عاجل عاجل | وثائق تكشف: نجل نتنياهو يبدل اسمه ويطل بوجه جديد – وكالة مدار نيوز
ثقافة

عاجل | نوتاتي الصديقات – أخبار السعودية

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | نوتاتي الصديقات - أخبار السعودية

حين هبطت الطائف، في مقتبل العمر، وبعت المحصول الذي كلّفني أبي رحمه الله بنقله من قريتنا إلى الطائف، دلفتُ إلى مكتبة في وسط السوق، واشتريت كتباً، ووجدت نوتة تسجّل فيها اليوميات، وتقبض على الأفكار التي تقفز في ذاكرتك مباشرة قبل أنْ تتبخر. كبيتٍ من الشعر، أو خاطرة ما، فاشتريت واحدة منها، ثم تطوّر الأمر فصرتُ أسجّل فيها كل شاردة وواردة عن يومياتي والأسرة والقبيلة، وحين اشتغلت بالصحافة صرت ألخص فيها ما يحدث لي من يوميات ومفارقات مختلفة، بل صارت النوتة رفيقي في الحل والارتحال، ففيها مواعيد الاختبارات وملاحظات على الأساتذة، وفيما بعد أساتذة الجامعة، وكنت أوقف سيارتي بجانب الدرب؛ لأكتب شيئاً قبل أن يتبخر، وخرجت بأفكار رائعة.

وذات مرة فقدت إحدى نوتاتي وهي عادة تكون سنوية، فاشتريت بديلة لها، لكنني قررت الاحتياط لأمر الفقد، فقررت تشفيرها بطريقتي، حيث اخترعت للأرقام عناصر كيميائية بحكم أنني كيميائي، فالهيدروجين يمثّل الرقم واحد والهليوم اثنان وهكذا، وهناك ما يقابل الحروف من العناصر أيضاً، المهم كانت كشفرة مورس أو لغة مخابرات عتيدة، لا أحد قادر على فك شفرتها، فقد كان لديّ حساسية من وقوع نوتتي في يدٍ عابثة. خاصة وأنا أضمنها آرائي عن الأشخاص.

ثم تطوّر الأمر بمجيء الجوال الذي كنت أسجل فيه الملاحظات بالطريقة نفسها وأنقلها إلى جهاز الحاسوب اللوحي، وإنْ كنت لا أثق فيه رغم كل احتياطات كلمات المرور والبصمة!

أقف اليوم على مأفاداتي (بعضها مرّ عليه عقود طويلة)، فأجدها مادة ثرية في كل شيء تقريباً ابتداء من تاريخ العائلة والقبيلة، وتحولاتها وليس انتهاءً بالحركة الثقافية وما اعتراها من تحولات. وأرقام من حاورتهم، وملخص لكلمات ومأوضحات مختلفة، لكن، ما يزعجني حقاً، هو عبارة: مات! لقد كنتُ أكتبها حين يرحل أحدهم أمام أرقامه.

والفوائد الإيجابية من هذه النوتات تكمن في تتبع حركة التاريخ وصيرورة الحياة، ومراقبة تطورك على المستوى الشخصي، ففي العودة وقراءة ما كتبته قبل عشرين عاماً مثلاً شيء من مقاربات الظروف والأحكام وكيف تتغيّر، وفيها تشويق ومتعة لا يقاربها أية متعة، خاصة وأنت تنظر لما كتبت بعين الناقد الذي ينظر لنص وكأنه ليس هو كاتبه.

أما الأشياء المحزنة، فتكمن في مواعيد جلسات القضاء، والاختبارات، وغيرها من المواعيد التي كانت تستهلك مني وقتي، وتبعدني عن أجواء الثقافة إلى عوالم أخرى كنت مضطراً لخوض غمارها، لأدافع عن حق مثلاً.

كنّا ننتظر النسخ الورقية من الجرائد والمجلات بفارغ الصبر حتى نرى ما كتبنا، وكيف تم إخراجها، ونفرح بها فرحاً طفولياً صادقاً قد يمتد لأسابيع، بل لأشهر ولسنوات، والآن لم تعد هذه الأشياء موجودة، وكل شيء تقريباً ستراه في جهازك الصغير (الموبايل)، الذي بات سكرتيرك وشيخ قبيلتك وصديقك، وحتى أنيسك! ولم تعد بهجة الكتابة والورق موجودة، فكل متعك أصبحت متعلقة بحاسة الإبصار فقط، فلا ورق تلمسه، ولا رائحة حبر تشمها، ولا بهجة توزيع نسخ من المنشور على أصدقائك تفرح بها، وهكذا الحياة وتبدلاتها. وهذا الأمر قد اعترى فن النوتات التي أجدها على أرفف المكتبات، ولكن لا أحد يشتريها، لأن النوتات الإلكترونية الموجودة في جوال أحدنا بها كل إمكانات النوتات الورقية، بل تفوقها في خاصية البحث والاستحضار الفوري والمشاركة والنسخ واللزق.

ستكون هذه النوتات خير معين لي في كتابة سيرتي الذاتية الموغلة في الشقاء والألم، وهي سيرة مليئة بالأحداث على المستوى الشخصي، أورثتني هموماً كبيرة، وندوباً لم تزل موشومة في الذاكرة، وأفاديات خلت كنت شاهداً عليها، بعضها، لو نسج على شكلٍ روائي لأخرجت رواية بامتياز، هي سيرة تتناول تغيرات جذرية لفتى ترك قريته حين تركها الجميع، لكنها بقيت حاضرة في خاطره، يحملها معه أينما رحل، وتتلاطم في رأسه أفكار الكيمياء، والشعر، والصحافة، وأعمال التجارة، والبورصة، والسفر، والرحلات، والأصدقاء ومفارقات الحياة، التي بدأت أنسجها كسيرة ذاتية مستعيناً بنوتاتي الصديقات الجميلات، وما بها من معلومات، التي لا تقدّر بثمن.

عندما وصلت الطائف، في سن مبكرة، وبعت المنتجات التي كلفني والدي الراحل بنقلها من قريتنا إلى الطائف، دخلت مكتبة وسط السوق، واشتريت بعض الكتب، ووجدت دفترًا لأسجل فيه أفكاري اليومية وأسجل الأفكار التي تقفز إلى ذاكرتك قبل أن تتبخر. مثل بيت شعر أو فكرة عابرة، اشتريت واحدة، ثم تطور الأمر إلى درجة أنني بدأت أسجل كل ما حدث في حياتي اليومية وعائلتي وقبيلتي. عندما بدأت العمل بالصحافة بدأت ألخص تجاربي اليومية والحكايات المتنوعة فيها. وأصبح الدفتر رفيقي في السفر والحركة، حيث يحتوي على جداول الامتحانات ومأفادات عن الأساتذة، ومن بعد عن أساتذة الجامعات. كنت أوقف سيارتي على جانب الطريق لأكتب شيئًا ما قبل أن يتبخر، فتوصلت إلى أفكار رائعة.

في إحدى المرات، فقدت أحد دفاتر ملاحظاتي، والتي كانت عادةً سنوية، لذلك اشتريت بديلاً، لكنني قررت اتخاذ الاحتياطات اللازمة ضد الخسارة. فقررت تشفيرها بطريقتي الخاصة، واختراع العناصر الكيميائية للأرقام بما أنني كيميائي. يمثل الهيدروجين الرقم واحد، والهيليوم رقم اثنين، وهكذا. كانت هناك أيضًا عناصر مقابلة للحروف. المهم أنها كانت أشبه بشفرة مورس أو لغة استخباراتية متطورة لا يستطيع أحد فك شفرتها، إذ كنت أشعر بحساسية من وقوع دفتر ملاحظاتي في أيدي مهملة، خاصة أنه كان يحتوي على آرائي في الناس.

ثم تطور الأمر مع وصول الهواتف المحمولة، حيث قمت بتسجيل الملاحظات بنفس الطريقة ونقلها إلى جهازي اللوحي. رغم أنني لم أثق به تمامًا، رغم كل الاحتياطات من كلمات المرور وبصمات الأصابع!

أقف اليوم أمام مأفاداتي (التي مضى على بعضها عقود من الزمن)، أجدها مصدرا غنيا للمواد في كل شيء تقريبا، بدءا من تاريخ العائلة والقبيلة وتحولاتها، وليس انتهاء بالحركة الثقافية والتغيرات التي مرت بها. هناك أعداد ممن أجريت معهم مقابلات، وملخصات لكلمات ومأوضحات مختلفة. لكن ما يزعجني حقًا هو عبارة: "مات!" كنت أكتبها عندما يموت شخص ما أمام أرقامه.

تكمن الفوائد الإيجابية لهذه الدفاتر في تتبع حركة التاريخ ومسار الحياة، ومراقبة تطورك الشخصي. إن العودة وقراءة ما كتبته قبل عشرين عاما مثلا يكشف شيئا عن الظروف والأحكام وكيف تتغير، وهناك لذة ومتعة لا يمكن مقارنتها بأي متعة أخرى، خاصة عندما تنظر إلى ما كتبته بعين الناقد الذي ينظر إلى النص وكأنه لم يكتبه.

أما الأشياء المحزنة فهي تكمن في مواعيد المحاكمات والامتحانات وغيرها من التعيينات التي استهلكت وقتي وأبعدتني عن أجواء الثقافة إلى عوالم أخرى اضطررت للتنقل فيها، للدفاع عن حق مثلاً.

كنا ننتظر النسخ المطبوعة من الصحف والمجلات بفارغ الصبر لنرى ما كتبنا وكيف قدم، ونفرح بفرحة طفولية صادقة قد تستمر لأسابيع، بل أشهر وسنوات. والآن، لم تعد هذه الأشياء موجودة، ويمكن رؤية كل شيء تقريبًا على جهازك الصغير (الموبايل)، الذي أصبح سكرتيرك، وشيخ قبيلتك، وصديقك، وحتى رفيقك! لم تعد متعة الكتابة والورق موجودة، فكل ملذاتك أصبحت مرتبطة فقط بحاسة البصر؛ فلا ورق تلمسه، ولا رائحة حبر تشمّها، ولا فرحة بتوزيع نسخ من المنشور على أصدقائك تجلب لك السعادة. هكذا هي الحياة وتغيراتها. وقد أثر هذا الوضع على فن تدوين الملاحظات الذي أجده على رفوف المكتبات، لكن لا أحد يشتريه، فالملاحظات الإلكترونية الموجودة على هواتفنا تتمتع بكل إمكانيات الملاحظات الورقية، حتى أنها تفوقها في ميزات مثل البحث والاسترجاع الفوري والمشاركة والنسخ واللصق.

ستكون هذه الملاحظات عونًا كبيرًا لي في كتابة سيرتي الذاتية، الغارقة في المشقة والألم، رواية مليئة بالأحداث على المستوى الشخصي، التي تركتني همومًا كبيرة وندوبًا لا تزال محفورة في الذاكرة، وأفاديات الأوقات التي شهدتها. وبعضها، إذا تم نسجها في شكل سردي، يمكن أن تنتج رواية ممتازة. إنها قصة تتناول التغيرات الجذرية لصبي غادر قريته في حين غادرها الجميع، لكنها ظلت حاضرة في ذهنه، يحملها معه أينما ذهب، بأفكار الكيمياء والشعر والصحافة والأعمال والبورصة والسفر والرحلات والأصدقاء ومفارقات الحياة، التي بدأت في نسجها في سيرة ذاتية باستخدام دفاتري الجميلة كرفاق، مليئة بمعلومات لا تقدر بثمن.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.okaz.com.sa

تاريخ النشر: 2026-06-26 00:31:00

الكاتب: د. سعد الثقفي

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.okaz.com.sa بتاريخ: 2026-06-26 00:31:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى