الحدث

كتب د. عمر ظاهر: تشارلز داروين.. شاهد الزور الذي سُمّي عالما (1)

بقلم: د. عمر ظاهر

داروين! اسم لا تعريف له غير الذي في عنوان المقالة، شاهد زور، شهد بما لم يرَ، وبما لم يعرف، وكانت مكافأته مجزية إلى حد غير معقول. لقد اغتالت الرأسمالية البريطانية الحقيقة، في مجال العلم قبل غيره، وأحضرت في المرافعة في قضية الخلق شاهد زور لم تُؤخذ إلا بشهادته هو لأنه قال ما أراده تجار السياسة وسياسيو التجارة. سيقف تشارلز داروين ذات يوم في قفص مرافعات التاريخ متهما بشهادة الزور، ويوضع في المكان اللائق به، على الرفوف المهملة مذموما مدحورا.

تُرى هل يتطلب قول ذلك علما غزيرا، أكثر غزارة من العلم الذي أختلقه، ولفقه شاهد الزور نفسه؟ أم يتطلب كمّا كبيرا من الشجاعة؟ التأكد من أن داروين لم يكن غير شاهد زور بائس لا يتطلب إلا شيئا واحدا، هو أن يقرأ المرء ما كتبه بعين ناقدة! وبلا شك، فإنه لا غنى عن مقدار كاف من الاستعداد لتقبل ردود أفعال أنصاره، فهناك من المتعصبين له من أعلنوا الجهاد المقدس دفاعا عن الهالة العلمية الزائفة التي خُلقت حوله. هذا ما نعرفه من سلوك الأوساط الأكاديمية في الغرب الرأسمالي، ولكن أيضا مما يمكن أن نراه بمجرد أن نتجول قليلا على الإنترنيت فنلمس – من جانب الداروينيين العرب، العدوانية التي يُواجَه بها كل من يتجرأ على فضح شاهد الزور هذا.

إننا نسأل الكثيرين: هل قرأت ما كتبه داروين؟ تماما كما كنا نسأل من قبل المتعصبين لغيره أو ضدهم: هل قرأت ما كتبه كارل ماركس أو فلاديمير لينين؟ وقبل ذلك آخرين: هل قرأت القرآن أو الإنجيل؟ الجواب هو: “لا”. لماذا، إذن، تراه حقا أو باطلا؟ جوابا عن السؤال: هل قرأتَ كتاب “أصل الأنواع” لداروين؟ يجيب بعضهم “لا، إنه كتاب قديم لا أحتاج إلى قراءته، بل أقرأ الكتب الحديثة عن الداروينية”. نقول لهم: لكن الملحدين لا يقرؤون الكتب الحديثة عن الإنجيل وعن القرآن، بل يذهبون إلى الإنجيل والقرآن، ويتناولون نصوصهما الحرفية تحليلا ونقدا ورفضا، مع أن الإنجيل عمره ألفا سنة، والقرآن أكثر من 1400 سنة، بينما كتاب داروين كتب قبل 160 سنة فقط، وهو الكتاب الذي يحوي أفكار داروين، وما الكتب الحديثة إلا تأويلات لما قاله الرجل. نقترح عليهم: لماذا لا نقرأ داروين نفسه وبأنفسنا، فقد تكون في طيات سطوره وثناياها ما خفي عمن لم يقرأه؟ يجب أن نعرف ما قاله داروين، وليس تأويلات لما كان قد قاله، وتأتي لغاية في نفس يعقوب. وبطبيعة الحال، فإن هذا ينطبق على من يرفضون داروين أيضا.

لا معنى للوم الناس في بعض الحالات، رغم أن التعصب أمر مدمر في كل الأحوال وبشكل مطلق، فالمتعصب عن جهل لا يسمع ما يقوله غيره حتى لو كان فيه خير له، وتنوير لعقله، وإضاءة للطريق التي يمشي فيها. لا نلوم لأننا نعرف أسباب التعصب، ونعرف أيضا أنه، في معظم الحالات، ينتهي التعصب، أو ينقلب إلى الضد. نحن نعرف حالات كثيرة في مجتمعاتنا كان فيها بعض الأشخاص متعصبين ضد الدين، رافضين له، دون أن يكونوا على بينة من أسباب ذلك الرفض، وكانوا مستعدين للبطش بالمتدينين. انتهى تعصبهم مع الزمن، ثم جاءهم يوم انقلبوا فيه متعصبين للدين، بل لمذهب معين فيه، ومرة أخرى عن جهل حتى بأسباب التعصب الجديد. ونعرف أيضا كثيرين كانوا متعصبين للماركسية ثم انقلبوا إلى معسكرات مختلفة معادية للماركسية. السبب هو نفسه، أي التعصب لقناعة لا أساس معرفي لها.

قبل أكثر من نصف قرن وضعت الماركسية على ألسن الناس عبارة “الدين أفيون الشعوب”. كان تعليل انتشار تلك العبارة، والتعصب لها بين قطاعات واسعة من الشباب العرب، هو التمرد على كهنة الدين الذين كلكلوا على صدور الناس، وقطعوا أنفاسهم بسلطتهم الدينية المتخلفة، وليس فهما لما تنطوي عليها الماركسية من منظومة من الأفكار التي قد ينفر منها من تربى في وسط ديني حتى لو تمرد مؤقتا على سلوكات الكهنة في ذلك الوسط. إن تعصب الماركسيين ضد الدين نشأ في زمن كان فيه الدين خاملا في المجال السياسي. فكيف اليوم وقد تسمم العالم كله بالتطرف الديني، اليهودي والمسيحي والإسلامي؟ اليوم تضع الداروينية على ألسن الشباب عبارة “الانتخاب الطبيعي”، بديلا عن الله. وهناك من يتعصبون لهذه العبارة الرنانة. إن الرأسمالية تريد أن توحي لنا أن طريق الخروج من مستنقع التطرف الديني، خاصة الإسلامي، الذي تصنّعه هي بنفسها، تكمن في الداروينية. ومن هنا الهجوم الدارويني على عقول الشباب العرب.

إن عنوان كتاب داروين هو: On the origin of species by means of natural selection

الترجمة الشائعة في العربية لعبارة (natural selection) هي “الانتخاب الطبيعي”، وهي ترجمة غير دقيقة. ونحن الذين تعودنا على ألا نصل إلى اليقين إلا عن طريق الشك، نتوقف مليا عند مفردة “الانتخاب” ونتساءل: هل الخطأ في هذه الترجمة سلوك بريء، فمفردة “انتخاب” تقابلها في الانجليزية مفردة (election)؟ أما عبارة (selection) فأقرب مقابل لها في العربية هو “انتقاء”. تُرى هل عبارة “الانتخاب الطبيعي” لها وقع أكبر في النفوس وتأثير أكبر على العقول من عبارة “الانتقاء الطبيعي”؟ هل الخطأ متعمد للإيحاء بالربط بين ما تسمى “نظرية داروين” وبين الديمقراطية ونظامها الانتخابي؟ لنقل إن الخطأ، على الأغلب، سببه جهل المترجم بالفارق بين الانتخاب والانتقاء.

قد نكون مخطئين في التشكيك بالترجمة، ولكنْ لا نخطئ حين نسجل الانتشار الكثيف لمواقع التواصل الاجتماعي التي تروج للداروينية في أوساط الشباب العرب، باعتبارها الطريق إلى التحرر من العبودية والتفكير التقليدي، ومن ثم الوصول في الرقي إلى ما حققته الشعوب التي ألقت عنها جلباب الدين، ووضعت الله أو الخالق في سلة المهملات، وآمنت بالتطور.

يراد القول إن بعض الشعوب تطورت لأنها آمنت بنظرية داروين وهناك شعوب أخرى لا تتطور لأنها ما تزال تؤمن بالله. وهذا فيه تجن كبير على الحقيقة، فالحضارات البشرية التي يزخر بها التاريخ لم تقم حيث آمن الناس بالتطور! بل سادت فيها معتقدات دينية مختلفة. وشعوب العالم الغربي التي برزت الداروينية بين ظهرانيها لا تقل عن شعوب الشرق في تشبثها بالدين، وإن لم تمارسه، فالدين هوية قبل أن يكون ممارسة. والتقدم التكنولوجي في الغرب، أو في روسيا، وفي الصين ليس له علاقة ذات قيمة بالإيمان بنظرية التطور. ثم إن التقدم العلمي التكنولوجي لا يعني دائما التقدم الاجتماعي أو الحرية الروحية في البلدان المتقدمة.

لقد بحث قدماء العرب أيضا في الطبيعة، ومنهم الجاحظ، وابن مسكويه، وإخوان الصفا، لكن أولئك كانت تتحكم بأبحاثهم قيم أخلاقية عالية تأبى التزوير والكذب باسم العلم. ناهيك عن أن التطور بمفهومه الدارويني فرضية لم تثبت بأي شكل من الأشكال، فهل يقوم التقدم على الإيمان بالوهم؟ وغير ذلك فإن الداروينية، على عكس الماركسية، ليست نظرية تقدم برنامجا لتغيير المجتمعات نحو الأفضل.

إذا كانت بريطانيا قد تطورت بفضل ظهور نظرية التطور الداروينية فيها، فقد كان حريا بألمانيا أن تصبح اشتراكية بفضل ظهور نظرية كارل ماركس على يد أحد أبنائها. لماذا مالت ألمانيا إلى العنصرية والنازية، وهما تؤمنان بنفس ما تقول به الداروينية، بدلا من أن تميل إلى الاشتراكية والشيوعية، أو إلى الديمقراطية كما في بريطانيا؟ بعض المراقبين يرون علاقة ما بين ظهور كتاب داروين “أصل الأنواع” في بريطانيا وبين الاستقبال الحافل الذي حظي به الكتاب في ألمانيا، فقد كانت الألمانية أول لغة تمت ترجمة الكتاب إليها! بل إن شعار داروين “البقاء للأصلح” أو الأقوى تجسد في الفكر الألماني النازي مثلما تجسد في السياسة البريطانية التي وجدت في نظرية داروين غطاء “علميا” لإبادتها الشعوب الأخرى ونهب خيراتها. أي إن هناك علاقة ثابتة بين الداروينية من جهة وبين الفاشية والنازية وكل نزعات إبادة الشعوب من جهة أخرى، بينما لا أحد يمكن أن يقدم دليلا على أية علاقة بين الإيمان بالداروينية وبين تطور المجتمعات وتقدمها.

لقد تحدثنا عن التعصب للماركسية في سياق الحديث عن داروين. لكن هناك، بلا شك، اختلاف سياسي جوهري بين الماركسية والداروينية، فقد توجهت الماركسية إلى العقول بمبادئ العدالة الاجتماعية، والمساواة، وحقوق الأقليات وغير ذلك من المثل الإنسانية، وعتم الماركسيون في مناطق عديدة من العالم على الجانب الإلحادي للماركسية. أما الداروينية فتتوجه إلى العقول بإلحادية مكشوفة وبمفردات عن العلم والعلمية باعتبارها بديلا عن المعتقدات الدينية التي توصم بالخرافة، وعن الاعتقاد بالله، وكطريق إلى الرقي الفردي في التفكير، والحرية الفردية الناتجة عن التخلص من القيود الدينية، وإلى التقدم التكنولوجي للأمة نتيجة تحرر العقل.

الداروينية في سياق تاريخي

في تاريخ المجتمعات الإنسانية صارت التجارة (لا نقول الاقتصاد عامة)، في مرحلة بعيدة في القدم المحرك الأساسي وراء تطور تلك المجتمعات وتغيرها. وأوجدت التجارة سلاحها الماضي، السياسة، فصارتا تسيران يدا بيد، لا انفصام لهما. وهما، إذ تسيران معا، تُخضعان كل شيء في المجتمع لإرادتهما ومصلحتهما. نجد عند دراسة التاريخ أن أول ما تم إخضاعه للتجارة ونهجها السياسي هو النظام الاجتماعي. ولكي يتم إخضاع النظام الاجتماعي توجب، وبشكل قطعي، إخضاع الفكر للمصالح التجارية، وقمع كل فكر لا يتوافق مع النظام الاجتماعي الذي يخدم التجارة. هكذا كانت الحال في أثينا، وفي الصين القديمة، وفي روما، وفي كل الامبراطوريات. بل وإن الأديان نفسها، باعتبارها منظومة أفكار ثورية، تم لي ذراعها وإخضاعها لمصالح التجارة.

طغيان التجارة ونهجها السياسي لم يتوقف لحظة واحدة في عمر التاريخ. في عصرنا الحديث نلمس هذا لمس اليد، فالإعلام، مثلا، والذي صار ركنا أساسيا من أركان النظام الاجتماعي، يخضع لمصالح التجارة، ويُستخدم للترويج للأفكار والمعلومات التي تخدم التجارة ونهجها السياسي. لا شيء ينجو من قبضة هذا التحالف. والكارثة التي تعيشها البشرية منذ بدء الثورة الصناعية في أوروبا في القرن الثامن عشر تتمثل في أن “العلم” الذي كان القوة الكاسحة التي هدت أركان الأنظمة الاجتماعية القديمة، وكان مؤملا منه أن يفتح الأبواب أمام حرية حقيقية للفكر، لم يلبث أن أخضع هو الآخر لسلطان التجارة ونهجها السياسي في سعيهما لإقامة نظام يتجدد مع مقتضيات مصلحتهما. حتى صناعة الأدوية (وهي فرع علمي إنساني) صارت تخضع لحسابات التجارة.

لا ينبغي لنا أن ننخدع بعبارتي “علم، وعلمي”، فالعلم (بمعنى البحث والاختراع) في البلدان المتقدمة هو في خدمة التجارة والسياسة الآن كما لم يكن في أي وقت مضى. يمكننا بكل ثقة أن نتحدث في البلدان الغربية الرأسمالية عن “العلم التجاري السياسي”، فليس هناك علم من أجل العلم، أو من أجل الحقيقة إلا في نطاق محدود. الناس هنا يعرفون، ويصلون إلى العلم ما يخدم منه التجارة والسياسة، ويستخدمون من التكنولوجيا ما تسمح به التجارة والسياسة وبالطريقة التي تريدانها.

ظاهرة أخرى يتوجب علينا أن نتنبه إليها، هذه المرة في تاريخ أوروبا تحديدا. إن مفهوم “الصراع” الذي عرف من قديم الأزمان، مثلا بين الحق والباطل، والخير والشر، ظهر له استخدام جديد في أوروبا صار يهيمن على الفكر في مجالات مختلفة وفي الوقت نفسه، مثلا في الفلسفة، والاقتصاد، وعلم الأحياء. هذا ما نلاحظه في أوروبا منذ أواخر القرن الثامن عشر، فقد طور عالم الاقتصاد البريطاني توماس مالثوس فرضيته عن الصراع على الموارد الغذائية وتعداد النفوس، إذ زعم أن الموارد الغذائية تزداد بنسبة حسابية بينما عدد السكان يتزايد بنسبة هندسية مما يؤدي إلى حصول فجوة غذائية، تؤدي حتما إلى المجاعات والحروب، وغيرها من الكوارث.

وتحدث الفيلسوف هربرت سبنسر عن الصراع والبقاء للأقوى، وسرعان ما انتقلت فكرة الصراع إلى العلوم الطبيعية، فاقترنت فكرة الصراع على الغذاء في الطبيعة بفكرة الانتقاء الطبيعي لتفسير ظهور الأنواع في كتاب داروين “أصل الأنواع”. بل إن الماركسية نفسها لم تستطع أن تنجوا من سطوة فكرة الصراع فأنشأت نفسها على مفهوم الصراع والبقاء للأصلح، الفارق هو أنه بينما ركز الآخرون على الصراع بين الدول والبلدان وعلى الصراع في الطبيعة، صاغت الماركسية نظرتها إلى العالم على أساس صراع الطبقات الاجتماعية، وتمسكت أيضا بفكرة البقاء للأصلح في هذا الصراع، فالطبقة العاملة هي التي ستسود في آخر المطاف كونها الأصلح للبقاء.

لنتوقف قليلا عند فرضية مالثوس. هذه الفرضية تحدثت أساسا عن الموارد المتاحة للبشر وعن تزايد عدد البشر (الموارد الغذائية في جهة والمستهلكون في جهة أخرى). في إثبات مثل هذه الفرضية لا يمكن للباحث أن يكتفي ببيانات من بريطانيا في فترة معينة، بل يجب أن يستند على بيانات من كل الأرض ومن فترات تاريخية مختلفة، الأمر الذي لم يكن متاحا لمالثوس. لا نعرف بالضبط دوافع مالثوس في وضع فرضية استخدمت فقط لتبرير الحروب والمجاعات التي كانت تصيب تلك الأقاليم من العالم حيث كان البريطانيون ينهبون خيرات أمم تلك الأقاليم. لكننا نرى أن داروين تلقف هذه الفرضية الخرقاء وراح يحاول تطبيقها على الطبيعة، ناقلا بشكل آلي فكرة التقسيم نفسها، فهناك في جهة الموارد الطبيعية الضرورية لاستمرار الكائنات الحية في البقاء، وهناك في الجهة الأخرى المستهلكون لتلك الموارد، أي كل الكائنات الحية. يمكن حتى لفلاح أمي أن يدرك سخف هذا التقسيم، ففي الطبيعة لا يسود مثل هذا التقسيم، فالغالبية العظمى من الكائنات الحية التي تستهلك الغذاء هي في الوقت نفسه غذاء لغيرها من الكائنات الحية الأخرى. وحين تنبه داروين إلى ذلك حاول تدارك فضيحته بالادعاء بأن هذا الصراع على الغذاء يكون بشكل خاص بين أفراد النوع الواحد لأن هؤلاء الأفراد يعيشون على نفس الغذاء. لكن حتى هنا لا يصمد داروين أمام الحجة الدامغة بأنه حتى النوع الواحد من الكائنات الحية لا يتغذى على صنف واحد من الغذاء، بل له خيارات عديدة. خذ مثلا الطيور؛ لا حصر لما يمكن أن تقتات عليه أنواع الطيور من الحبوب، إلى أوراق الشجر وأثمارها، وإلى الديدان، وحتى الجيف، بل وحتى بعضها على بعض. وفي الوقت نفسه فإن الطيور غذاء لأنواع عديدة من الكائنات الحية. داروين تجاهل الحقائق، وانبهر بفكرة الصراع على الغذاء وبقاء من تزوده الطبيعة بتمايزات تجعله ينتصر في الصراع فيبقى، ويفنى من لا يستطيع الحصول على الغذاء. وتجاهل داروين أيضا حقيقة أن فناء قسم كبير من الكائنات الحية، بل وانقراض أنواع كثيرة، ليس بسبب نقص الغذاء وحده، بل لأسباب عديدة منها الأوبئة، والكوارث الطبيعية. لماذا أعجب داروين بفكرة الصراع على الغذاء من أجل البقاء والبقاء للأصلح؟ سؤال يجيب عنه بنفسه في مقدمة كتابه “أصل الأىواع”، كما سنرى.

مفارقات

المفارقة التي نجدها هنا لا تكمن فقط في بناء نظريات تبدو متناقضة أيديولوجيا على الفكرة نفسها، أي الصراع، بل أيضا في موقف كل نظرية من أخواتها. لقد انتقدت الماركسية فرضية مالثوس باعتبارها متشائمة، وفندت بذكاء حججها العقيمة. لكن الماركسيين، على لسان فردريك إنجلز نفسه، هللوا لنظرية داروين باعتبارها إنجازا تاريخيا للمدرسة المادية وجهت ضربة قاصمة إلى الفكر المثالي المتمثل في الاعتقاد بوجود خالق. هذا مع أن نظرية داروين كانت ستبقى عرجاء لولا اكتشاف داروين لفرضية الصراع على الغذاء والبقاء للأقوى أو الأصلح لتوماس مالثوس. أفكار مالثوس، كما يعترف داروين نفسه في كتابه، هي ركن أساسي من أركان نظرية التطور لداروين.

