تحقيقات - ملفات

احتفالات «القومي»: كيف يمكن التعايش مع تهديدات الأحزاب؟ لبنان تحت الاحتلال ولا نجاة إلا بفصل الدولة عن المشروع الإيراني

     

 

ماذا يعني قيام الحزب السوري القومي الاجتماعي باحتلال قسم من العاصمة بذريعة تنظيم احتفالات، يطلق خلالها دعوة صريحة لاغتيال رئيس حزب لبناني هو الدكتور سمير جعجع، وماذا يعني أن يؤكد هذا الحزب مسؤوليته عن اغتيال رئيسٍ أسبق للجمهورية، هو بشير الجميل، ثمّ يمارس البلطجة في طرابلس من خلال الاعتداء على المراكز الحزبية والصحية بوجهٍ مكشوف، وبعيون وقحة.. ليكون هذا المشهد إعلاناً إضافياً لسقوط الدولة تحت وطأة السلاح.
بيروت تحت الاحتلال
يُذكّر مشهد القوميين في بيروت بأنّ العاصمة محتلة ومستباحة فعلياً من منظومة الممانعة، تحت سمع أجهزة أمنية فقدت هويتها ومهماتها، وأنّ إشهار لغة القتل والإرهاب مستمرٌ ومتواصل، وأنّ تجميل صورة هذا الاحتلال تجري من خلال المشاركة السياسية معه في حكومات لا مهمّة لها سوى تشريع هذا الاحتلال والتطبيع مع نتائجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كيف يمكن النظر باحترام إلى دولة تعترف بأحزاب تجاهر بالقتل والاغتيال السياسي، وهناك منها من هو مدان من قبل القضاء اللبناني، وهو الحزب القومي الذي أدين أعضاء منه باغتيال الرئيس الراحل بشير الجميل، ومنها من أدين من محاكم دولية، كما هي إدانة القيادي في «حزب الله» سليم عياش باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.. يضاف إلى ذلك أنّ هذين الحزبين، لا يعترفان أصلاً بالكيان اللبناني ويعملان لهدمه لصالح مشروع آخر نقيض لهذا الوطن.
كيف يمكن التعايش مع الأحزاب القاتلة؟
رغم أن التعرّض للقوات اللبنانية هو جزء أساس من خطاب الحزب القومي، إلاّ أنّ تجديد التهديد بالاغتيال لسمير جعجع اليوم، يأتي بعد واقعة إسقاط الأقنعة في ما سُمّي زوراً «انتخابات رئاسية» في سوريا، ومحاولة تحويلها إلى رافعة سياسية لنظام بشار الأسد ومنظومة الممانعة في لبنان، لكنّ موقف رئيس القوات الذي أيقظ الوعي اللبناني على حقيقة ما يفعله هؤلاء، فكان التصدي لاستفزازاتهم المنظّمة والمعدّة سلفاً، وتحطيم دعاية النظام بأنّ له القدرة على استباحة المناطق اللبنانية ودسّ صور رئيسه في أنوف اللبنانيين بدون مقاومة منهم.
ماذا لو تحرّك السوريون بدون استفزاز؟
وفي هذا السياق، نتساءل: لو أنّ هؤلاء السوريين المقترعين للأسد توجهوا إلى سفارة نظامهم بدون استعراضات أو استفزازات، وبدون مواكب تحمل مكبِّرات الصوت وترفع صور الأسد، هل كان أحدٌ ليتعرّض لهم أو يستهدفهم؟
الواقع أنّهم لو فعلوا ذلك، ما كان ليشعر بهم أحد، وما كان لأيّ إشكالٍ أن يقع، لكنّ هذا ليس مقصد من دفعوا بتلك المواكب من قلب عكار والمنية مروراً بطرابلس لتصطدم بأبناء جونيه وكسروان، في محاولة لإشعال فتنة واسعة، أسقطها حسم الموقف وإدراك اللاعبين بالنار أنّها ستحرقهم قبل أي طرف آخر.
الممانعة لا تصلح للحكم وتبدع بالتخريب والفوضى
انتهت همروجة الترويج الفاشلة لبشار الأسد، لكنّ الترهيب مستمرٌ ومتواصل وليس له حدود، ولعلّ أبرز تجلياته هو هذا الفشل السياسي المتمادي، حيث يثبت يوماً بعد يوم، أنّنا أمام منظومة أمنية، حاولت التلبّس بالسياسة، لكنّها فشلت فشلاً ذريعاً، كان أسرع تداعياته هذا السقوط المدوّي للدولة، بمواقعها الدستورية وباقتصادها وبتحطيم نظامها المالي، الذي استطاع الصمود على مدى سنوات الحرب الطوال.
النتيجة الواضحة من كلّ هذه الوقائع، هي أنّ تحالف السلاح والفساد لا يتقن سوى الفوضى، ولا يصلح للحكم مطلقاً. إنّه مخرِّب نموذجي لكلّ نسيج اجتماعي متآلف، بل يمكن وصفه بأنّه «مفرّق الجماعات»، إنّه ذاك الشبح الذي يحمل منجله الأسود العملاق ليضرب رقاب الكيانات والدول، وليحيل سلامها حرباً واستقرارها خراباً، وتآلف أهلها فتناً وتناحراً.
من هنا شاهدنا خلال الأيام الماضية تسجيلات مصوّرة شديدة الاستفزاز، بعضها لنساء سوريات قلن إنهنّ من «بعل محسن»، وأنّ هذه المنطقة هي منطقة سوريّة يحكمها بشار الأسد، وليست أرضاً لبنانية، بينما خرج سوريٌّ آخر ليهدّد عناصر الجيش اللبناني بالقتل، وجرى تداول مقطع لسوري موالٍ للنظام، يعتبر أنّ لبنان خطأ تاريخي، متهما الشعب اللبناني بكلّ الصفات الشنيعة.
يتصرّف الممانعون تجاه الأزمة والانهيار الحاصل، وكأنهم غير معنيين بما يجري، وكأنهم ليسوا هم المسيطرون على زمام السلطة في البلد، فيزايدون على الشعب المطحون بالأزمات، ويتجاهلون مسؤولياتهم الجسام عن الكارثة التي نزلت بلبنان، وعن إدارة الأزمة للخروج منها.
هذا ما يفعله عهد ميشال عون عبر تمزيق الدستور، وما يفعله «حزب الله» عبر التلاعب لمنع تشكيل الحكومة، وما تقوم به ميليشياته بنشر الفوضى في الشوارع وتسخين الأجواء، طائفياً ومذهبياً، بينما يستمرئ هذا التحالف الفراغ في السلطة التنفيذية لفرض وقائع تخالف الدستور وتسقط قواعد الحكم الرشيد.
خيارات اللبنانيين في ظلّ حكم السلاح والفساد، محدودة ومحصورة، وهي تتراوح بين تلقّي الكوارث بالتقسيط، أو دفعة واحدة، ولا أفق أمامهم سوى خوض استحقاق الانفصال عن المشروع الإيراني لصالح مشروع الدولة، فمهما كان مكلفاً، يبقى أفضل من هذا الجهنّم الذي نستمرّ في السقوط في أتونه بلا قعر ولا قرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى