تحقيقات - ملفات

أثيوبيا تقفز فوق الحواجز.. فهل تُشعل حرب مياه مع مصر؟(3)

عبد الحسين شعبان

في خبر لم يلفت الانتباه عربياً، تناقلت الصحف قيام شركة تاحال “الإسرائيلية” بإجراء دراسات على التربة في أثيوبيا للبحث في إمكانية بناء ثلاثة سدود بالقرب من بحيرة تانا ونهر “آباى” أحد روافد نهر النيل. وقالت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية في حينها، إن إنشاء السدود الثلاثة سيؤمن لأثيوبيا القدرة على التحكم بمياه النيل. هكذا أريد للخبر أن يمرّ من دون إثارة ضجة مثل فضيحة اليهود الفالاشا.

أ ـ التعاون الأثيوبي – “الإسرائيلي” لا شكّ أن بناء السدود في مجرى النيل الذي يمرّ عبر أراضي أثيوبيا، في طريقه إلى مصر والسودان بمساعدة “إسرائيل”، سيمكّنها من إيجاد مرتكزات جديدة لها في البحر الأحمر، خصوصاً وأنها تستأجر جزيرة دهلك وتقيم عليها قاعدة عسكرية، فضلاً عن الضرر الذي سيلحق بمصر والسودان، فالنقص في مياه النيل وصل في العام 2000 إلى حوالي 800 مليون متر مكعب في السنة، وهو في تزايد كبير.

إن قيام شركة تاحال “الإسرائيلية” (لتطوير وتخطيط المصادر المائية والخبرات الزراعية) بمشاريع وأعمال إنشائية في أثيوبيا لحساب البنك الدولي، وكذلك في إقليم أوغادين على حدود الصومال، وقيام خبراء “إسرائيليين” بعملية مسح لمجرى النهر وبناء سدود على النيل الأزرق يستهدف في أحد عناصره الأساسية، محاصرة مصر بالدرجة الأولى وتعريض اقتصادها وحياتها البيئية للخطر، فضلاً عن إلحاق أضرار فادحة بعشرات الملايين من السكان.

ويأتي التعاون “الإسرائيلي”- الأثيوبي تتويجاً لاتفاق سري بين الطرفين، إذْ قدّمت “إسرائيل” القنابل العنقودية وطائرات (الكفير) للجيش الأثيوبي، فيما سمحت أثيوبيا باستئناف هجرة اليهود الفلاشا إليها ولعلّ هذا الأمر تطور في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة.

في الخمسينيات الماضية، أطلق ديفيد بن غوريون تعبيره الأثير بضرورة القفز فوق الحواجز، لتكوين “الحزام المحيط” والمقصود به أطراف الوطن العربي أثيوبيا وتركيا وإيران. ومنذ عقود و”إسرائيل” تبني خططها لتكوين “الحزام المحيط”. ينقل ميخائيل بارزو حار (كاتب سيرة بن غوريون) بعضاً من محاولات “إسرائيل” لإيجاد رابطة دفاعية بينها وبين الدول الثلاث حليفات الولايات المتحدة، خصوصاً بعد حصولها على تصريح من واشنطن ولندن وباريس، بضمان حدودها في العام 1950 وسعيها للانضمام لحلف الناتو العام 1951 واضطلاعها على نحو “بارع” بالمهمات الموكولة إليها على أحسن وجه.

وقد سعت “إسرائيل” منذ أواخر الخمسينيات إلى توقيع إتفاقية خاصة مع تركيا وأثيوبيا “إتفاقية ميثاق المحيط” The peripheral pact treaty العام 1958 وعُرفت باسم “اتفاقية ترايدنت” أو “الرمح الثلاثي” والمقصود بذلك مصر وسوريا والعراق، وهو ما سعى إليه بن غوريون.

اعتبر بن غوريون في الستينيات أن خشية أثيوبيا من سياسة جمال عبد الناصر “التوسعية” تدفعها للانضمام إلى الحلف، وعداء تركيا التقليدي للأمة العربية، إضافة إلى العثمانية القديمة، يجعلها مقتنعة بفكرة الحلف؛ واشتباك إيران مع أكثر من طرف عربي في صراعات إقليمية، إضافة إلى الأطماع التاريخية، يجعلها متحمّسة له، كل هذه العوامل يمكن أن تكون حزاماً محيطاً بالأمة العربية.

ويمكن الإشارة هنا إلى العلاقات “الإسرائيلية”– الأثيوبية التي تعززت وتوطّدت فضلاً عن تعاظم حجم التبادل التجاري والتعاون السياسي والمخابراتي، خلال فترة الحرب العراقية – الإيرانية، حيث كانت “إسرائيل” المستفيد الأول من اندلاعها واستمرارها، فسعت للتقرب من إيران على الرغم من العداء المستحكم بينهما منذ انتصار الثورة الإيرانية في العام 1979، لكن ذلك لم يمنع من توريد السلاح لها فيما عُرف بـ”إيران غيت” في العام 1986. واستمرّ العداء وتصاعد وازداد الوضع توتّراً بسبب إصرار إيران على امتلاك السلاح النووي، حيث اعتبرت “إسرائيل” أن ذلك يشكل تهديداً مباشراً لها.

ب ـ النيل والأمن المائي

أعلن عن اتفاق مبدئي بخصوص مياه النيل وقعته دول المنبع الخمس، وفي مقدمتها إثيوبيا، لكن مصر والسودان اللتين تتمتعان بالنسبة الأكبر من المياه حسب الاتفاقيات الدولية، غابتا عنه، وكانت اتفاقية تقاسم مياه نهر النيل قد تم التوقيع عليها في العام 1929، ثم أعيد النظر فيها ليتم توقيع اتفاقية جديدة بعد ثلاثين عاماً وعُرفت باتفاقية العام 1959 باعتبارها الناظمة لعلاقات البلدان الإفريقية المستفيدة من نهر النيل.

ولذلك، فإن توقيع اتفاق بغياب مصر والسودان ومن دون موافقتهما، يعني إلحاق ضرر يتعلق بمنسوب المياه المخصصة للبلدين، فضلاً عن أمنهما المائي الذي هو جزء من الأمن الوطني لكل من البلدين وللأمن المائي العربي ولدول المنطقة ككل. وإذا كانت العلاقات المصرية السودانية عنصراً ايجابياً في توقيع الاتفاقيات الآنفة الذكر، فإن تردّيها في العقدين الأخيرين ساهم في إضعاف مطالبتهما بحقوقهما، ولعل توقيع مصر على اتفاقية الصلح المنفرد واتفاقيات كامب ديفيد (1978 – 1979) وتطبيع العلاقات مع “إسرائيل” أسهم في إعادة النظر باستراتيجيتها على المديين الإفريقي والإسلامي، الأمر الذي غيّر من بعض أولوياتها، وهو ما استغلته بعض دول حوض نهر النيل بتشجيع من “إسرائيل” التي عادت إلى إفريقيا بقوة كبيرة بعد أن انحسرت علاقاتها في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات . ولا شكّ في أن توقيع مثل هذا الاتفاق من دون مصر والسودان، إنما هو تحدٍ لهما، لم يكن ممكناً من دون توفّر بعض المستلزمات لعدد من بلدان المنبع، لا سيّما مساعدات “إسرائيل” لبناء ثلاثة سدود كبرى في إثيوبيا بمساعدة إيطاليا، وكذلك تقديم مساعدات عسكرية وتكنولوجية لعدد من البلدان، حيث استعادت “إسرائيل” دورها في إفريقيا بعد أن كانت تعاني من عزلة بقطع 30 دولة إفريقية علاقاتها معها كما جرت الإشارة إليه، وكذلك بسبب تعاونها مع نظام جنوب إفريقيا العنصري (السابق). لكن اختلال موازين القوى وتصدّع الوضع العربي، خصوصاً بعد غزو العراق للكويت عام 1990، ومن ثم انقسام الصف العربي والحرب على العراق 1991 وفرض الحصار طيلة 12 عاماً، هو الذي هيأ الظروف المناسبة لبعض دول المنبع للإقدام على هذه الخطوة، يضاف إلى ذلك انهيار الكتلة الاشتراكية وتحلّل الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي أضعف العرب إلى حدود كبيرة، ناهيك عن اتباع سياسات فلسطينية وعربية جديدة تحت باب “الواقعية السياسية” و”التسوية السلمية”، تلك التي تجسّدت في اتفاق أوسلو 1993 الذي وصل إلى طريق مسدود منذ العام 1999، ومانعت “إسرائيل” من التوصل إلى صيغة الحل النهائي بإعلان الدولة الفلسطينية، بل إنها شنّت حرباً ضد لبنان في العام 2006 وحروباً عديدة ضد غزة.

وساهم ذلك في تشجيع بعض دول المنبع لمواجهة الأمن المائي العربي لمصر والسودان، والتوجه لإبرام اتفاق سيلحق الضرر بالأمن المائي لكلا البلدين، بل يلحق الضرر بالأمن المائي العربي ككل، وبالمصالح الوطنية للبلدين وثرواتهما. إن استبعاد أربع دول من الاتفاق المائي يعتبر مخالفاً للاتفاقيات الدولية ولقواعد القانون الدولي الخاصة بالأنهار الدولية، فضلاً عن تعارضه مع مبادئ التعاون بين الدول ومع الاتفاقيات السابقة لدول حوض النيل، ومع ميثاق الأمم المتحدة، ولعلّه سيكون نقطة احتكاك قد تؤثر في العلاقات العربية ـ الإفريقية، خصوصاً مع مصر والسودان ومع بقية دول المنبع. وبالطبع لم يكن موقعو الاتفاق يجرؤون على استبعاد مصر والسودان لولا الضوء الأمريكي الأخضر، والسياسات العربية الرسمية، التي كان رد فعلها ضعيفاً بما فيها جامعة الدول العربية، الأمر الذي يتطلّب تحرّكاً عربياً وإسلامياً فعّالاً والضغط على الإدارة الأمريكية، ناهيك عن تنشيط العلاقات المصرية ـ السودانية، خصوصاً بعد نجاح الثورة السودانية التي اندلعت في 19 كانون الأول (ديسمبر) 2018 ومع الدول الأفريقية، لا بخصوص الأمن المائي والغذائي فحسب، بل في ما يتعلق بمستقبل علاقات العرب مع إفريقيا، ناهيكم عن انعكاساته الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية على عموم المنطقة، فالمواجهة بخصوص النيل أو غيره من المياه العربية ستكون مواجهة مع “إسرائيل”، ومعركة المياه بكل تفرعاتها وتشابكاتها هي جزء من الصراع العربي “الإسرائيلي”.

وقد تم في العام 2011 توقيع “اتفاقية إطار” لدول حوض نهر النيل، التي انضمت إليها بوروندي لاحقاً، إضافة إلى إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وكينيا. وبانضمام بوروندي إلى “اتفاقية الإطار” ستجرّد مصر من حقها في النقض (الفيتو) على مشروعات الدول المتشاطئة للنهر، وهو الذي حصلت عليه العام 1929 بواسطة اتفاق وقعته عنها يومذاك بريطانيا بصفتها دولة الانتداب. وبموجب اتفاقية الإطار هذه يحق لبرلمانات الدول الست الموقعة إنشاء “لجنة دول حوض النيل”، الأمر الذي يلغي أو يبطل مفعول اتفاقية العام 1959 التي ضمنت لمصر والسودان حق الانتفاع بـ 90% من مياه نهر النيل، مع ضمان حق مصر في النقض (الفيتو).

هكذا يكون بإمكان الدول المتشاطئة بعد انضمام بوروندي اعتبار الاتفاقيات السابقة لاغية وكأنها لم تكن، لأن إبرامها كان قد تم مع دولة مستعمِرة باسم دولة مستعمَرة (بريطانيا – مصر)، كما أن الزمن قد تجاوزها، لا سيّما وأن احتياجات سكان البلدان المتشاطئة قد تضاعفت، ناهيك عن التغييرات المناخية، وهو التبرير الذي تقوده إثيوبيا إزاء حماستها للتوقيع على اتفاقية الإطار. والأخطر من ذلك هو ما تخطط له دول حوض النيل لإنشاء سد مائي يمكنه أن ينتج طاقة كهربائية بمعدل 60 إلى 80 ميغاوات لتزويد رواندا وتنزانيا وبوروندي بالطاقة.

وقد جرت خلال العقد الأول من الألفية الثالثة وقبلها مباحثات مستمرة بين الدول الست المتشاطئة، ظلت مصر بعيدة عنها، لأن مجرد التفكير بإلغاء نسبة الـ 90% من المياه، يعني موت مصر عطشاً، إذْ ليس لديها بدائل لمياه النهر، وإن المتوفر من المياه الجوفية المعالجة وغيرها لا يسهم سوى بقدر ضئيل من احتياجاتها ولا يسدّ سوى 1605 مليار متر مكعب وبنسبة 23% من إجمالي الموارد المائية المتاحة .

وحاولت القاهرة أن تعقد من أجل ذلك لقاءات في شهر كانون الثاني (يناير) 2011، لكن تدهور الأوضاع في مصر وفي ما بعد الإطاحة بنظام حسني مبارك، حال دون ذلك، الأمر الذي يحتاج إلى وقفة جادة ومسؤولة لبحث مشكلة المياه وتوزيعها طبقاً لاتفاقيات دولية تشارك فيها جميع الأطراف، ووفقاً لقواعد القانون الدولي، مع الأخذ في الاعتبار الاتفاقيات السابقة، مؤكدة على التشاور معها من قبل دول حوض النيل قبل الشروع في أي ترتيبات من شأنها أن تؤثر على موارده الحالية والمستقبلية والأمر ينسحب على السودان الذي يتوقع وجود فجوة في الموارد المائية في العام 2025 يبلغ قدرها 9.5 مليار متر مكعب من المياه وترتفع في العام 2050 لتصل إلى 24.8 مليار متر مكعب .

إن واحدة من المشكلات الجديدة التي ستواجه دول حوض النيل، هي دولة جنوب السودان الجديدة. ويمكن القول إن الدول المتشاطئة، ما كان لها أن تتجرأ وتتصرّف بالطريقة إيّاها، لولا عدم حلّ مشكلة الجنوب السوداني المعتقة والمستمرة منذ العام 1956واندلاع حرب مزمنة لم تضع أوزارها إلّا بالاستفتاء على الانفصال، وإنْ كانت حروباً داخلية وخارجية قائمة على هامشها مستمرة، ويضاف إلى ذلك واقع النظامين المصري والسوداني وتردي علاقتهما وتفاقم مشكلاتهما الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وحين تم البدء بـ“مشروع سد النهضة” الأثيوبي في 11 نيسان (ابريل) عام 2011 كانت مصر منشغلة بأحداث الانتفاضة والتغيير الحاصل في قمة هرم الدولة، وعلى الرغم من المخاوف المصرية، لكن ثمة تطمينات حاولت أديس أبابا تقديمها للقاهرة وللخرطوم في آن.

وتبلغ كلفة السد أربعة مليارات دولار وتهدف أثيوبيا من بناء السد توفير 6 آلاف ميغاواط من الطاقة الكهرومائية (أي ما يوازي 6 منشآت تعمل بالطاقة النووية) وقد أنجز منه حتى الآن نحو 60% وتريد أثيوبيا التحوّل إلى أكبر بلد مصدّر للكهرباء في أفريقيا، وخلال العام 2018 حصل اتفاق تسوية بين عبد الفتاح السيسي الرئيس المصري وأبي أحمد رئيس الوزراء الأثيوبي واتفق الجانبان على اتخاذ إجراءات لتنفيذ اتفاق يشمل السودان أيضاً، بشأن إقامة صندوق للاستثمار في البنية الأساسية في الدول الثلاث وشكلوا لجنة علمية لدراسة تأثير السد على النيل الأزرق، وكانت الآمال منعقدة على مثل انفراج نسبي يمكن أن ينزع فتيل الحرب المائية بكل امتداداتها وتداعياتها، لكن الأمور سارت باتجاه آخر.

ج- سد النهضة والتعنت الأثيوبي

هل ستشعل مياه النيل النار في العلاقات المصرية الأثيوبية أم ستطفئ لهيب النزاع وترطّب الأجواء؟

وصلت المفاوضات بين مصر وأثيوبيا إلى طريق مسدود بعد رحلة ماراثونية استمرت نحو عقد من الزمان، بسبب إصرار أثيوبيا على ملء خزان سدّ النهضة دون تنسيق وتفاهم مع مصر والسودان، أو من دون مراعاة مصالحهما كما تقتضي قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية بشأن الأنهار الدولية، لا سيّما اتفاقيتي هلسنكي للعام 1992 والأمم المتحدة للعام 1997.

وعلى الرغم من مخاوف القاهرة بشأن احتمال قيام أثيوبيا بخطوة منفردة قد تحرجها، إلّا أنها أبدت مرونة عالية، بما فيها عدم إغلاق الأبواب أمام عودة المفاوضات “الثلاثية” شريطة عدم إقدام أديس أبابا على إجراءات أحادية بشأن السد تلحق أضراراً بها وبالخرطوم. ولم تهمل الاتصال بالمجتمع الدولي بشأن الضغط على أثيوبيا لثنيها عن تنفيذ خطتها، ولذلك أجرت اتصالات مع روسيا وألمانيا وإيطاليا، وبالطبع مع الوسيط الأمريكي لإطلاعهم على آخر تطورات الموقف والطلب منهم الضغط على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق بين الأطراف الثلاثة. ويبدو أن التعنّت الأثيوبي يأتي متساوقاً مع توتر العلاقات المصرية – التركية، بسبب دعم تركيا لحكومة طرابلس وإرسال السلاح والمسلحين من تنظيمات إرهابية إليها من جهة، ومن جهة أخرى فإن “إسرائيل” مستمرة في مشاريعها الإلحاقية، فبعد خطوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وإهدائه “الجولان السوري” إلى تل أبيب بزعم سياسة “الأمر الواقع”، وتأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو رغبته بإعادة احتلال الضفة الغربية وضمّها، إضافة إلى محاولته ضم غور الأردن وشمال البحر الميت إلى “إسرائيل”، وهكذا تجري محاولات الاستقواء على العرب من دول الجوار غير العربي، عبر استغلال ضعف الوضع العربي بكيدية وعداء سافرين.

وإذا ما عرفنا أن الماء عصب الحياة فإن النيل والحضارة المصرية توأمان لا ينفصلان منذ الأزل، فهو رمز بقائها وديمومتها، ولذلك فإن محاولات تغيير الجغرافيا سيؤثر على مستقبلها وحياتها وأمنها ومصالحها الحيوية وحقوقها التاريخية. لقد صبرت مصر طويلاً وتحمّلت مماطلات لمفاوضات بدت عقيمة حتى باعتراف واشنطن التي تدخّلت أكثر من مرّة كوسيط لحلّ الأزمة، ولكن دون جدوى فأديس أبابا سادرة في غيّها وعملت على نحو مراوغ وخادع لكسب الوقت حتى وصلنا إلى المرحلة الأخيرة للتشغيل (شهر يوليو/تموز 2021)، ذلك أن أثيوبيا مصممة على استكمالها، وافقت مصر والسودان أم لم توافقا، حتى أنها حاولت المماطلة والتسويف برغم دخول واشنطن كراع للمفاوضات، بطلب من مصر، بل قامت بتجريب إملاء السد، الأمر الذي سيعني خسارة كبيرة لمصر والسودان، حيث سيزداد العجز المائي في مصر سنوياً وسينعكس ذلك على تصحّر العديد من الأراضي الزراعية وخسارة في القوى العاملة وارتفاع معدّلات البطالة.

لقد وضعت أثيوبيا عقبات قانونية وفنية لعرقلة أي اتفاقية أو معاهدة ملزمة وفقاً لقواعد القانون الدولي والأنهار الدولية، واكتفت بأن أي توافق سيكون مجرد قواعد إرشادية يمكن لأثيوبيا أن تأخذها بالاعتبار، دون التفكير بحل متوازن وعادل ووطيد، وهو ما دعا مجلس الأمن القومي الأمريكي إلى مخاطبة أثيوبيا للتوصل إلى إبرام صفقة عادلة قبل البدء بملء السد.

وكانت الأطراف الثلاثة قد توصلت في العام 2015 إلى توقيع وثيقة الخرطوم (إعلان مبادئ) التي يفترض فيها حفاظ مصر على حصتها السنوية 55.5 مليار م3 والسودان على 18.5 مليار م3، ولكن التعنّت الأثيوبي والتملّص من توقيع اتفاقية دولية ملزمة، أصبح مصدر توتر في حوض نهر النيل، وتتذرع أديس أبابا المدعومة “إسرائيلياً” بأن حاجتها ضرورية لملء السد خلال 3 سنوات لتحقيق التنمية وتوليد الطاقة الكهربائية دون الالتفات إلى تهديد الموارد المائية المصرية والسودانية.

ومن خيارات مصر الأخرى اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي، وهو ما أقدمت عليه مؤخراً بالفعل، برغم أنه لم يتخذ الخطوات اللازمة لوقف الإجراءات المنفردة، ولذلك، تستطيع مصر اللجوء إلى القضاء الدولي (محكمة العدل الدولية في لاهاي التابعة للأمم المتحدة أيضاً) للمطالبة بالتعويض المادي عن الأضرار التي ستلحق بها، وذلك طبقاً لاتفاقية “إعلان المبادئ” والتي تنصّ على أن لا يتم ملء السد إلّا بالاتفاق على قواعد التشغيل والجوانب الفنية الأخرى، ولكن أديس أبابا لم تكترث لأي من الضغوطات، بل قالت أنها ستدافع بقوة عن نفسها ومصالحها في سد النهضة، محذّرة القاهرة من اللجوء إلى الخيار العسكري الذي سيلحق ضرراً بالسدود السودانية قبل غيرها.

شخصياً كنت أتوقع أن الرئيس الأثيوبي آبي أحمد علي الذي حاز على جائزة نوبل للسلام في 2019 وبدا خطابه معتدلاً على الصعيد الداخلي والإقليمي سيلجأ إلى خيار العقل والحكمة والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وحسن الجوار والسلام، وليس إلى خيار انفرادي، فأديس أبابا مهما كانت علاقتها وثيقة بتل أبيب ومهما حصلت على دعم مباشر أو غير مباشر من أنقرة، فإنها في نهاية المطاف دولة أفريقية، وأن ثلثي العرب هم في القارة السوداء، وأنها ترتبط مع العرب بوشائج تاريخية، فلا بدّ من إيجاد مخرج لحل عادل وتسوية متوازنة فالجغرافيا والتاريخ يقفان إلى جانب مثل هذا الحل.

وفي تطور مفاجئ فإن أثيوبيا أعلنت حظر الطيران فوق سد النهضة، وذلك مع بدء موعد توليد الكهرباء، بعد البدء بملء خزان السد قبل الموعد المتفق عليه، وهو ما حذرت منه صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية من احتمال تطور الخلافات إلى نزاع طويل الأمد، وهناك من يحذر من اندلاع نزاع مسلح، بل ويضع احتمال قصف مصر لمنشآت السد، الأمر الذي يتطلب تحركاً من جانب المجتمع الدولي والأمم المتحدة لاحتوائه سريعاً، خصوصاً بعد توقف المفاوضات، علماً بأن واشنطن خفضت مساعداتها لأديس أبابا نحو 100 مليون دولار كجزء من الضغط لإيجاد تسوية، وكان الاتحاد الأفريقي قد عمل على إيجاد توافق وصيغة قانونية  ملزمة، وهو مستمر في مسعاه على الرغم من عدم تجاوب أثيوبيا، وقد يذهب الأمر إلى التحكيم الدولي كسيناريو ثالث.

وتعتبر مشكلة مياه نهر النيل من أعقد المشكلات وهي تتعلّق بصميم المصالح الحيوية المصرية، بل بما يسمى الأمن القومي العربي، وهما مسألتان تزعزعتا في سنوات حكم ما بعد الرئيس جمال عبد الناصر، وضعف الدور المصري في إفريقيا، وعموم المنطقة وتبدّد الحد الأدنى من التعاون والتنسيق بين البلدان العربية لمواجهة مثل تلك التحديات الإقليمية والدولية على نحو موحد كما حصل باجتماع القمة العربية العام 1964 أو قمة الخرطوم ما بعد عدوان حزيران (يونيو) العام 1967.

      النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى