عاجل عاجل | مشاهد من حفل افتتاح كأس العالم 2026 في المكسيك
فن

عاجل | محمد الرواس يجمع شظايا بيروت

حوّل محمد الرواس ذاكرة الحروب اللبنانية إلى مختبر بصري مفتوح، مزج فيه الكولاج والتجهيز والوسائط المتعددة بالتجريد وفن البوب.

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | محمد الرواس يجمع شظايا بيروت
حوّل محمد الرواس ذاكرة الحروب اللبنانية إلى مختبر بصري مفتوح، مزج فيه الكولاج والتجهيز والوسائط المتعددة بالتجريد وفن البوب. في معرضه الجديد Stop Making Sense، تتجاور آثار العنف والذاكرة والثقافة الشعبية داخل عوالم كثيفة ومتشظية، تعكس فوضى الواقع وتقاوم البحث عن منطقٍ نهائي للأشياء الفنّ ‏بالنسبة إلى محمد الرواس (1951) «وسيلة تعبير عن فكرة بصرية ونظرة فكرية في آن واحد». ولكونه ابن زمن الحرب، فـ «لوحاتي هي تعليقات على الحرب والإنسانية والقضايا الاجتماعية والسياسية» وفقاً لما يقول لنا. ابن الطريق الجديدة جذبه ‏فن الرسم فتى في الثالثة عشرة، فتلقّن أصوله لدى من يدعوه معلّمه ومرشده الأول منير عيدو، الرسام الذي أبقته حرفته الفنية النقيّة خارج دائرة المعارض. يتأفاده الرواس قائلاً: «اكتشفني عيدو ودفعني إلى الأمام وشجعني على السعي وراء الإبداع الفني الخالص، من دون أن أشغل بالي في ما سيحدث بعد إنهاء العمل، سواء عرضه أو بيعه أو عدم بَيعه». يوم التحق الرواس عام 1970 بالجامعة اللبنانية لدراسة الأدب الإنكليزي، أدرك سريعاً أنه لا ينتمي إلى هذا الاختصاص فالتحق بكلية الفنون الجميلة، ثم التحق في مرحلة لاحقة متقدمة ببرنامج الماجستير في فن الطباعة في «كلية سليد للفنون الجميلة» في جامعة لندن. وعاد إلى لبنان عام 1982 ليبدأ مسيرة التدريس بين الجامعة اللبنانية والجامعة الأميركية في بيروت طوال نحو ثلاثة عقود، غير متوقف عن مزاولة إبداعه الشخصي، فكل لوحة له تستغرق عملاً بين شهرين وثلاثة أشهر بحسب اعترافه، مكرّساً وقته كاملاً لفنه بعد تقاعده من التدريس.

من الطريق الجديدة إلى ريادة الفن المفاهيمي

حوّل الروّاس يوميات فظائع الحروب اللبنانية إلى فن مفاهيمي يقوم على عناصر متعددة من الكولاج الفوتوغرافي، ووسائط مختلطة من الخشب والألومنيوم والخيوط، ودمجٍ لألوان البحر الأبيض المتوسط من الأزرق البارد والألوان الترابية الدافئة، مستحضراً هوية لبنان الساحلية، ومتبنّياً منظوراً عالمياً يربط الصدمات المحلية بالحركات الفنية العالمية مثل التعبيرية التجريدية وفن البوب. يركز منذ البداية على الديناميات الاجتماعية والتقاطعات بين الأسطورة والواقع، ما عزّز ابتكاراته في الحفر والنقش والطباعة الحريرية. كما تبنّى تقنيات الكولاج والصور الرسومية المطبوعة، ثم انتقل إلى استخدام لوحات الوسائط المتعددة التي تتضمن خشب البلسا والألومنيوم والخيوط، مستمداً تأثيرات التعبيرية التجريدية وفن البوب لبناء تجريدات متعددة الطبقات، متجاوزاً الرسم الثنائيّ البعد، دامجاً العناصر النحتية لنقل الطاقة والزخم، مع ابتكار تركيبات هيكلية شهد أسلوبه تحوّلاً إضافياً في أواخر الثمانينيات مدخِلاً الكرتون وعناصر أخرى لاستكشاف الأبعاد الثلاثية في اللوحة، متجاوزاً دقة الطباعة إلى أشكال هجينة من ورق مقصوص وأسطح مطلية. جمعت أعماله اللاحقة في العقد الأول من القرن الحالي بين رموز الثقافة الشعبية والإشارات الأسطورية، وأحياناً الشخصيات الكرتونية التي مزجها مع صور قصف غزة لإظهار العبث الوجودي والوحشية. ويُلحظ التطور في أعماله من التجسيد المتأثر بالحرب إلى التجريد والتجريب والتركيب، تأكيداً لبحثه المستمر عن تناقضات الواقع، مكيّفاً تأمله الذاتي في زمن الحرب إلى رؤية وجودية وثقافية أوسع نطاقاً، فلم تغب عن رؤيته واهتماماته النزعة الاستهلاكية الطاغية، وعنف الذكورية في مقابل براءة وسلمية الرموز الأنثوية (المرأة شديدة الحضور في أعماله). يمكننا أن نلمح تأثيرات التعبيرية التجريدية وفن البوب لدى فناني ما بعد الحداثة، مثل الأميركي روبرت راوشنبرغ، على تطور أعمال الرواس. ومع ذلك، بقيت ابتكاراته الشكلية لبنانية بفضل رموزها وعناصرها المحلية. لذا يعدّ محمد الرواس رائداً في الفن اللبناني المعاصر، وبخاصة الفن المفاهيمي، وهو يترك تأثيره على أجيال من الفنانين الشبّان، تحديداً الذين مرّوا لديه طلّاباً.

الحرب مادةً للكولاج والتجريب البصري

‏مساحة العرض في غاليري «صالح بركات» مكان مثاليّ لاحتضان معرض محمد الرواس الجديد، حيث تتجاور الأعمال من كل نوع وتقنية وأداة تعبير، بين لوحات وتماثيل صغيرة وقطع متناثرة وألعاب وصور فوتوغرافية وشخوص مرسومة (مانغا) وعناصر زخرفية وأفاديات بصرية. وداخل العمل الفني يحتل كل عنصر الأهمية البصرية نفسها، فلا هيمنة لعنصر على آخر. يتجلّى الانضباط في كل مكان وتفصيل، إلا أنه انضباط تنظيميّ لفوضى غير سهل التخلص منها. كل تفصيل يبدو مقحماً باعتناء فائق، وكل فاصل بصريّ مدروس بدقة ملحوظة. تكوينات الرواس كثيفة، ولكنها مريحة على نحو مدهش، رغم تراكم المراجع والعناصر وتراكبها وتداخلها.

يتقدّم الحدس على التفسير

‏رؤى الرواس، وفقاً لما يشرحها هو نفسه، حرّة بالمطلق، كأن ثمة جانباً طفليّاً فيها. كأنها حرية الطفل الذي يضع عوالم مستحيلة جنباً إلى جنب، دونما حاجة إلى تفسير، وهذا تماماً ما يرمي إليه: التلقّي من دون حساب الفهم أو التفسير. يدعونا الرواس إلى أن نحدس اللوحة، لا أن نفكك رموزها عقلياً ومنطقياً. من هنا عنوان المعرض Stop Making Sense (لا تحلّل منطقياً) ودلالاته. يمكن مثلاً أن تخاطب شخصية كرتونية لوحة من عصر النهضة، على ألّا يشكك أي ناظر في منطق هذا اللقاء. لا بحث في لوحة الرواس عن «المنطق» في عالم يسير على غاربه بلا منطق وتختلط مفاهيمه وعناصره. يدعونا الرواس إلى تلك الحرية البصرية المنسية، فقد يترك فينا تمثال خزفي صغير تأثيراً عاطفياً أقوى من جدارية ضخمة. الأنماط الزخرفية تشارك لديه في حوارات عاطفية بينيّة. يبدو النظر إلى هذه الأعمال المعلقة في الغاليري شبيهاً بفتح أدراج مليئة بأشياء جمعت طوال حياة كاملة، لأسباب يصعب تفسيرها منطقياً تماماً كالذاكرة التي لا تنظم نفسها أكاديمياً. تتشكل الذات من المصادفات والصور والمتاحف والطفولة والسينما والحرب والكتب والأشرطة المرسومة والإعلانات والهواجس الخاصة… كل ذلك وغيره يمتزج في فضاء عاطفي واحد، داخل أعمال محمد الرواس.

بيروت ذاكرة متشظية

‏من دون تصوير بيروت مباشرة، تعيد أعمال الرواس على نحوٍ ما خلقَ الإحساس بالعيش داخل المدينة نفسها. تتراكم الطبقات بلا نهاية، وتستمر الأزمنة المختلفة في الوجود جنباً إلى جنب، ويبقى الجمال رغم الإرهاق، وتظهر الدعابة لحظة يصبح الجدّ لا يُطاق. ترفض الأفاديات القديمة أن تختفي تماماً تحت وطأة الواقع الجديد. التجوّل بين عناصر اللوحات الخاصة بها يشبه التجول في شوارع تختلط فيها الأزمنة. لا شيء يبدو معزولاً. كل شيء يبدو متأثراً بقصة خفية أخرى قريبة. حتى الازدحام البصري يبدو مألوفاً، كما لو أن اللوحة تعي عاطفياً معنى السكن في أماكن مليئة بالبقايا العاطفية، والأزمنة المتقطعة، وأشكال البقاء الهشّة. لا تظهر بيروت في لوحات الرواس كجغرافيا بقدر ما تظهر كإيقاع عيش مصنوع من التوتر والسخرية والحنين والمثابرة، فهل يمكن لمدينة تشكلت بفعل الذاكرة والبقاء أن تكون منطقية تماماً؟ الشك المستمر هو ما يبقي الأعمال حيةً في الذهن. فالخطر ليس إلا الارتباك بحد ذاته بل وهم أن كل شيء ينبغي أن يكون منطقياً دائماً. ‏إن تذوّق أعمال محمد الرواس أسهل من الكتابة عنه، فالحدس هو المطلوب لا التفسير، كما هي الحال أمام أعمال السورياليين والدادائيين وفناني البوب آرت والفن المفاهيمي. تكويناته المتماسكة حلمياً، رغم حداثتها المفرطة، لا تتخلى عن خصائص الهوية المحلية، مثلما حدث مع شفيق عبود الذي لم يخرج من عباءة انتمائه المحلية رغم إقامته الفرنسية المديدة. عوالمه لا متناهية، غارقة في هواجسها الرمزية والجمالية، تسعى إلى إزالة الحدود الفاصلة بين الفن والحياة، تثير لدى الناظر إليها والمحدق إلى عناصرها مشاعر تسبق الفهم والتفسير المنطقي وإدراك الروابط والصلات بين عوالم فائقة الغنى والخيال وبراعة الصنيع الفني المركّب. في أعماله نلمح ظلال الكلاسيكي والحديث، ضمن مساحة تفاعل بينهما، وماضياً وحاضراً يلتقيان بلا حرج أو تردّد، مع حوار بين الأسطورة والثقافة الشعبية، ففي اللوحة نفسها تتجاور التماثيل اليونانية والرومانية مع شخصيات «الأنيمي» اليابانية ودمى الأطفال والإعلانات التجارية، كما تحضر آثار الحروب المتتالية، وانفجار المرفأ، وتحولات العمارة في لبنان والعنف البصري الحديث. كل ذلك يعكس تشوّهات الذات في عالم متصدّع، يتشكل ويتآكل في الوقت نفسه. فنّ محمد الرواس تركيبيّ وتفكيكيّ لعالم معاصر عنيف ومتشظّ. ‏حيال ندرة المعارض المهمة، يأتينا معرض محمد الرواس ومضة نور في ظلام الحرب والموت والقهر الاجتماعي، ليهبنا فسحة أمل بأنّ ثمة من لا يزال يبدع وسط الخراب العظيم الذي يجمع الفنان القدير بعض نثاره في لوحاته المبهجة صنعاً ولوناً وتركيباً وغنى عناصر وأزمنة وعوالم لا تنتهي. الكاتبة: ريما التخل 12 حزيران 2026 المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى