بالدعم الأميركي الشامل سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ما يجعله جزءاً من هذه المنظومة لا كياناً منفصلاً عنها.
وبناءً على ذلك، فالحروب التي شهدتها وتشهدها المنطقة، من فلسطين إلى لبنان، ومن العراق إلى سوريا واليمن وإيران، ليست حروباً منفصلة عن بعضها، بل حلقات مختلفة ضمن صراع واحد. قد تتغيّر الأشكال والوسائل، لكن الطرف المهيمن يبقى نفسه: منظومة إمبريالية تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحها السياسية والعسكرية والاقتصادية، ويشكّل الكيان الصهيوني، إلى جانب أنظمة وقوى الرجعية البورجوازية العربية المتحالفة معه، أدواتها العضوية الأساسية في المنطقة. وفي مقابل هذه المنظومة، تتحدّد مواقع القوى المختلفة داخل هذا الصراع.
وكما أن مشروع الهيمنة يعمل على مستوى المنطقة ككل، فإنّ المقاومة، بمختلف قواها وجبهاتها، تخوض مواجهة مع المشروع نفسه وإن تعدّدت ميادين الاشتباك. ومن هنا تأتي أهمية المقاومة، إذ لا تُستهدف بسبب فعل عسكري فحسب، بل لأنها تمثّل تحدّياً سياسياً واستراتيجياً لمعادلة الهيمنة. ولا يقتصر استهداف لبنان على بعده السياسي في احتضان المقاومة أو دعم القضية الفلسطينية، بل يمتد أيضاً إلى موقعه الجغرافي والسياسي في المنطقة، باعتباره جزءاً من البيئة الاستراتيجية المحيطة بفلسطين المحتلة. غير أن هذا الموقع لا يُفهم بمعزل عن البنية الأوسع للصراع، بل ضمن سياق إعادة تشكيل توازنات المنطقة، ما جعل لبنان عرضة تاريخياً للتدخلات والاعتداءات المتكررة.
وتُظهِر التجارب المتعاقبة أن الذرائع التي تُستخدم لتبرير العدوان تتغيّر باستمرار، بينما يبقى السلوك العدواني نفسه ثابتاً. فمَن يبرّر للعدو الصهيوني ما يُوصف بالإبادة في غزة والضفة بحجة «طوفان الأقصى»، هو ذاته من يبرّر له غزو لبنان بذريعة «حرب الإسناد»، وهو نفسه من يبرّر الاعتداءات على جنوب لبنان بذريعة الصواريخ الستة، وكأنّ الصراع وُلد اليوم، وكأنّ هذا العدو يحتاج أصلاً إلى ذرائع.
ومن هنا، فإن استخدام تعبير «حرب الآخرين على أرضنا» يعكس تموضعاً سياسياً في محور التحالف الإمبريالي، ويقدّم تبريرات للعدوان على أرضنا، وللإبادة والقتل اليومي اللذيْن يتعرّض لهما شعبنا، ويتقاطع الخطاب مع السردية التي يسعى العدو الصهيوني إلى فرضها. ولقد سعى التحالف الإمبريالي، بالتعاون مع أدواته الصهيونية وحلفائه من الأنظمة العربية الخليجية الرجعية، إلى تسويق هذه السردية بمفاهيم وشعارات مختلفة على مدى عقود، مثل «الحياد الإيجابي» و»قوة لبنان في ضعفه»، بهدف تحييد لبنان عن الصراع، والدفع نحو التخلّي عن المقاومة والانخراط في مسار التطبيع، مع الترويج للنموذج الإماراتي بوصفه مثالاً لـ»الاستقرار الاقتصادي والأمني»، باعتبار أن الاستسلام هو الطريق الوحيد لتحقيق ذلك.
وفي هذا السياق، جرى العمل بصورة ممنهجة على شيطنة المقاومة وتجريمها، عبر تصويرها كتنظيمات «إرهابية» أو «مجموعة خارجة عن القانون والدولة». ولم يكن الهدف من هذا الخطاب يقتصر على استهداف المقاومة في ذاتها، بل تعداه إلى محاولة تصفية القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني وقومي، وقطع الصلة بين شعوب المنطقة وتاريخها النضالي الطويل في مواجهة الاستعمار والإمبريالية. وإذا كان النقاش المطروح اليوم يدور حول موقع لبنان من هذا الصراع، فإن الوقائع التاريخية والسياسية تشير إلى أن النأي بالنفس عنه لا يحيّد البلاد عن نتائجه.
لذلك، لا يعود السؤال ما إذا كان الصراع قائماً أم لا، بل كيف يمكن مواجهته.من هنا، يتوجّه النداء إلى القوى المناهضة للإمبريالية للانخراط في هذه المعركة الوجودية، باعتبارها مواجهة لا تخصّ فئة أو حزباً أو دولة، بل المنطقة بأسرها. فالمقاومة اللبنانية تخوض هذا الصراع منذ عقود، وتسطّر اليوم في الجنوب ملاحم بطولية في مواجهة أحد أكثر الجيوش تسليحاً، ما يضع على عاتق القوى اليسارية والشيوعية والقومية مسؤولية الوقوف إلى جانبها، والدعوة إلى تعبئة عامة في مواجهة آلة القتل، لأن خطرها لن يتوقف عند حدود جغرافية أو سياسية، بل سيطاول الجميع دون استثناء.
* كاتبة ومعمارية
الكاتبة: لولا إبراهيم
10 حزيران 2026
المصدر: الاخبار
عاجل | في سرديّة «حرب الآخرين على أرضنا»




