عاجل عاجل | لسلامة غذائك وأرضك بعد الحرب
صحافة

عاجل | حيفا مقابل الضاحية: إيران تفرض معادلة الردع و”إسرائيل” تواجه مأزق الاستباحة

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | حيفا مقابل الضاحية: إيران تفرض معادلة الردع و"إسرائيل" تواجه مأزق الاستباحة

لم يكن المشهد هذه المرة مشهداً عادياً في سجل المواجهة المفتوحة بين إيران و"إسرائيل". فالصواريخ التي انطلقت باتجاه الشمال الفلسطيني المحتل لم تكن فقط رد عسكري على غارة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، ولم تكن فقط رسالة تضامن تقليدية مع حزب الله أو دعماً لجبهة لبنان ضمن محور المقاومة. بل أن ما جرى يحمل دلالة أعمق بكثير: محاولة إيرانية واضحة لتثبيت معادلة ردع جديدة عنوانها "حيفا مقابل الضاحية"، وتحويل أي اعتداء "إسرائيلي" على بيروت أو جنوب لبنان إلى تهديد مباشر للأمن "الإسرائيلي" نفسه.

منذ سنوات طويلة، سعت "إسرائيل" إلى تكريس ما يمكن تسميته بـ"معادلة الاستباحة". أي أن تحتفظ بحق توجيه الضربات العسكرية متى تشاء وأينما تشاء، سواء في لبنان أو سوريا أو غزة أو حتى داخل إيران نفسها، مع بقاء قرار التصعيد وضبطه بيدها وحدها. كانت تل أبيب تراهن دائماً على أن خصومها سيردون ضمن حدود محسوبة، وأن سقف المواجهة سيبقى مضبوطاً بما لا يهدد العمق "الإسرائيلي" بصورة مباشرة.

غير أن التطورات الأخيرة توحي بأن طهران قررت اختبار هذه المعادلة وكسرها وجعلها من الماضي. فالرسالة الإيرانية تبدو واضحة: الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان لم تعد ساحة منفصلة عن الأمن القومي الإيراني، واستهدافها لن يبقى حدثاً لبنانياً يمكن احتواؤه داخل الحدود اللبنانية. وإذا كانت "إسرائيل" تريد تحويل لبنان إلى ساحة ضغط دائمة، فإن إيران تريد بالمقابل تحويل أي اعتداء على لبنان إلى قضية إقليمية تتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية وتصل إلى حيفا والشمال الفلسطيني المحتل.

من الصبر الاستراتيجي إلى التناسب الاستراتيجي

طوال السنوات الماضية، تبنت إيران ما أطلقت عليه سياسة "الصبر الاستراتيجي"، وهي سياسة قامت على تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع "إسرائيل" أو الولايات المتحدة؛ لكن ما يظهر اليوم هو انتأوضح تدريجي من مفهوم الصبر الاستراتيجي إلى مفهوم آخر يمكن وصفه بـ"التناسب الاستراتيجي". فبدلاً من الاكتفاء بإدارة الردود عبر الحلفاء، باتت طهران مستعدة لإظهار قدرتها على التدخل المباشر عندما ترى أن الخطوط الحمراء الأساسية قد تم تجاوزها.

اختيار قاعدة رامات دافيد الجوية لم يكن تفصيلاً تقنياً أو هدفاً عسكرياً هامشياً. فهذه القاعدة ترتبط مباشرة بالعمليات العسكرية "الإسرائيلية" في الجبهة الشمالية، واستهدافها يحمل رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد. الرسالة تقول إن مصدر الاعتداء أصبح هدفاً مشروعاً للرد وليس رمزياً، وإن إيران لم تعد تقبل بفصل الجبهات أو بعزل لبنان عن معادلات الأمن الإقليمي.

مأزق "إسرائيلي" متعدد الأبعاد

المشكلة التي تواجه "إسرائيل" اليوم لا ترتبط فقط بحجم الضربات المتبادلة أو بالأضرار العسكرية المباشرة، بل بالمعنى الاستراتيجي الذي كشفته هذه الجولة من المواجهة. فبعد استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، ردّت إيران مباشرة باستهداف قاعدة رامات دافيد في الشمال الفلسطيني المحتل، وعندما نفّذت "إسرائيل" لاحقاً هجمات على مواقع داخل إيران، لم تتراجع طهران أو تكتفِ بالرد الأول، بل عادت وأطلقت عملية جديدة استهدفت قواعد ومراكز عسكرية "إسرائيلية"، مؤكدة أن الرد لم يكن حدثاً هامشياً أو رسالة رمزية، بل جزءاً من مسار يراد له أن يرسخ قواعد اشتباك جديدة.

هنا تكمن المعضلة "الإسرائيلية" الحقيقية. فتل أبيب كانت تراهن تاريخياً على قدرتها على المبادرة والضرب ثم احتواء ردود الفعل ضمن سقوف يمكن التحكم بها. أما اليوم، فإنها تواجه خصماً يسعى إلى تحويل كل تصعيد "إسرائيلي" إلى سلسلة ردود متبادلة ترفع الكلفة تدريجياً وتضع العمق الإسرائيلي نفسه في دائرة الاستهداف المباشر.

الأخطر بالنسبة إلى المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية" أن استمرار الردود الإيرانية بعد الهجوم "الإسرائيلي" الأخير يوحي بأن طهران لا تتعامل مع المواجهة باعتبارها ضربة مقابل ضربة، بل باعتبارها معركة لتثبيت معادلة ردع جديدة عنوانها أن استهداف لبنان أو إيران لن يمر من دون ثمن مباشر ومتكرر. وبذلك تجد "إسرائيل" نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: فإما الاستمرار في التصعيد والمخاطرة بتوسيع الحرب على امتداد جبهات لبنان والعراق واليمن وفلسطين وربما أبعد من ذلك، وإما الاكتفاء بردود محدودة قد تُفسَّر إقليمياً على أنها عجز عن كسر المعادلة التي تحاول طهران فرضها.

ومن هنا لا يبدو الصراع الدائر مجرد تبادل للضربات، بل صراع على من يمتلك حق تحديد قواعد الاشتباك الجديدة في المنطقة: "إسرائيل" التي سعت لعقود إلى الاحتفاظ بحرية العمل العسكري، أم إيران فإنها تفرض معادلة تقوم على الرد المباشر والمتكرر كلما جرى تجاوز ما تعتبره خطوطاً حمراء استراتيجية.

أزمة الهيمنة الأميركية

في موازاة المأزق "الإسرائيلي"، تبرز معضلة أميركية لا تقل أهمية؛ فالولايات المتحدة تحاول الظهور بمظهر الطرف الساعي إلى التهدئة، وتقديم نفسها كوسيط يريد منع التصعيد وضبط الإيقاع العسكري. لكن هذا الخطاب يصطدم بحقيقة أن واشنطن تبقى الحليف الاستراتيجي الأول لـ"إسرائيل"، وأن معظم القوى الإقليمية تنظر إليها بوصفها شريكاً أساسياً في السياسات "الإسرائيلية" لا مراقباً محايداً لها.

من هنا، تبدو محاولات الإدارة الأميركية للفصل بين دورها ودور "إسرائيل" محدودة الفعالية. فطهران تدرك أن أي معادلة ردع جديدة لن تكون قابلة للحياة إذا بقيت الولايات المتحدة قادرة على توفير الغطاء السياسي والعسكري الكامل لتل أبيب من دون أن تتحمل أي كلفة مقابلة.

ولهذا السبب، فإن الرسائل الإيرانية لا تتوجه إلى "إسرائيل" وحدها، بل إلى واشنطن أيضاً. فالمقصود ليس فقط ردع "إسرائيل"، بل إفهام الولايات المتحدة أن استمرار سياسة دعم العمليات "الإسرائيلية" قد يضع مصالحها وقواعدها العسكرية وشبكات الطاقة المرتبطة بها في دائرة المخاطر مستقبلاً.

وحدة الساحات كواقع لا كشعار

أحد أهم التحولات التي كشفتها التطورات الأخيرة يتمثل في انتأوضح مفهوم "وحدة الساحات" من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى الممارسة الميدانية؛ فخلال السنوات الماضية، تعامل كثيرون مع هذا المفهوم باعتباره شعاراً إعلامياً أكثر منه استراتيجية عملية؛ لكن الربط المباشر بين الضاحية الجنوبية لبيروت وحيفا، وبين الجبهة اللبنانية والرد الإيراني المباشر، يعكس محاولة لترجمة هذا المفهوم إلى وقائع ميدانية ملموسة.

فإيران تريد القول إن أمن حلفائها بات جزءاً من أمنها القومي، وإن أي محاولة لعزل الجبهات أو التعامل مع كل ساحة على حدة لم تعد ممكنة بالسهولة التي كانت قائمة في السابق.

اختبار ما بعد الحرب

لكن ما جرى خلال الساعات اللاحقة يكشف أن طهران لا تتعامل مع المواجهة باعتبارها رداً هامشياً أو رسالة سياسية محدودة الأثر. فبعد استهداف قاعدة رامات دافيد رداً على العدوان على الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان، جاءت الضربات "الإسرائيلية" داخل إيران، غير أن طهران لم تتراجع ولم تكتفِ بإعلان الموقف، بل عادت وردّت مجدداً عبر استهداف قواعد ومراكز عسكرية إسرائيلية، فيما استمرت الهجمات باتجاه حيفا والشمال الفلسطيني المحتل منذ ساعات الصباح. وهذا بحد ذاته يحمل دلالة استراتيجية بالغة الأهمية، إذ إن إيران لا تختبر معادلة ردع جديدة فحسب، بل تعمل على تثبيتها عملياً بالنار.

فالرسالة الإيرانية تبدو واضحة: استهداف الضاحية لم يعد حدثاً لبنانياً معزولاً، ولا يمكن للكيان الإسرائيلي أن تتعامل معه باعتباره ساحة مفتوحة لا يترتب عليها ثمن مباشر. ومن خلال الانتأوضح من رد أول إلى رد ثانٍ بعد الهجوم "الإسرائيلي"، تسعى طهران إلى ترسيخ قاعدة مفادها أن أي اعتداء على لبنان أو إيران سيقابله رد مباشر ومتكرر على العمق "الإسرائيلي"، وأن زمن الضربة "الإسرائيلية" التي تمر بلا كلفة استراتيجية آخذ في التراجع.

الأهم أن إيران لا تبدو في موقع الدفاع أو الاحتواء، بل في موقع الساعي إلى فرض قواعد اشتباك جديدة على مستوى الإقليم. فالمسألة لم تعد مرتبطة بعدد الصواريخ أو حجم الأضرار فحسب، بل بانتزاع حق المبادرة في رسم حدود التصعيد. ولذلك، فإن التحدي الذي تواجهه "إسرائيل" اليوم لا يكمن فقط في كيفية الرد، بل في كيفية منع ترسخ معادلة جديدة عنوانها أن الضاحية وحيفا باتتا داخل معادلة ردع واحدة، وأن أي محاولة للعودة إلى سياسة الاستباحة السابقة ستعني فتح أبواب مواجهة أوسع وأشد كلفة.

ففي النهاية؛ إنها معركة معادلات أكثر مما هي معركة صواريخ، ومعركة إرادات أكثر مما هي معركة جغرافيا. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد لماذا ردت إيران، بل ما إذا كانت "إسرائيل" قادرة على كسر المعادلة الجديدة، أم أنها تجد نفسها للمرة الأولى أمام واقع إقليمي لم تعد هي وحدها من يحدد قواعده.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى