🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | الحرب لم تخلق بالضرورة كتلة إقليمية مناهضة لإيران، خلقت منطقة اكثر براغماتية
الحرب لم تخلق بالضرورة كتلة
إقليمية مناهضة لإيران، خلقت
منطقة اكثر براغماتية
المصدر:معاريف
بقلم: آنا برسكي
👈وصل ماركو روبيو هذا الأسبوع الى الخليج مع ابتسامة دبلوماسية مهنية لوزير خارجية ومع شحنة زائدة لرجل إطفاء. في ابوظبي، في الكويت وفي المنامة لم يلقَ أجواء احتفاليةوكان يعرف هذا جيدا حتى قبل أن يهبط. على طاولات المضيفين انتظره تفصيل جاف جدا لثمن الحرب: إصابات لمنشآت مدنية، تشويشات في المطارات والموانيء، اضرار في منشآت الطاقة والفنادق، أسابيع من التجارة البحرية غير المستقرة، تأمين بحري ارتفع ثمنه، سفن متأخرة ونفط لم يضخ كالمعتاد. يدور قادة الخليج باحساس عسير: مرة أخرى يطالبونهم بان يتحملوا ثمن الاتفاق مع ايران فيما أن طهران تخرج منه بتسهيلات
الطلب الاماراتي، كما تعرضه مصادر دبلوماسية بسيط حتى وحشي: قبل أن تحرر لإيران المليارات، فلتدفع. لا بعملة التصريحات ولا بتعهد غامض بـ “اللجم” بل بالمال وبالضمانات. اتحاد الامارات، حسب تلك المصادر، ترفض في هذه المرحلة ان تحرر نحو 3 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة. من ناحية ابوظبي، لا يمكن لإيران أن تخرج من الحرب مع اكسجين مالي، مع شرعية سياسية ومع مدخل متجدد للتجارة وكأنها لم تجبي ثمنا من جيرانها وكأن مضيق هرمز هو فقط بند فني آخر في الاتفاق.
وهذه فقط المقدمة. حول التفاهمات بين واشنطن وطهران تدور ارقام كبيرة أكبر بكثير: نحو 12 مليار دولار من قطر، نحو 3 مليار أخرى من الامارات وبالتوازي – مداولات عن أموال إيرانية أخرى محتجزة في العراق وفي أماكن أخرى. في الدوائر الإقليمية يأفاد أيضا صندوق اعمار مستقبلي لإيران بحجوم تكفي لان تدفع كل وزير مالية خليجي لان يتحرك في كرسيه بعدم ارتياح. في الخليج لا يرون في هذا بادرة سخاء لفتح صفحة جديدة. من ناحيتهم هذه صفحة حساب كتب بالامريكية – الترامبية ورفعت لهم بالعربية.
مأفادة التفاهم التي ولدت بعد الحرب تباع في واشنطن كانجاز: مضيق هرمز فتح، الأسواق هادئة، ايران تدخل الى مسار 60 يوم من المفاوضات وترامب يمكنه أن يعلن بانه أعاد العالم من الحافة. في عواصم الخليج يقرأون الوثيقة ذاتها بشكل مختلف تماما. من ناحيتها، ايران تتلقى سلفة قبل أن يفحص احد اذا كانت بالفعل استبدلت القرص. من تضرر بالصواريخ وبالتهديد على الملاحة يسعون الان لان يساعدوا في تمويل الهدوء.
هذه المرة خيبة الامل أكثر لذعا لان ترامب ورجاله عرضوا الحرب كفرصة لنظام آخر. في إسرائيل وفي بعض عواصم الخليج أملوا في أن تترجم القوة التي استخدمت ضد ايران الى إنجازات سياسية واضحة: الى اتفاق يتضمن قيودا اكثر حدة على البرنامج النووي، معالجة للصواريخ الباليستية، لجم وكلاء طهران، ضمانات لملاحة حرة وثمن اقتصادي على العدوان. النتيجة في هذه الاثناء اكثر تواضعا بكثير ان لم نقل معاكسة. ايران تضررت عسكريا، لكنها دخلت الى المفاوضات مع ورقة قديمة ناجحة: القدرة على تشويش الملاحة، تصدير النفط واحساس الامن لدى جيرانها. طالما كان بوسعها أن تهدد الملاحة في هرمز، الموانيء في المنطقة ومنشآت الطاقة لجيرانها، لا يمكن لاي تسوية في الخليج أن تتجاهلها.
بين الصيغة الامريكية والصيغة الإيرانية تختبىء فجوة صغيرة في الصياغة وخطيرة جدا فعليا. واشنطن تقول ان ايران وعدت الا تجبي رسوما على العبور في المضيق. في طهران يتحدثون عن 60 يوما. بعدها، كما يقولون هناك، سيكون ممكنا البحث في “خدمات”، “حراسة”، “مساعدة”، “تأمين”. في هذه المنطقة هذه الكلمات ليست زينة دبلوماسية. هي حجارة أولى في الحائط. من هنا ولدت آلية وبعد ذلك نمط، وفي النهاية ثمن احد لا يسميه ضريبة كي لا يهين الاحتفال.
عُمان دخلت بالضبط الى هذه المساحة، وبعدها قطر. كلتاهما تفعلان ما تعرفان كيف تفعلا: عُمان تجعل الغموض قناة هدوء وقطر تجعل كل أزمة أزمة مركزية يضطر الجميع الى عبورها. المبادرة للانشغال في إدارة الملاحة في هرمز، في الخدمات البحرية وفي الكلفات المرافقة ليست مسألة فنية لموظفي المواصلات البحرية. هذه بداية حديث إقليمي لا تجلس فيه ايران على مقعد الاتهام بل على طاولة التسوية. دول الخليج تتميز غضبا عليها، لكنها تفهم جيدا بان حتى الاسطول الأمريكي ليست بوليصة تأمين كاملة لكل سفينة نقل.
السعودية هي الأخرى تجلس على المدرج وتجري حساباتها. لا تسارع الرياض لان تختار جانبا بصوت عالٍ. هي ترى قطر، تركيا والباكستان تقترب من موقف وساطة يبقي لإيران مكانا على الطاولة. ترى الامارات، البحرين والكويت غاضبة على ايران لكنها بحاجة الى الاستقرار تجاهها. ترى واشنطن تحاول انهاء الحرب بأسرع مما كان حفاؤها يريدون. ليس للسعوديين مشاعر زائدة. هم سيختارون المسار الذي يمنحهم امنا أكثر، نفوذا اكثر ومجال مناورة اكثر. اذا مر هذا عبر واشنطن، فممتاز. واذا كان عبر قناة خليجية – إيرانية حذرة، فهذا أيضا سينظر فيه.
شرق أوسط اكثر وعيا
دول الخليج لا تبدل المعسكر. هي بعيدة عن ذلك. هي تخاف من ايران، تغضب عليها، لا تصدقها، وفي بعضها يرون فيها تهديدا مباشرا على نموذج ازدهارها. ومع ذلك فان الاعتماد الحصري على المظلة الامريكية تبدو لها فجأة هزيلة جدا. اذا كان ترامب يريد صفقة مع طهران، واذا كانت واشنطن مستعدة لان تحرر الأموال وتخفف العقوبات قبل أن تشد كل البراغي، فمن الأفضل لها أن تفتح قناة موازية. ليس انطلاقا من مصالحة تاريخية وليس انطلاقا من وهم جديد، بل انطلاقا من غريزة بقاء لدول غنية، صغيرة نسبيا، تعيش بين ايران، نفط، بحر مفتوح وأسواق عصبية.
وعليه فقد اصبح المال مركز الغضب. في واشنطن يمكنهم أن يتحدثوا عن آلية إنسانية، عن خطوة بناء ثقة، عن حافز للمفاوضات. في ابوظبي، في المنامة وفي الكويت يبدو هذا مختلفا تماما: ايران تطلق النار، تهدد، تشوش – وتتلقى قدرة وصول الى حسابات مجمدة كي يكون لها حافظ لان تتصرف بشكل جميل. “دفع مسبق” يسمون هذا في الغرف المغلقة في الخليج. في الشرق الأوسط من يدفع مسبقا يكتشف أحيانا بان البائع لم يقرر بعد ماذا يبيع.
روبيو يفهم هذا، بقدر كبير هو أُرسل لان يعالج ضررا لم يولد في مكتبه. يأتي الى الخليج كمندوب إدارة لا يشد فيها كل اللاعبين في الاتجاه ذاته. نائب الرئيس فانس يتصدر خطا يفضل تقليص التدخل العسكري الأمريكي، الامتناع عن التورد وعقد صفقات حتى عندما يبقى الغموض الإقليمي على الطاولة. اما روبيو، الذي ينظر الى ايران بعيون أخرى فيحاول وضع كوابح: منع طهران من جباية ثمن في هرمز، سد طريقها لموطىء قدم في الاليات حول لبنان، ضمان الا يبدو الاتفاق كاستسلام اديب. المشكلة هي انه في إدارة ترامب كالمعتاد، ليس واضحا دوما من يدير الفرقة الموسيقية ومن لم يدعَ الا لان يحمل الآلة الموسيقية الصعبة.
من ناحية إسرائيل، بعد الحرب أرادوا أن يروا جبهة إقليمية اكثر حزما تجاه ايران، دول خليجية تتبنى أخيرا تحذيرات ايرات والولايات المتحدة تترجم الإنجازات العسكرية الى تسوية متصلبة. بدلا من هذا تأتي صورة اكثر تعقيدا بكثير. دول الخليج غاضبة على ايران، لكنها تتحدث معها. هي بحاجة الى الولايات المتحدة لكنها لم تعد تودع لديها كل الامن. هي تفهم مخاوف إسرائيل لكنها لا تتطوع لتبني استراتيجية إسرائيلية من الضغط المتواصل. هي تريد استقرارا، ملاحة مفتوحة، نفطا يباع وأسواق هادئة. اما إسرائيل فتريد أن تتشدّد من أن ايران لا تبني من جديد قوتها تحت غلاف الاتفاق. التداخل بين المصالح قائم لكنه اقل بكثير مما درجوا على الحديث عنه في القدس.
على نحو شبه وحشي، خسرت ايران جزءاُ من الحرب، لكنها نجحت في أن تقرر جزءاً من لغة اليوم التالي. خرجت مرضوضة لكنها غير معزولة. لم تنزل خصومها على الركبتين لكنها أفادتهم بانها يمكنها أن تؤلم. الان هي تجلس امام أمريكا وامام الخليج مع رسالة بسيطة: تريدون الهدوء؟ تريدون هرمز مفتوحة؟ تريدون ألا يشعل حزب الله الشمال؟ تحدثوا معنا! هذه ليست قوة منتصر، هذه قوة من لم يهزم.
وإسرائيل؟ إسرائيل تكتشف مرة أخرى بان الإنجازات العسكرية ليست خطة سياسية. يمكن ضرب المنشآت، اغتيال القادة، ضعضعة المنظومات وابداء تفوق استخباري وجوي. لكن اذا كانت دول الخليج في نهاية الامر تفتح قناة مستقلة مع ايران، واشنطن تلاحق الاتفاق، قطر وعُمان تديران حوارا على هرمز، ولبنان تصبح جزءاً من المساومة الإقليمية – فان إسرائيل لا تقود التسوية بل ترد عليها.
لعل هذا هو السطر الأخير الأصعب على البلع في القدس. الحرب لم تخلق بالضرورة كتلة إقليمية مناهضة لإيران. خلقت منطقة اكثر وعيا، اكثر شكا واساسا اكثر براغماتية. كل واحد يفحص ما الذي يمكنه أن ينقذه. الامارات تفحص المال، الكويت والبحرين الامن، قطر مكانتها كوسيطة، عُمان هرمز والسعودية كالمعتاد تجلس على الجدار وتحسب من سيدفع لها اكثر على النزول عنه. الولايات المتحدة تفحص كيف تحول النار الى وقف نار دون أن تعترف بالفشل، ايران تفحص كم يمكن الابتزاز بعد أن تضررت، وإسرائيل تفحص كيف حصل انه بعد هذا القدر الكبير من النار، بعد هذا القدر الكبير من التصريحات وبعد هذا القدر الكبير من الوعود بنظام جديد – هي مرة أخرى تخرج نفسها من الغرفة التي توزع فيها الخرائط.
بالنسبة لإسرائيل هذا درس بارد. في الشرق الأوسط الجديد حقا، ليس ذاك الذي سوق في الاستعراضات الالكترونية، حلفاء الامس لا يختفون بالضرورة. هم ببساطة يتعلمون الحديث مع العدو من أول أمس كي ينجوا الغد
Https://t.me/wakalanewsOfficial