كان داروين من أنصار فكرة أن هناك انتقاء في الطبيعة، لكنه كان غير قادر على تفسير دوافع الانتقاء وآليته حتى جاءه الغوث من المدعين بوجود صراع على الغذاء من أجل البقاء، الأمر الذي استخدمه داروين لادعاء أن الصراع على الغذاء يجبر الكائنات الحية في الطبيعة على اكتساب تمايزات تجعلها تنتصر في ذلك الصراع. ومع أن داروين جعل من الفرضية المتشائمة ركنا من أركان نظريته، ومع أن فرضية مالثوس نفسها قد سقطت سقوطا حرا، وتم دحضها على أيدي باحثين غربيين، مما يعني أن الداروينية نفسها عادت نظرية عرجاء، لم يسحب الماركسيون اعترافهم بنظرية داروين، فقط لأنهم رأوا فيها تقوية للنزعة الإلحادية – وهم يبحثون بقوة عمن يشترك معهم فيها. وغير ذلك، فالماركسيون لم يتنبهوا إلى أن داروين لم يتعرض من بعيد أو قريب وبشكل مباشر إلى فكرة الخالق. إنه تحدث وبقي يدور في الحديث عن تطور الأنواع بعضها من بعض، دون أن يقول شيئا عن أول نوع وجد على الأرض، فكلنا نعرف أنه لكي يتطور الكائن الحي فإنه يجب أن يوجد أولا، ولا يمكن أن يتطور قبل أن يوجد. كيف وُجد الكائن الحي الأول، أو الكائنات الحية الأولى؟ ومن أين جاءت؟ وعلى أي غذاء كانت تتصارع؟ لم يجب داروين عن تلك الأسئلة، بل إنه أكد في كتابه مرارا أنه غير معني بأصل الحياة ومنشئها.

المفارقة الأخرى هي أن تهليل الماركسية لنظرية داروين لم يقابله تهليل دارويني للماركسية، مع أن كتاب داروين ظهر عام 1859 أي بعد أحد عشر عاما من ظهور البيان الشيوعي عام 1848. لقد قام داروين – وهو يلعب دور الاختصاصي في علم الاجتماع، بحشو كلامه “العلمي” بكم كبير من العنصرية ضد مختلف الشعوب والحضارات، ولم يشر حتى بكلمة واحدة إلى أي شيء له علاقة بالماركسية. ما سبب هذا الإجحاد من جانب داروين، فالأدوات الفكرية للداروينية هي نفسها التي للماركسية إلى حد التطابق؟ من يقرأ كتاب أصل الأنواع يتبين له أن داروين يبني الكثير من مزاعمه الهشة على المبادئ الأساسية الثلاث للمادية والمتمثلة في: “وحدة وصراع الأضداد”، و”نفي النفي”، و”التراكمات الكمية تؤدي إلى التغيرات النوعية”. لكن داروين لا يستخدم هذه التعابير بشكل مباشر على الإطلاق لسبب واضح.

أما المفارقة الأكبر فهي أن الماكنة الإعلامية المتوفرة في ذلك الوقت عتمت تعتيما تاما على نظرية كارل ماركس وكتابه رأس المال، مع أنها نظرية علمية بامتياز، بينما قامت الماكنة نفسها بجهد استثنائي لنشر كتاب داروين “أصل الأنواع”، وترجمته إلى لغات عديدة في غمضة عين، وكأن تلك الماكنة كانت بانتظار الكتاب. لقد رأينا مثيلا لذلك الحدث بعد مئة وعشرين سنة من صدور كتاب داروين، حين ظهرت رواية “آيات شيطانية” للكاتب البريطاني الهندي الأصل سلمان رشدي عام 1988. انتشر كتاب رشدي، مثل كتاب داروين، كالنار في الهشيم، وكأن ذلك الكتاب كان قد كُتب تلبية لطلب من الإعلام. وكان توقيت ظهوره عجيبا أيضا، وكأن ذلك الإعلام كان على علم بقرب سقوط الاتحاد السوفيتي، وظهور الحاجة إلى خلق عدو جديد للنظام الرأسمالي، الأمر الذي دعمه بعد وقت قصير كتاب هنتنجتون عن “صراع الحضارات” وكتاب فوكوياما عن “نهاية التاريخ”. الإعلام هو اليد الطولى للسياسة ومن ورائها التجارة، فكيف يُعقل ألا يعرف ما يدور في ذهنهما، أو في كواليس اجتماعاتهما؟

إن “أصل الأنواع بوسائل الانتقاء الطبيعي” لداروين كان في حينه بالنسبة إلى الكنيسة المسيحية بمثابة “آيات سلمان رشدي الشيطانية” بالنسبة للإسلام. كانت الكنيسة تواجه أزمة وجودية، فقد كانت متهالكة تحت ضربات غاليليو، وكوبرنيكوس، ونيوتن. وكانت شيوعية كارل ماركس ترفع من جهتها إصبعها بوجهها مهددة بالويل والثبور. ومن جهة أخرى كانت الرأسمالية الصاعدة تطلب منها المستحيل، أي أن تبارك حرية التجارة الجديدة التي داست على قيم السيد المسيح الأخلاقية، وجعلت حتى من الإنسان، وخصوصياته، وأعضائه، ومشاعره، ومعتقداته بضاعة في السوق الرأسمالية! كان على الكنيسة، بكل بساطة، أن تضع السيد المسيح في خدمة التجارة! ألم تكن الكنيسة قد فعلت ذلك من قبل؟ بلى، ولكن مع المحافظة على قدسية السيد المسيح وشن الحروب الصليبية تحت رايته. أما الآن، أي في منتصف القرن التاسع عشر، فقد كان الوقت قد جاء لمسخ السيد المسيح، ووضعه في خدمة العهر التجاري منزوعَ القدسية، وإلا فإن زمن الكنيسة نفسها قد ولى.

رفعت الرأسمالية بوجه الكنيسة كتاب داروين، ودعتها إلى المساومة، لسان حالها يقول: “لدينا الصناعة، ولدينا التكنولوجيا، ولدينا العلم، لا حاجة بنا إليكم، فالعلم يمكنه ليس فقط أن يزودنا بالسلاح الفائق القدرة على التدمير، بل ويمكنه أن يصوغ العالم والحقيقة كما نريد نحن، بل ويمكنه أن يصدر حتى صكوك الغفران لمن يؤمن بنا، بل وأن يخلق إلها بديلا لإلهكم الذي في السماء، وهو طوع يدينا.” كانت مساومة ظالمة: مباركة التجارة القذرة مقابل البقاء على قيد الحياة. اضطرت الكنيسة إلى الرضوخ، فكانت هناك أرضية لتحالف جديد معها في حرب صليبية جديدة، هذه المرة ضد الشيوعية! وبذلك خرجت الكنيسة من الصراع ضد العلماء سالمة، وحافظت على سلطتها؛ وخرجت الرأسمالية رابحة تجارتها التي أخضعت حتى فكرة الخالق لمصلحتها، فقد خلق لها داروين إلها يبيح إبادة الشعوب لأنها لا تصلح للبقاء، ويعطي الرجل الأبيض راحة الضمير إذ أقنعته بأن هناك من سيفنى من كل بد لأن موارد الأرض لا تكفي للجميع، وأن بقاء الرجل الأبيض مشروع لأن الطبيعة زودته بكل ما يحتاج إليها من تمايزات للانتصار في الصراع على تلك الموارد؛ وخرج داروين كاهنا في مجال العلم مكافأة له على شهادة الزور، تهيمن كهنوتيته على المؤسسات العلمية، وتنتشر أفكاره الخرقاء دون أن يقرأ الناس كتابه.

رائع أن يؤمن الإنسان بما يشاء دون قيد من أية سلطة قمعية، شريطة أن يقرأ المرء لأي فيلسوف، أو عالم، أو نبي، أو دجال، بنفسه، بما فيها نظرية داروين عن أصل الأنواع، ويقرأ كل ذلك قراءة نقدية. حقا، ماذا قال تشارلز داروين؟

يتبع ..

أقلام حرة

المصدر: د. عمر ظاهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى