مفارقة الردع والإسقاط: قراءة في تصريحات نتنياهو الأربعة بشأن إيران
مفارقة
بين 30 آب و6 أيلول 2026، نسج بنيامين نتنياهو عبر أربعة تصريحات متتالية خطابًا واحدًا متصاعدًا، لا سلسلة مواقف منفصلة، يقوم على معادلة مبسّطة: إسرائيل خرجت من المواجهة أقوى، وإيران خرجت أضعف، والردع نجح، والنظام الإيراني يترنح، وبالتالي بات إسقاطه احتمالًا قريب المنال. غير أن تفكيك هذا النموذج الذهني يكشف عن فجوات منطقية وتناقضات بنيوية تستحق التوقف عندها.
ففي 30 آب، انتقل الخطاب من مسألة محددة نسبيًا -منع إيران من استعادة برنامجها النووي العسكري المفترض- إلى هدف مختلف نوعيًا هو إسقاط النظام نفسه، من دون تفسير كافٍ لكيفية تحوّل معالجة “قدرة” أو “تهديد” إلى ضرورة إزالة النظام الذي يُنتجها. وبعد يومين، في 2 أيلول، قفز مستوى اليقين فجأة من “يجب إسقاط النظام” إلى “النظام سيسقط، سنقوم بإسقاطه، إنه على وشك الانهيار”، من دون ظهور أي مؤشرات جديدة تبرر الانتقال من الرغبة السياسية إلى شبه الجزم بالنتيجة. وفي 3 أيلول، تحوّل الأمر مجددًا من توقع إلى “مهمة مركزية” قريبة المنال، قبل أن يُدمج في 6 أيلول ضمن سردية تاريخية أوسع عن “تغيير وجه الشرق الأوسط”. بهذا التسلسل، لم يتصاعد سقف الهدف فحسب، بل تغيّرت طبيعته ذاتها: من احتواء التهديد إلى تغيير النظام، ومن تغيير النظام كاحتمال إلى تقديمه كمسار شبه حتمي ذي تبعات إقليمية كبرى.
يظهر خلل أعمق في العلاقة بين منطق الردع ومنطق تغيير النظام. يقول نتنياهو إن إيران “تمتنع” عن مهاجمة “إسرائيل” لأنها تدرك قوتها وما قد تتعرض له، ويقدّم ذلك دليلًا على نجاح الردع، لكنه في الوقت نفسه يُعلن العمل على إسقاط النظام الإيراني. وهنا تنشأ مفارقة استراتيجية: فإذا كانت وظيفة الردع إقناع طهران بأن الامتناع عن الهجوم يحميها من العقاب، فإن الإعلان عن أن الهدف النهائي هو إسقاط النظام -حتى في حال الامتناع- يُضعف هذه المعادلة، إذ قد تستنتج إيران أن التزامها لا يضمن بقاءها أصلًا. يتجاور في الخطاب إذن نموذجان متعارضان: أحدهما يقول لطهران “لا تهاجمونا كي لا نعاقبكم”، والآخر يقول لها “حتى وأنتم لا تهاجموننا، نعمل على إسقاطكم”، وهو تباين يكشف أن الرسالة تتجاوز الردع التقليدي نحو الإكراه ومحاولة تشكيل سلوك النظام وبيئته الداخلية.
كما توجد فجوة واضحة بين القدرة على الضرب والقدرة على إسقاط النظام. تستند التصريحات إلى نجاحات عسكرية سابقة وإلى القدرة على استهداف منشآت إيرانية، ثم تُستخدم هذه النجاحات جسرًا لاستنتاج أكبر مفاده أن “إسرائيل” قادرة على إسقاط النظام نفسه. لكن المستويين ليسا مترادفين، فتدمير منشآت أو إضعاف قدرات عسكرية لا يُثبت بذاته القدرة على إحداث تغيير سياسي داخلي، فضلًا عن التحكم بنتائجه. هنا يعمل الكشف الانتقائي بوضوح: تُبرَز الإنجازات العسكرية وضعف إيران وقوة إسرائيل وامتناع طهران عن الرد، بينما تغيب أسئلة جوهرية قد تُعطّل النموذج الذهني المراد ترسيخه: ما المؤشرات الفعلية على قرب انهيار النظام؟ ما درجة تماسك مؤسساته؟ وما كلفة محاولة إسقاطه وما الذي سيحدث بعده؟
يتجلى تناقض إضافي بين يقين النتيجة وغموض الوسيلة. فالخطاب حاسم للغاية حين يتعلق الأمر بالنتيجة -سيسقط، سنقوم بإسقاطه، نهايته قريبة- لكنه غامض للغاية حين يتعلق بالطريق المؤدي إليها. فعبارة “جميع أنظمتنا، تحت إشرافي، تعمل على الإطاحة بهذا النظام” لا تحدد ما إذا كان المقصود عمليات عسكرية أو استخبارية أو سيبرانية أو اقتصادية أو دعمًا لمعارضة داخلية. وعبارة “يمكننا مهاجمة إيران في أي لحظة” تكشف القدرة العامة وتُخفي الزمان والوسيلة والحجم وشروط التنفيذ. هذه هندسة غموض متعمدة: وضوح تام في الهدف، غموض محسوب في الوسيلة، وظيفتها إجبار الخصم على توزيع انتباهه وموارده على احتمالات متعددة بدل الاستعداد لسيناريو واحد.
من منظور التأثير الإعلامي، لا ينبغي اختزال السؤال في كون نتنياهو “صادقًا أم كاذبًا”، بل في التمييز بين الإشارة الحقيقية والانطباع المصمَّم. فتكرار الهدف بهذا الوضوح، على لسان رئيس الحكومة وبحضور وزير الدفاع ورئيس الأركان، يمنع التعامل مع استمرار الضغط على إيران كمجرد ضجيج إعلامي، إذ توجد إشارة استراتيجية حقيقية إلى استمرار الإرادة والاحتفاظ بخيار القوة. لكن هذه الإشارة تُغلَّف بتضخيم إدراكي: من القدرة على الضرب إلى القدرة على الإسقاط، ومن إضعاف الخصم إلى قرب انهياره، ومن نجاح عمليات سابقة إلى افتراض نجاح مهمة أعقد بكثير. وهنا تكمن مساحة الخداع المحتملة، لا في اختلاق القدرة، بل في توسيع الدلالة التي يُراد لإيران استخلاصها منها.
يفسر استهداف الإدراك متعدد الاتجاهات وجود هذه التباينات داخل الخطاب ذاته، فالرسالة موجهة إلى جماهير مختلفة في آن واحد: للداخل الإسرائيلي بوصفها خطاب نصر وقوة، ولإيران بوصفها تهديدًا مباشرًا، للحلفاء الأميركيين بوصفها دليلًا على جدوى استمرار الضغط بدل التسوية المبكرة، وللمعارضة والنخب داخل إيران بوصفها إشارة إلى هشاشة النظام واقتراب سقوطه. هذا التعدد يخلق شكلًا من الخداع المزدوج، إذ تُستخدم العبارة الواحدة لإنتاج استجابات متباينة بحسب الجمهور المستقبِل، وليس هذا بالضرورة خللًا في تصميم الرسالة بل قد يكون جزءًا من وظيفتها.
يحمل الخطاب أيضًا مخاطرة ارتدادية: فالمبالغة في تصوير ضعف الخصم عبر عبارات مثل “إسرائيل أقوى من أي وقت مضى” و”أعداؤنا أضعف من أي وقت مضى” و”ستتلقى إيران ضربة لا يمكنها حتى تخيلها”، وإن خدمت الردع النفسي، قد تُنتج في المقابل ثقة مفرطة لدى الجمهور والنخب الإسرائيلية أنفسهم، فتتحول رسالة صُممت لتخويف الخصم إلى نقطة ارتكاز داخلية تُضعف تقدير صانع القرار لقدرة إيران على التكيف والرد.
وبذلك، فإن التصنيف الأدق لهذه الحزمة من التصريحات ليس “خداعًا كاملًا” ولا “إشارة صادقة بالكامل”، بل إشارة استراتيجية حقيقية مغلفة بتضخيم إدراكي وكشف انتقائي وهندسة غموض وتعدد في استهداف الجماهير. ويبقى الخطأ التحليلي الأخطر هو قبول السلسلة السببية كما قُدّمت: فنجاح “إسرائيل” في إضعاف بعض القدرات الإيرانية لا يعني تلقائيًا اقتراب سقوط النظام، والقدرة على ضربه لا تساوي القدرة على إسقاطه، والقدرة على إسقاطه -إن وُجدت- لا تعني القدرة على التحكم بما يأتي بعده. لذلك يبقى الاختبار الفاصل بين الردع الإدراكي والتمهيد لعمل فعلي هو مراقبة ما إذا كان هذا التصعيد الخطابي سيترافق مع سلوك ميداني مرتفع الكلفة يتناسب فعلًا مع هدف بحجم تغيير النظام.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




