عاجل عاجل | ليس للفلسطيني إلا الأرض والوثائق
عين على العدو

عاجل | «ة مربوطة» تقاوم الحرب وعزلة المدينة

بعد الأزمات الاقتصادية والحرب، أعادت «ة مربوطة» إحياء نشاطها بالاعتماد على التطوع والمبادرات الفردية، من عروض الأفلام والأمسيات الشعرية إلى برامج الأطفال المجانية.

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | «ة مربوطة» تقاوم الحرب وعزلة المدينة
بعد الأزمات الاقتصادية والحرب، أعادت «ة مربوطة» إحياء نشاطها بالاعتماد على التطوع والمبادرات الفردية، من عروض الأفلام والأمسيات الشعرية إلى برامج الأطفال المجانية. وبين الثقافة والحياة اليومية، تسعى «ة مربوطة» إلى الحفاظ على فكرة اللقاء والتضامن في مدينة مثقلة بالأزمات على مسافة قصيرة من شارع الحمرا الرئيسي، تقبع مكتبة ومقهى منذ ما بعد حرب تموز (يوليو) 2006. «ة مربوطة» المساحة الموازية للمدينة نفسها، تحاول باستمرار بناء مكان يستطيع روادها عيش يومهم كاملاً فيه، يقرأون، يعملون، يأكلون، يناقشون، يشاهدون الأفلام، يلتقون بأصدقائهم، أو ببساطة يجلسون بصمت مع فنجان قهوة.

المكتبة قبل المطعم

منذ تأسيسها، حملت «ة مربوطة» فكرة مختلفة عن المساحات الثقافية السائدة، تقوم على خلق «مساحة ثالثة» لا تشبه البيت ولا العمل، مساحة عامة يشعر الناس فيها بأنهم ينتمون إلى شيء مشترك. بدأ المشروع في فندق «بافيون» قبل أن ينتقل لاحقاً إلى موقعه الحالي في الحمرا. المكتبة والمساحة الثقافية جاءتا أولاً، ثم تطور المكان تدريجياً ليصبح مقهى ومطعماً أيضاً. تقول هند حيدر، منسقة النشاطات والمكتبة، إنه لا يمكن فصل الطعام عن الثقافة، فالشخص المرتبط بثقافته سيقدّم طعاماً يشبهها، وقهوة تشبهها، ومساحة تشبهها أيضاً. لذلك تصرّ «ة مربوطة» على الحفاظ على هوية مطبخها التقليدية بالكامل، بلا محاولات للتحديث الاستعراضي أو «الفيوجن». هذا الترابط بين الثقافة والحياة اليومية هو ما أعطى «ة مربوطة» خصوصيتها. الحديقة، الطاولات، الرفوف، والجدران نفسها، كلها مفتوحة للاستعمال الجماعي. يمكن لأي شخص تقريباً أن يعلّق منشوراً لفعالية يريد تنظيمها، أو يطلب إقامة ورشة أو أمسية شعرية أو عرض فيلم، تقول حيدر.

مساحة ثقافية للجميع

من يدخل «ة مربوطة» يلاحظ بسرعة هذا التنوع. المكان يستقبل أشخاصاً من جنسيات مختلفة، وأعمار مختلفة، واهتمامات مختلفة أيضاً. هناك من يأتي للعمل لساعات طويلة، ومن يأتي للقراءة، ومن يشارك في نشاط سياسي أو ثقافي، ومن يأتي فقط لأن المكان يمنحه شعوراً بالراحة والانتماء. هذا الانفتاح لم يكن مجرد خيار تنظيمي، بل جزءاً من رؤية أوسع، تعتبر أن المساحات الثقافية يجب أن تكون متاحة للجميع، لا حكراً على فئة اجتماعية أو ثقافية محددة. لكن الحفاظ على هذه الفكرة في لبنان لم يكن سهلاً. مثل معظم المشاريع الصغيرة، واجهت «ة مربوطة» ضغوطاً هائلة بعد انتفاضة 2019 والانهيار الاقتصادي. فقد شكل تراجع القدرة الشرائية، وانهيار الليرة، وارتفاع تكاليف التشغيل، تحدياً يومياً. كانت الأولوية الأساسية الحفاظ على العاملين في المكان وضمان قدرتهم على تأمين معيشتهم، تقول حيدر، وفي الوقت نفسه إبقاء الأسعار ضمن حدود تسمح للناس بارتياد المكان. خلال تلك الفترة، تراجعت النشاطات الثقافية لفترة معينة، فالأزمات المتتالية جعلت الثقافة نفسها تبدو كأنها «ترف» مؤجل.

البدء من جديد

لم تستمر هذه الحالة طويلاً. خلال الحرب الأخيرة في خريف 2024، ظهرت قناعة بأن الاستمرار بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة. حينها تواصلت حيدر مع الإدارة وبدأت عملية إعادة إحياء المكتبة بطريقة جديدة. الفكرة الأساسية كانت أن المكان قادر على لعب دور أكبر بكثير، وبتكاليف أقل مما يُعتقد. بعد الحرب بدأ العمل لإحياء المكتبة، من دون التوجه إلى «التمويل» المهيمن على العمل الثقافي والمدني في السنوات الأخيرة. فاعتماد منظمات المجتمع المدني المفرط على التمويل الخارجي، ألغى إمكانية العمل اعتماداً على الوقت والتطوع والعلاقات المباشرة بين الناس. وهنا تؤكد حيدر أنه بالنسبة إلى «ة مربوطة»، ليست كل فعالية بحاجة إلى ميزانية ضخمة أو ممولين أو مشاريع معقدة، فكثير من النشاطات تحتاج فقط إلى مساحة، وبعض المواد البسيطة، وأشخاص مستعدين لمنح وقتهم.

طبيعة النشاطات

بدأت الأنشطة الثقافية بعرض فيلم نظّمته المكتبة بعد إعادة تفعيل نشاطها كان بالتعاون مع المخرجة الفرح الهاشم. بعد ذلك، بدأ الفريق يراقب ما تفعله المساحات المشابهة في الحمرا ومار مخايل وبدارو وغيرها، وطبيعة الأنشطة التي تجذب الناس، وقد استلهمت حيدر منها وقدمتها بروح «ة مربوطة». وهكذا ظهرت فكرة «عرق ورسم»، وهي نشاط مستوحى من جلسات الرسم الجماعية، تعتمد على العرق البلدي بدلاً من النبيذ. كما تحولت زوايا المكان أيضاً إلى منصات عرض للفنانين والحرفيين. بعضهم يعرض منتجاته اليدوية على الطاولات، وبعضهم يحوّل الجدران إلى معارض صغيرة للوحات والصور. ومع الوقت، بدأت هذه النشاطات تجذب أشخاصاً جدداً، وجدوا فيها مساحة حقيقية للقاء والتعبير. ارتفاع وتيرة النشاطات، بدأت المبادرات تتكاثر، من عروض أفلام أسبوعية، أمسيات شعرية ذات طابع سياسي واقتصادي، ورش عمل فنية، ومساحات مفتوحة لأي شخص يريد تنظيم نشاطه الخاص. حتى بات الكثير من الأشخاص يتواصلون مع حيدر لاقتراح أفكار أو طلب استخدام المكتبة لتنظيم ورش أو اجتماعات.

مساحة هادئة للأطفال

إحدى أهم المبادرات التي أطلقتها المكتبة كانت برنامج الأطفال المجاني. منذ البداية، أصرّت حيدر على أن يكون مفتوحاً بالكامل، من دون تسجيل أو جمع بيانات شخصية عن الأطفال. هذا القرار كان مقصوداً، خصوصاً في ظل الحرب والنزوح. فكثير من الأطفال يأتون من عائلات نازحة أو تعيش ظروفاً صعبة، وبعضهم فقد منزله أو مدرسته. لذلك كان الهدف خلق مساحة يستطيع الأطفال فيها أن يكونوا أطفالاً فقط، بعيداً عن تصنيفات الحرب والفقدان. يُقام البرنامج مرتين أسبوعياً، يوم الثلاثاء مخصص للنشاطات الفنية والحرفية، ويوم الخميس لعروض الأفلام. لكن حتى اختيار الأفلام يتم بطريقة مدروسة. تشرح حيدر آلية اختيار الأفلام، وهي كلها قديمة، لأنها لا تحتوي محتوى سريعاً ومحفّزاً بشكل مفرط، فهي أفلام هادئة وبطيئة الإيقاع، تساعد الأطفال على الخروج قليلاً من عالم الشاشات السريعة والسوشيال ميديا والضجيج المستمر. حتى يُطلب من المتطوعين ألا يضغطوا الأطفال أو يفرضوا عليهم قواعد صارمة. المطلوب فقط أن يقدّموا النشاط، ثم يتركوا للأطفال حرية التفاعل معه بالطريقة التي يريدونها. بالنسبة إلى حيدر، المهم أن يشعر الأطفال بالأمان والراحة، لا أن يتحول النشاط إلى صف مدرسي إضافي.

مجانية العمل الثقافي

مع تصاعد الحرب، شكلت «ة مربوطة» مساحة تنسيق للناشطين والمجموعات التي تعمل على الأرض، في الإغاثة وتوزيع الطعام والخيام والمساعدات. وتتعاون مع جمعية نسوية اسمها «خطوة امرأة»، للمساعدة بدعوة الجمعيات إلى اجتماعات دورية، بهدف تبادل المعلومات والخبرات والموارد. أحياناً تكون هذه الاجتماعات تقنية وتنظيمية، وأحياناً مجرد مساحة للحديث و«الفضفضة» عن الضغوط والمشكلات اليومية. تصرّ حيدر على إبقاء معظم الفعاليات مجانية أو شبه مجانية. بالنسبة إليها، السؤال الحقيقي ليس لماذا النشاطات مجانية، بل لماذا أصبح كل شيء في المدينة يحتاج إلى المال كي يحدث؟ تاريخياً، كانت المساحات العامة وأماكن اللقاء موجودة بشكل طبيعي، من مقهى الحي، إلى زاوية الشارع، أو حتى شجرة يجلس الناس تحتها. أما اليوم، فقد أصبح مجرد الخروج من المنزل أو المشاركة في نشاط ثقافي يحتاج إلى ميزانية. تحاول «ة مربوطة» مقاومة هذه الفكرة عبر إعادة خلق مساحة يستطيع الناس الوصول إليها من دون عبء مالي كبير. لا تنكر حيدر أن هذه النشاطات تعود بالفائدة على المكان، فالأشخاص الذين يأتون للمشاركة في الفعاليات يتعرفون إلى المطعم والمقهى، ويصبح كثير منهم من الزبائن الدائمين. لكن الفرق، أن هذه العلاقة تقوم على شعور الناس بأن المكان يشبههم فعلاً. هكذا، تحاول «ة مربوطة» وسط مدينة منهكة بالأزمات، أن تستعيد فكرة الجماعة واللقاء والتضامن اليومي.   الكاتة غادة حداد 26 ايار 2026 المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى