أزمة الوقود لم تعد “مؤقتة”: هكذا تكشف أسواق الطاقة كلفة حرب ترامب في غربي آسيا
لم تعد أزمة الوقود التي تتشكل في الأسواق العالمية مجرد احتمال أو سيناريو تحذيري، يمكن للرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته، التعامل معه بوصفه اضطراباً عابراً. فالمعطيات التي تنقلها العديد من وسائل الإعلام الأمريكية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية، مثل صحيفة “وول ستريت جورنال”، عن كبار المسؤولين التنفيذيين في صناعة النفط الأميركية تشير إلى أن الأزمة دخلت فعلياً مرحلة جديدة، بعدما تراجعت المخزونات التجارية العالمية، واستُنفدت إلى حد كبير الهوامش التي كانت تسمح بامتصاص صدمات الإمدادات، فيما لا تلوح في الأفق انفراجة قريبة للحرب التي تهدد أهم ممرات الطاقة في العالم.
وهنا تحديداً تبدو تصريحات إدارة ترامب عن اضطراب “مؤقت” لسوق النفط، ليست قراءة واقعية لمسار الأحداث، بل محاولة منهم لذرّ الرماد في العيون. فحين يقول الرئيس التنفيذي لشركة “شيفرون”، مايك ويرث، أن الآليات التي ساعدت الأسواق على تخفيف مخاطر الأسعار والإمدادات استُنفدت إلى حد كبير، وإن النظام لم يعد يمتلك هوامش الأمان والاحتياطيات التي كانت متاحة في بداية الأزمة، فإن المسألة تتجاوز خلافاً سياسياً بين البيت الأبيض وشركات النفط. إنها شهادة مباشرة من أحد أبرز الفاعلين في سوق الطاقة الأميركية على أن أدوات احتواء الأزمة تتراجع.
هرمز: نقطة الاختناق التي لا يمكن تعويضها بسهولة
وتكمن خطورة المشهد في أن العدوان الصهيوأمريكي لم يتسبب في ضرب إنتاج النفط فقط، بل أصاب البنية الجغرافية التي تقوم عليها عملية نقل الطاقة العالمية. فقد مر عبر مضيق هرمز في النصف الأول من العام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل النفطية، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية ونحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً. وتؤكد إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن البدائل المتاحة لتجاوز المضيق لا تستطيع سوى نقل جزء من هذه الكميات.
وهذا يعني أن استمرار العدوان الصهيوأمريكي على إيران وتحوله إلى حرب طويلة الأمد لا يمثل مجرد مواجهة عسكرية محلية، بل يهدد أحد الأعمدة الأساسية لسوق الطاقة العالمي. وكلما طال أمد الحرب، أصبحت المشكلة أقل ارتباطاً بارتفاع سعر البرميل وأكثر ارتباطاً بتوافر الوقود نفسه، ولا سيما الديزل ووقود الطائرات والمنتجات المكررة. وهذا ما بتنا نلمس آثاره بشكل كبير عالمياً وحتى في أمريكا نفسها، من ارتفاع سعر الديزل وصولاً الى أسعار تذاكر الطائرات.
وتشير “وول ستريت جورنال” إلى أن أسعار الخام الأميركي ارتفعت بنحو 19% خلال 3 أسابيع، فيما بلغ سعر الديزل 6.23 دولارات للغالون، وعاد البنزين إلى الارتفاع ليصل إلى 4.32 دولارات. والأهم أن هذه القفزة جاءت في وقت تتراجع فيه المخزونات التجارية العالمية منذ أشهر.
حتى البدائل السعودية أصبحت تحت النار
أمّا الأخطر أن محاولة الالتفاف على مضيق هرمز تواجه بدورها التطورات العسكرية في شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر. فخط أنابيب الشرق-الغرب السعودي، الذي يمتد من منطقة بقيق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، يمثل أحد أهم المسارات البديلة لتصدير النفط بعيداً عن هرمز. وتقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية طاقته الأساسية بنحو 5 ملايين برميل يومياً، مع إمكان رفعها مؤقتاً في ظروف معينة.
لكن هذا المسار نفسه أصبح عرضة للتعطيل. فقد أدت هجمات حديثة إلى إلحاق أضرار بالخط، فيما أعلنت السعودية إجراءات لإعادة توجيه بعض الشحنات، بينما أشارت تقارير إلى توقف تحميلات من ميناء ينبع وإلغاء أو تأخير بعض الشحنات المتجهة إلى أوروبا.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كلما حاولت أمريكا وحلفاؤها تقديم مسارات بديلة عن هرمز، امتدت دائرة الحرب لتطال هذه المسارات نفسها.
اليمن يفتح جبهة إضافية على أمن الطاقة
ولا يمكن فصل هذه التطورات، عن العدوان السعودي-الأميركي على اليمن والتصعيد المتجدد في البحر الأحمر. فالهجمات على منشآت الطاقة والمدن السعودية، إلى جانب التطورات العسكرية في محيط باب المندب، تضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى سوق تعاني أصلاً من اختناق الإمدادات. وقد وثقت تقارير حديثة هجمات استهدفت منشآت تابعة لـ”أرامكو” في جنوبي السعودية، بالتزامن مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر.
وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من أن باب المندب يمثل طريقاً رئيسياً لحركة النفط والغاز والتجارة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي. وكانت تدفقات النفط عبره قد تراجعت أصلاً بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة بسبب المخاطر الأمنية، ما دفع مزيداً من الناقلات إلى اتخاذ طرق أطول وأكثر كلفة حول رأس الرجاء الصالح.
وبذلك تتشكل دائرة ضغط متكاملة: هرمز مهدد من جهة، وباب المندب والبحر الأحمر من جهة أخرى، والبدائل البرية، وفي مقدمتها خط الشرق-الغرب السعودي، لم تعد بمنأى عن الاستهداف.
إدارة ترامب أمام أزمة صنعتها بنفسها
وعليه يمكن الجزم بأن وصف إدارة ترامب للأزمة بأنها “مؤقتة” هو أمر غير منسجم مع المؤشرات الصادرة حتى من داخل قطاع الطاقة الأميركي. والقول بأن الأزمة ستنتهي قريباً يحتاج إلى عامل أساسي: انفراجة سياسية أو عسكرية تعيد تدفق الطاقة بصورة مستقرة. لكن تصريحات ترامب نفسها بشأن احتمال استمرار الحرب مع إيران حتى انتخابات التجديد النصفي، إلى جانب غياب تسوية واضحة، تعني أن العامل الذي يفترض أن ينهي الأزمة لا يزال غائباً. وحتى الإجراءات التي تطرحها الإدارة الأميركية، مثل زيادة الإنتاج الفنزويلي أو توسيع قدرات التكرير الأميركية، لا تقدم حلاً سريعاً لمشكلة اختناق طرق الإمداد العالمية. والأزمة الحالية ليست أزمة “سعر” فحسب، بل أزمة إمداد ونقل وتكرير ومخزونات في آن واحد. والأهم أن تداعياتها لا تتوقف عند محطات الوقود. فالديزل يدخل في تشغيل الشاحنات والآلات الزراعية والمصانع، وارتفاع كلفته ينعكس على النقل والإنتاج والغذاء وسلاسل التوريد. ومع اقتراب موسم الحصاد في الولايات المتحدة الأمريكية، تزداد حساسية الاقتصاد الأميركي تجاه أي نقص إضافي في الديزل.
في الختام يمكن الاستنتاج بأن قيام إدارة ترامب باستخدام القوة العسكرية كأداة لإعادة تشكيل معادلات غربي آسيا، قد ارتد عليها وعلى بلاده ودول العالم سلبياً، من خلال ما يكشفه سوق الطاقة من كلفة لهذه السياسة العدوانية. فالحرب التي يُقال إنها ستبقى “مؤقتة” تضرب تدريجياً المخزونات والطرق البديلة وهوامش الأمان، وتمتد تداعياتها من هرمز إلى باب المندب ومن إيران إلى السعودية والأسواق العالمية، وهي مرجّحة في حال استمرار العدوان لأن تمتد الى ساحات أخرى لا تقلّ خطورة وتأثيراً. وعندها سنكون أمام أزمة طاقة عالمية ممتدة، تكون كلفتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أكبر بكثير من مجرد ارتفاع سعر برميل النفط!!
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




