صحافة

عاجل | اتفاقية مكة… تحالف أم محور؟

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | اتفاقية مكة… تحالف أم محور؟

في السياسة، أخطر التحالفات ليست دائماً تلك التي تعلن خصومها بوضوح، بل تلك التي تبدأ تحت عناوين دفاعية مطمئنة، ثم تتوسع وظائفها تدريجياً حتى تجد نفسها جزءاً من معادلة أكبر من أهدافها الأصلية.

ومن هذه الزاوية تحديداً ينبغي قراءة «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان.

فالوثيقة، في ظاهرها، اتفاق دفاعي بين ثلاث قوى إقليمية تبحث عن تعزيز الردع وحماية أمنها في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. لكنها في مضمونها السياسي تفتح باباً أكبر من مجرد التعاون العسكري: باب إعادة تشكيل الأمن في العالم الإسلامي، وربما إنتاج محور جديد تتداخل فيه المصالح الوطنية مع الهوية الإسلامية والنفوذ الجيوسياسي.

وهنا تكمن المفارقة.

اتفاقية تُقدَّم باعتبارها خطوة نحو استقلال الأمن الإقليمي، لكنها لا تلغي منظومة الأمن القائمة؛ بل تأتي مكملة لها.

تركيا ما زالت عضواً في حلف شمال الأطلسي، والسعودية ما زالت مرتبطة بعلاقات أمنية وعسكرية عميقة مع الولايات المتحدة، وباكستان تمتلك بدورها تاريخاً طويلاً من التعاون الأمني مع واشنطن. وفي الوقت نفسه، تجتمع الدول الثلاث تحت مظلة دفاعية تستند إلى خطاب التضامن الإسلامي، فيما تطرح أنقرة إمكانية توسيعها مستقبلاً، إذن نحن أمام معادلة تستحق أكثر من الاحتفاء السياسي بالتوقيع.

هل تبني مكة نظاماً أمنياً إقليمياً مستقلاً، أم تعيد توزيع أعباء الأمن داخل منظومة دولية لا تزال الولايات المتحدة صاحبة النفوذ الأكبر فيها؟

والسؤال الأكثر حساسية:

هل يمكن أن يتحول هذا الترتيب من تحالف بين دول إلى محور ذي هوية إسلامية سياسية عابرة للحدود؟

هنا تبدأ القصة الحقيقية.

من الدفاع المشترك إلى بناء هوية سياسية

تنص الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجوماً عليها جميعاً، وهو مبدأ يمنحها وزناً ردعياً واضحاً، حتى لو كانت التفاصيل العملياتية للالتزام العسكري لا تزال بحاجة إلى التطوير، لكن قيمة أي تحالف لا تقاس فقط بما ورد في نصه، بل بما ينتجه مع مرور الوقت.

فإذا بقيت الاتفاقية إطاراً للتعاون في الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات، والتصنيع العسكري، وحماية الملاحة والطاقة، فإنها قد تمثل تطوراً طبيعياً في مفهوم الأمن الإقليمي، أما إذا توسعت عضويتها، وتطورت هياكلها، وبدأت تنتج خطاباً سياسياً موحداً، فإنها ستنتقل من اتفاق دفاع إلى مشروع نفوذ، وهنا تصبح الهوية أهم من السلاح.

فوجود السعودية وتركيا وباكستان في تحالف واحد لا يجمع بينها فقط ثقلها العسكري والاقتصادي؛ بل يمنحه أيضاً رمزية إسلامية شديدة القوة.

السعودية تمثل مركز الثقل الديني والاقتصادي في العالم العربي والإسلامي.

تركيا تمثل قوة عسكرية وصناعية وجيوسياسية تمتلك مشروعاً إقليمياً واضحاً.

وباكستان تمثل قوة عسكرية كبرى، وعمقاً آسيوياً، وقدرة نووية.

وإذا أضيف إلى هذه العناصر خطاب التضامن الإسلامي، فإن الناتج قد يكون أكبر من مجموع أجزائه.

قد تتحول الهوية الإسلامية من عنصر رمزي في الاتفاقية إلى مصدر شرعية سياسية لتحالف عابر للحدود، وهنا تحديداً يجب التوقف.

الإسلام السياسي… الخطر الذي لا يظهر في نص الاتفاقية

من غير الدقيق وصف اتفاقية مكة بأنها «إخوانية» بالمعنى التنظيمي المباشر، لا يوجد في نصها المعلن ما يثبت أنها مؤسسة أو واجهة لجماعة الإخوان المسلمين، كما أن الدول الثلاث لا يمكن اختزالها في تنظيم أو تيار أيديولوجي واحد.

لكن هذا لا يلغي سؤالاً آخر أكثر أهمية:

ما طبيعة البيئة السياسية التي يمكن أن تتشكل حول هذا التحالف؟

تركيا في عهد رجب طيب أردوغان طورت نموذجاً للقوة يجمع بين الدولة والقوة العسكرية والاقتصاد والنفوذ الثقافي والديني والحضور الإقليمي. وهذا النموذج نشأ داخل تجربة سياسية ذات جذور في الإسلام السياسي التركي، حتى وإن كانت الدولة التركية الحديثة لا تُختزل تنظيمياً في جماعة الإخوان المسلمين.

وهنا تكمن الحساسية.

فالمشكلة ليست في أن تكون للدول الثلاث هوية إسلامية، وإنما في أن تتحول الهوية الإسلامية إلى أساس لإعادة تعريف التحالفات والخصومات والالتزامات العسكرية خارج حدود الدولة الوطنية.

عندها يمكن أن يصبح «العالم الإسلامي» إطاراً سياسياً وليس مجرد فضاء حضارياً، وهذا فارق هائل.

لأن التحالف الذي يقوم على المصالح يمكن تفكيكه وإعادة التفاوض حوله.

أما التحالف الذي يكتسب شرعيته من الهوية، فقد يصبح أكثر قدرة على التعبئة، لكنه في الوقت نفسه أكثر عرضة لتحويل النزاعات السياسية إلى صراعات ذات طابع هوياتي، وهنا تحديداً يجب مراقبة الدور التركي.

فأنقرة لا تمتلك فقط جيشاً وصناعة دفاعية، وإنما تمتلك قدرة على صياغة خطاب سياسي يتجاوز حدودها الوطنية، وتقديم نفسها بوصفها أحد المراكز المؤثرة في العالم الإسلامي.

إذا تحولت اتفاقية مكة إلى منصة أوسع، فإن السؤال لن يكون فقط: كم دولة ستنضم؟

بل:

من سيصوغ هوية هذا التكتل؟

تركيا… الشريك العسكري أم مركز الثقل السياسي؟

تمتلك تركيا أحد أهم عناصر القوة داخل الاتفاقية: الجيش، والصناعة الدفاعية، والتكنولوجيا، والخبرة العملياتية، والشبكات السياسية التي راكمتها خلال السنوات الماضية.

لكن تركيا في الوقت نفسه ليست دولة تتحرك خارج تحالفاتها التقليدية.

أنقرة ما زالت عضواً في الناتو، والمسؤولون الأتراك يؤكدون أن اتفاقية مكة لا تلغي التحالفات والاتفاقيات القائمة، بل تكملها.

وهذا يعني أن تركيا لن تقدم نفسها كقوة تدخل إقليمية تعمل بالنيابة عن الآخرين.

أنقرة ستقاتل عندما تتقاطع الحرب مع مصالحها.

وهذه نقطة يجب أن تفهمها الرياض وإسلام آباد جيداً.

فتركيا لن تدخل تلقائياً في حرب السعودية مع الحوثيين، ولن تدخل بالضرورة في صراع باكستان مع الهند، لمجرد وجود توقيع على ورقة دفاع مشترك.

والسبب بسيط:

الدين قد يصنع خطاباً مشتركاً، لكنه لا يلغي حسابات الدولة، وهذه هي طبيعة السياسة الدولية.

باكستان… القوة التي لا يمكن تحويلها إلى شيك مفتوح

أما باكستان، فوجودها يمنح الاتفاقية بعداً مختلفاً.

إنها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحاً نووياً، ولديها جيش كبير وخبرة عملياتية طويلة، وعلاقات عسكرية راسخة مع السعودية.

لكن اختزال الدور الباكستاني في «المظلة النووية» سيكون خطأ استراتيجياً، فإسلام آباد تعيش في بيئة أمنية مختلفة عن بيئة الرياض وأنقرة.

الهند هي التهديد الأمني الأكبر في حساباتها، والصين شريك استراتيجي واقتصادي محوري، والولايات المتحدة ما زالت حاضرة في حساباتها الأمنية، فيما تحتاج باكستان إلى علاقات قوية مع الخليج لأسباب اقتصادية وسياسية.

لذلك فإن أي طلب من باكستان للدخول في مواجهة إقليمية سيكون محكوماً أولاً بحسابات الأمن الوطني الباكستاني، وهذا ينطبق أيضاً على تركيا.

التحالف لا يلغي المصالح الوطنية، وإنما يحاول مواءمتها.

ولهذا فإن الحديث عن «جيش إسلامي» أو قوة عسكرية موحدة لا يزال سابقاً لأوانه.

السعودية… لا تستبدل مظلة بمظلة

أما بالنسبة للسعودية، فإن الاتفاقية تحمل فائدة واضحة.

الرياض تريد تنويع خياراتها الأمنية بعد سنوات كشفت خلالها الأزمات الإقليمية هشاشة بعض الترتيبات التقليدية.

وهذا مفهوم.

لكن الخطأ سيكون في الاعتقاد أن تنويع التحالفات يساوي الاستقلال الاستراتيجي.

الاستقلال لا يعني استبدال واشنطن بأنقرة أو إسلام آباد.

ولا يعني أن تنتقل السعودية من الاعتماد على مظلة أمريكية إلى الاعتماد على مظلة إقليمية.

الاستقلال الحقيقي يبدأ عندما تصبح القوة الوطنية السعودية هي مركز المعادلة، ويصبح التحالف الخارجي مضاعفاً لهذه القوة لا بديلاً عنها.

ولهذا ينبغي أن تستثمر الرياض الاتفاقية في تطوير دفاعها الجوي والصاروخي، والصناعات العسكرية، والاستخبارات، والأمن السيبراني، وحماية المنشآت النفطية، وتأمين الممرات البحرية.

فإذا كانت الاتفاقية ستدفع السعودية إلى بناء قدراتها الذاتية، فهي مكسب استراتيجي.

أما إذا دفعتها إلى الاعتقاد بأن هناك جيشاً تركياً أو باكستانياً سيأتي تلقائياً للدفاع عنها في كل أزمة، فإنها قد تتحول إلى مصدر وهم استراتيجي.

المفارقة الأمريكية

وهنا نصل إلى أخطر نقطة في الاتفاقية.

الدول الثلاث تسعى إلى تنويع خياراتها الأمنية، لكن الاتفاقية نفسها لا تلغي النظام الأمني القائم.

وهذا يعني أن واشنطن لا تختفي من المشهد.

بل ربما يتغير دورها.

فبدلاً من أن تكون الولايات المتحدة وحدها مسؤولة عن الجزء الأكبر من أمن الخليج والممرات البحرية، يمكن أن تتحمل القوى الإقليمية جزءاً أكبر من هذه الكلفة.

وهنا تظهر عبارة شديدة الأهمية:

الاستقلال في الأدوات لا يعني بالضرورة الاستقلال في الوظيفة.

يمكن للسعودية وتركيا وباكستان أن تبني آلية أمنية خاصة بها، لكنها في الوقت نفسه قد تؤدي وظائف تتقاطع مع المصالح الأمريكية: حماية الطاقة، تأمين الملاحة، احتواء الصراعات، مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ، وضمان استقرار الممرات التجارية.

وهذا لا يعني أن واشنطن صممت الاتفاقية أو تتحكم بها.

بل يعني أن نتائج التحالف قد تكون أهم من نواياه الأصلية.

فإذا أصبحت الدول الثلاث تتحمل جزءاً أكبر من تكلفة الأمن الإقليمي، بينما تستمر الولايات المتحدة في الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي، فإن السؤال يصبح:

هل نحن أمام استقلال عن واشنطن، أم أمام إعادة توزيع للأدوار داخل المنظومة التي تقودها واشنطن؟

وإسرائيل… المستفيد غير المباشر؟

هنا يجب أن يكون التحليل أكثر دقة.

لا توجد في الاتفاقية المعلنة إشارة تجعل إسرائيل طرفاً فيها، ولا دليل على أن التحالف تأسس لحماية المصالح الإسرائيلية.

لكن إسرائيل تنظر إلى الأمن الإقليمي من زاوية مختلفة: الصواريخ، الطائرات المسيّرة، الملاحة، الطاقة، إيران، البحر الأحمر، والممرات الاستراتيجية.

وأي منظومة إقليمية قادرة على حماية هذه المصالح أو تحييد بعض مصادر التهديد يمكن أن تنتج فوائد لإسرائيل، حتى من دون أن تكون إسرائيل عضواً فيها.

وهذا هو مفهوم المستفيد غير المباشر.

فإذا أدى التحالف إلى احتواء التهديدات الإيرانية، وحماية الملاحة، وتأمين منشآت الطاقة، ومنع توسع الصراعات، فقد تتقاطع بعض نتائجه مع المصالح الإسرائيلية.

لكن المفارقة تصبح أكثر إثارة إذا حمل التحالف في الوقت نفسه خطاباً إسلامياً وسياسياً يبدو في ظاهره أقرب إلى بناء استقلال عن الغرب.

قد يكون الخطاب شيئاً، والوظيفة شيئاً آخر.

وهذه واحدة من أخطر مفارقات السياسة الدولية.

إيران… الخصم الذي لا يُأفاد

الدول الثلاث تقول إن الاتفاقية لا تستهدف إيران.

وإيران نفسها صرّحت أنها لا ترى سبباً للقلق من الاتفاق، واعتبرت الاتفاقية مؤشراً إلى تحول إقليمي نحو الاعتماد على الذات في المجال الأمني.

لكن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال ما تقوله الدول، بل من خلال ما تضيفه الاتفاقيات إلى ميزان القوة.

ومن الطبيعي أن تراقب طهران هذا التحول.

فالسعودية خصم إقليمي مهم، وتركيا منافس وشريك في الوقت نفسه، وباكستان دولة ذات عمق استراتيجي في محيط إيران.

وإذا توسعت الاتفاقية، فقد تصبح إيران أمام منظومة أمنية جديدة على حدود مجالها الإقليمي.

وهنا تكمن أهمية الموقف الإيراني الهادئ نسبياً.

فطهران تدرك أن مهاجمة الاتفاقية مبكراً قد تمنحها هوية معادية لإيران.

أما التعامل معها باعتبارها إطاراً دفاعياً قابلاً للحوار، فيمنح إيران مساحة لإعادة بناء موقعها داخل أي نظام أمني إقليمي مستقبلي.

البحر الأحمر… أول اختبار

الاختبار الأول قد لا يكون حرباً كبرى.

قد يكون البحر الأحمر.

فالملاحة والطاقة يمثلان أحد أهم المصالح المشتركة للدول الثلاث، كما أن أمن البحر الأحمر يرتبط مباشرة بأمن السعودية وبمصالح تركيا التجارية وبحسابات باكستان البحرية.

وهنا ستظهر الفجوة بين الورق والواقع.

هل ستتدخل تركيا؟

هل ستتدخل باكستان؟

هل ستكتفيان بالدعم السياسي والاستخباراتي؟

هل سيُفعل مبدأ الدفاع المشترك؟

أول أزمة حقيقية ستحدد معنى الاتفاقية أكثر من كل البيانات.

الخطر الحقيقي ليس في التحالف… بل في تحوله إلى محور

اتفاقية مكة ليست خطراً في ذاتها.

الخطر يبدأ عندما تتجاوز حدودها.

إذا بقيت اتفاقية دفاعية مرنة، فإنها يمكن أن تكون مفيدة.

إذا تحولت إلى إطار للتصنيع العسكري وتبادل التكنولوجيا وحماية الملاحة، فإنها قد تصبح إحدى أهم التجارب الأمنية الإقليمية.

لكن إذا تحولت إلى محور سياسي ذي هوية إسلامية عابرة للحدود، فستدخل المنطقة مرحلة مختلفة تماماً.

لأن المحور لن يحتاج عندها إلى تعريف نفسه عسكرياً فقط.

سيحتاج إلى تعريف:

من هو خصمه؟ ما هي رؤيته للمنطقة؟ ما هي علاقته بالولايات المتحدة؟ ما هي علاقته بإسرائيل؟ كيف يتعامل مع إيران؟ كيف ينظر إلى الهند؟ ومن يحدد أولويات الحرب والسلم؟ وهنا تحديداً يظهر الخطر الأيديولوجي.

فالتحالف الذي يستمد شرعيته من المصالح يمكن أن يتغير بتغير المصالح، أما التحالف الذي يستمد جزءاً من شرعيته من الهوية فقد يصبح أكثر صعوبة في الاحتواء عندما تقع الأزمات.

من يقود العالم الإسلامي؟

السؤال الأكثر عمقاً ربما لا يتعلق بالسلاح أصلاً، بل بالقيادة.

إذا اتسعت اتفاقية مكة، فستصبح هناك ثلاث قوى داخلها، لكل منها نوع مختلف من القوة.

السعودية تملك الشرعية الدينية والثقل الاقتصادي.

تركيا تملك القوة العسكرية والصناعية والنفوذ السياسي.

باكستان تملك القوة العسكرية والعمق الآسيوي والقدرة النووية.

لكن من سيقود؟ هذا السؤال ليس بروتوكولياً.

لأن قيادة أي محور تعني القدرة على صياغة أولوياته.

وهنا قد تظهر المنافسة الصامتة بين الرياض وأنقرة.

السعودية لا تريد أن تتحول إلى ممول لمشروع إقليمي تقوده دولة أخرى.

وتركيا لن تقبل بسهولة أن تكون مجرد ذراع عسكرية لمشروع سعودي.

وباكستان ستبحث دائماً عن مساحة تحمي مصالحها بين الهند والصين والخليج والولايات المتحدة.

إذن:

التحالف يجمع القوة، لكنه لا يلغي التنافس على القيادة.

وهذه واحدة من نقاط ضعفه المحتملة.

ثلاثة مسارات أمام مكة

المسار الأول هو الأفضل:

أن تتحول الاتفاقية إلى منظومة دفاع إقليمية عملية، تركز على حماية الدول الأعضاء، وتطوير الصناعات الدفاعية، ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، دون أن تتحول إلى محور أيديولوجي.

المسار الثاني أكثر خطورة:

أن تتحول إلى محور إسلامي سياسي، تتداخل فيه الهوية الدينية مع الأمن، وتتوسع العضوية، وتصبح تركيا مركزاً سياسياً مؤثراً في صياغة توجهاته.

أما المسار الثالث فهو الأكثر مفارقة:

أن تتحول إلى طبقة إقليمية جديدة داخل النظام الأمني الدولي القائم؛ تتحمل السعودية وتركيا وباكستان جزءاً أكبر من أعباء الردع وحماية الطاقة والملاحة، بينما تستمر الولايات المتحدة في الاحتفاظ بنفوذها الاستراتيجي، وتستفيد إسرائيل بصورة مباشرة أو غير مباشرة من نتائج الاستقرار الأمني الجديد.

وهنا تصبح الاتفاقية شبيهة بمفارقة تاريخية:

تحالف قد يبدأ باسم الاستقلال، لكنه ينتهي بإعادة توزيع أعباء النظام الذي أراد الاستقلال عنه.

الاختبار يبدأ الآن

لا ينبغي الحكم على اتفاقية مكة من لحظة توقيعها.

فالاتفاقيات الدفاعية لا تُختبر في القصور ولا في البيانات، وإنما في لحظة الخطر.

عندما تتعرض السعودية لهجوم، ستظهر حقيقة الالتزام التركي والباكستاني.

وعندما تواجه باكستان أزمة مع الهند، سيظهر ما إذا كان الدفاع المشترك التزاماً متبادلاً أم مجرد إطار سياسي.

وعندما تتعرض الملاحة في البحر الأحمر للخطر، سيظهر ما إذا كان التحالف قادراً على إنتاج قوة عملياتية مشتركة.

وعندما تختلف الدول الثلاث حول إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة، سيظهر ما إذا كانت الاتفاقية تحالف مصالح أم بداية محور سياسي.

وعندما تتوسع العضوية، سيظهر السؤال الأكبر:

هل ستظل مكة اتفاقية دفاع، أم تتحول إلى مشروع قيادة للعالم الإسلامي؟

لهذا فإن الخطر الاستراتيجي الحقيقي لا يكمن في أن تمتلك السعودية وتركيا وباكستان قوة أكبر.

القوة في حد ذاتها ليست المشكلة.

المشكلة في الهوية التي ستمنح هذه القوة معناها، والعقيدة التي ستحدد استخدامها، والجهة التي ستحدد خصومها، والمنظومة الدولية التي ستعمل داخلها.

فإذا نجحت الدول الثلاث في إبقاء الاتفاقية ضمن حدود الدولة والمصلحة الوطنية، فقد تكون مكة بداية حقيقية لأمن إقليمي أكثر استقلالاً.

أما إذا دخلت الهوية الإسلامية السياسية إلى قلب المشروع، وتحولت الاتفاقية إلى محور عابر للحدود، فقد نكون أمام تجربة مختلفة تماماً؛ تجربة يمكن أن تجعل من تركيا مركزاً سياسياً لهذا المحور، ومن السعودية مركزه الاقتصادي والديني، ومن باكستان عمقه العسكري.

وفي الوقت نفسه، إذا بقي هذا المحور يعمل داخل بنية أمنية تكملها الولايات المتحدة ولا تستبدلها، فقد تجد الدول الثلاث نفسها أمام مفارقة لم تكن في حساباتها:

أن تتحول القوة التي بُنيت تحت شعار الاستقلال الإقليمي إلى قوة تتحمل جزءاً من أعباء الأمن الذي يخدم، في بعض نتائجه، المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

وهنا لا يعود السؤال:

هل اتفاقية مكة قوية؟ ولا.

هل هي موجهة ضد إيران؟

بل يصبح السؤال الأخطر:

من سيملك هذه القوة عندما تكتمل؟ هل ستملكها الدول الثلاث؟ أم سيملكها المشروع السياسي الذي قد يتشكل حولها؟أم ستصبح، من حيث لا تريد، جزءاً من منظومة أمنية أكبر منها؟

في النهاية، اتفاقية مكة لا تُختبر بما صرّحته عند ولادتها، بل بما ستتحول إليه عندما تمتلك القوة، وتتسع العضوية، وتأتي لحظة القرار.

فهل نحن أمام تحالف دفاعي… أم أمام محور جديد يعيد رسم خريطة النفوذ في العالم الإسلامي؟

هذا المأوضح يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — عاجل | اتفاقية مكة… تحالف أم محور؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى