صحافة

«تريّث محمود»… حدود القدرة الأميركية على فرض الصدام في لبنان

# «تريّث محمود»… حدود القدرة الأميركية على فرض الصدام في لبنان

 


«تريّث محمود».

اختصر حزب الله بهذه العبارة نتيجة اختبار سياسي تجاوز قضية متفجرات ضهر البيدر. فالمواجهة التي دُفع بها إلى مجلس الوزراء لم تكن حول اختصاص المجلس العدلي وحده، بل حول استعداد السلطة اللبنانية للانتقال من إعلان حصرية السلاح إلى فرضها عبر مواجهة مباشرة مع الحزب. وجاء التأجيل ليكشف أن الرؤساء جوزاف عون ونبيه بري ونواف سلام، رغم اختلاف حساباتهم، لم يكونوا مستعدين لتحمل نتائج هذا الانتقال.

لم يُغلق الملف، ولم يتوقف التحقيق.

لكن الحزب نجح سياسياً في تجنب تحويل القضية إلى سابقة استثنائية تتجاوز المسؤوليات الجزائية عن المتفجرات إلى مواجهة أشمل حول نشاطه العسكري. أما الدولة، فاحتفظت بصلاحياتها القضائية من دون الدخول في اختبار قوة غير مضمون النتائج.
وقعت المواجهة في توقيت بالغ الدلالة. ففي 21 تشرين الأول، وصفت الباحثة أورنا مزراحي، في قراءة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS، الإجراءات الأمنية اللبنانية ضد حزب الله بأنها تحول عن سياسة تجنب الاحتكاك، يجري جزئياً تحت الضغط الأميركي. وربطت بين ضهر البيدر والتطورات الأمنية الأخرى، معتبرة أن السلطة اللبنانية والحزب دخلا اختبار قوة: الأولى لإثبات قدرتها على تنفيذ التزاماتها، والثاني لمنع تغيير ميزان القوى ضده.

سبقت هذه القراءة مطالبة أميركية مباشرة.

ففي اتصال ماركو روبيو بجوزاف عون، طلب وزير الخارجية الأميركي محاسبة المسؤولين عن نقل المتفجرات وتمويل العملية وإدارتها، وعدم إعادتها إلى الحزب. وفي الاتصال نفسه، شجع التواصل العسكري المباشر مع إسرائيل، وأثار قانون المقاطعة.
لم تكن واشنطن تتعامل مع ضهر البيدر باعتباره تحقيقاً لبنانياً عادياً. أرادت نتائج محددة من المؤسسات، ضمن مسار أوسع لنقل حصرية السلاح من التعهد السياسي إلى الإجراءات الملزمة. ولا يثبت ذلك أنها أدارت قرار الإحالة أو توقيته، لكنه يثبت حضور الملف في جدول الضغط الأميركي.

داخلياً،

التقطت القوات اللبنانية اللحظة ورفعت سقف المواجهة. لم يكتفِ سمير جعجع بالمطالبة بإحالة القضية إلى المجلس العدلي، بل ربطها بشرعية النشاط العسكري للحزب وبقدرة الحكومة على فرض قراراتها، وصولاً إلى إثارة أداء قيادة الجيش. أما الكتائب، عبر وزير العدل عادل نصار، فدفعت نحو الإحالة باعتبارها قضية أمن قومي.

لكن الاختلاف ظهر عند لحظة الحسم.

انسحب وزراء القوات احتجاجاً على التأجيل، فيما بقي نصار داخل الجلسة. أرادت القوات تثبيت مواجهة سياسية مع التراجع الحكومي، بينما حافظت الكتائب على مطلبها من داخل المؤسسات. وفي المقابل، أنتج تفاهم عون وبري وسلام التسوية التي حالت دون الإحالة الفورية.
هنا انكشفت حدود الضغط. فالقوى المطالبة بحصرية السلاح لم تتفق على كلفة المواجهة، والرئاسات لم تتبنَّ منطق الحسم التصادمي، فيما استفاد حزب الله من موقعه داخل التوازنات اللبنانية ومن استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية في الدفاع عن بقاء دوره العسكري.
هذه العناصر لا تمنع المساءلة القانونية، لكنها تجعل تحويل كل ملف أمني إلى مواجهة مع الحزب قراراً تتجاوز كلفته حدود القضية نفسها.

الأميركي يستطيع الضغط باتجاه الصدام، لكنه يحتاج إلى المؤسسات التي قد يؤدي الصدام إلى إضعافها. وهذه هي المفارقة التي كشفها تأجيل ضهر البيدر.

## تامبا: الجيش المطلوب إخضاع أدائه للتقدير الإسرائيلي

في المسار الموازي، كانت محادثات تامبا تتناول الجهة التي تملك حق التحقق من تنفيذ الجيش اللبناني التزاماته.
سبقت المحادثات حملة تشكيك إسرائيلية في تقارير الجيش عن تفكيك بنى حزب الله ومنع إعادة تسلحه. ولم يكن هذا الخطاب منفصلاً عن المطالب الإسرائيلية المتعلقة بغرفة اتصال مباشرة وآليات تحقق تمنح إسرائيل تأثيراً في تقييم الإجراءات اللبنانية.
وفي ورقة سابقة، عرض INSS تصوراً لتعزيز الجيش اللبناني وإعادة تنظيم وظائفه وتسليحه، مع مراعاة المتطلبات الأمنية الإسرائيلية وتوسيع الدور الأميركي في الإشراف على تطويره.
تريد إسرائيل جيشاً لبنانياً يحتكر النشاط العسكري في الداخل، لكنها تريد الاحتفاظ بحق تقييم أدائه، وبحرية التدخل إذا اعتبرت أنه لم ينجز المطلوب.
وهنا يتجاوز الخلاف مجرد التنسيق العسكري. فحصرية السلاح بيد الدولة لا تعني استقلال قرارها إذا أصبحت إسرائيل المرجع الذي يقرر كفاية الإجراءات، ويحدد متى يحق له التدخل.
وفي المقابل، يحتاج الأميركي إلى جيش لبناني قادر على تنفيذ التفاهمات، وإلى حكومة تستطيع الاستمرار. أما المطالب الإسرائيلية القصوى فتضع المؤسسة العسكرية نفسها تحت ضغط إضافي، خصوصاً مع استمرار الاحتلال والعمليات الإسرائيلية.
التقاطع الأميركي–الإسرائيلي واضح في إنهاء الدور العسكري المستقل لحزب الله. لكنه لا يلغي التباين المحتمل حول مقدار الضغط الذي تستطيع الدولة اللبنانية احتماله.

## قانون المقاطعة: الوجهة أبعد من نزع السلاح

إثارة روبيو قانون مقاطعة إسرائيل تكشف أن المشروع الأميركي لا يتوقف عند إعادة تنظيم السلطة العسكرية.
فالقانون الصادر عام 1955 سابق على حزب الله، ولا علاقة مباشرة له بمصادرة السلاح أو انتشار الجيش. وطرحه في سياق الاتصالات الأمنية يعني إدخال العلاقة القانونية والسياسية مع إسرائيل إلى مسار التغيير.
وكانت ورقة أخرى لمعهد INSS قد أوصت بالتدرج في تطوير العلاقات والاتصالات اللبنانية–الإسرائيلية، وعدم استعجال تعديل القوانين، لتجنب رد فعل داخلي يضعف السلطة اللبنانية.
هنا يظهر اختلاف في إدارة التوقيت. روبيو يفتح الملف مباشرة، فيما تحذر القراءة الإسرائيلية من استعجال تحويله إلى مواجهة تشريعية. ولا يثبت ذلك خلافاً في الغاية، لكنه يكشف إدراكاً إسرائيلياً بأن فرض التحولات دفعة واحدة قد يؤدي إلى نتائج معاكسة.
وهذه المسألة تتجاوز حزب الله. فحتى القوى اللبنانية المؤيدة لحصرية السلاح ليست بالضرورة متفقة على التطبيع، أو على إلغاء التشريعات التي تضبط العلاقة مع إسرائيل.

## الإقليم ليس متفقاً على الوجهة الإسرائيلية

تؤيد السعودية حصرية السلاح وإنهاء النفوذ العسكري الإيراني في لبنان، لكن ليس هناك ما يثبت قبولها بمرجعية إسرائيلية للأمن اللبناني. ومصلحتها في قيام دولة مستقرة لا تتطابق بالضرورة مع مصلحة إسرائيل في الاحتفاظ بحرية العمل العسكري داخل لبنان.
والخليج ليس كتلة واحدة. فالعلاقات الإماراتية مع إسرائيل تختلف عن حسابات قطر التي تدعم الجيش اللبناني وتطالب بالانسحاب الإسرائيلي. ولا يمكن تحويل التوافق على تعزيز مؤسسات الدولة إلى موافقة إقليمية شاملة على شروط إسرائيل.
أما تركيا، فتلتقي مع واشنطن في دعم سلطة الدولة، لكنها تعارض تمدد القوة الإسرائيلية في المنطقة. وتختلف إيران عنها في اعتبار استمرار الدور العسكري لحزب الله جزءاً من منظومة الردع الإقليمية.
هذه التباينات لا تنتج جبهة واحدة، لكنها تمنع افتراض أن إعادة تنظيم لبنان وفق المتطلبات الأمنية الإسرائيلية تحظى بإجماع إقليمي.

## حدود المشروع

تكشف ضهر البيدر وتامبا وقانون المقاطعة ثلاثة مستويات متصلة:

إخضاع النشاط العسكري للمحاسبة الداخلية، وإخضاع تنفيذ الجيش لمعايير التحقق، وفتح الإطار القانوني للعلاقة مع إسرائيل على التغيير.
لكن النتائج حتى الآن لم تواكب سقف المطالب.
تأجلت الإحالة إلى المجلس العدلي رغم الضغط السياسي. ولم تتحول المطالب الإسرائيلية في تامبا إلى سلطة مباشرة متفق عليها على عمل الجيش. ولم يبدأ مسار تشريعي رسمي مكتمل لإلغاء قانون المقاطعة.
المشكلة الأميركية ليست في غياب وسائل الضغط، بل في حدود قدرة النظام اللبناني على استيعاب نتائجها. فالمضي نحو مواجهة داخلية واسعة قد يقوض المؤسسات المطلوب منها تنفيذ الترتيبات الجديدة.
وهذا ما أعطى «التريث المحمود» قيمته السياسية. لم يوقف المسار الأميركي، لكنه كشف أن ميزان القوى داخل الدولة لا يزال قادراً على تعطيل الانتقال من الضغط إلى الحسم.

**الأميركي يريد نقل السلاح إلى الدولة، والإسرائيلي يريد التأثير في شروط ممارسة الدولة سلطتها.

وبين الهدفين، لا يزال حزب الله يمتلك قدرة على منع الصدام الشامل، لكنه لا يمتلك القدرة نفسها على إلغاء المسارات السياسية والقضائية التي فُتحت ضده.**

أما النتيجة ،

فهي أن الصراع على مستقبل لبنان لم يعد يدور حول الجهة التي تحمل السلاح وحدها، بل حول الجهة التي تملك سلطة تحديد وظيفة الجيش، وتعريف التهديد، وقرار الحرب والسلم، وطبيعة العلاقة مع إسرائيل.

**لقد منع التريث انفجاراً سياسياً في ضهر البيدر. لكنه لم يحسم السؤال الذي يحكم المشروع كله: هل يراد بناء دولة لبنانية صاحبة قرار، أم دولة تتحمل مسؤولية الأمن وفق شروط ترسمها واشنطن وتل أبيب؟**


https://www.facebook.com/wakalanewsPage

https://www.facebook.com/groups/WakalanewsGroup/

https://x.com/wakalanews_

https://t.me/wakalanewsOfficial

https://www.instagram.com/wakalanews?stkn=MTh1cWwyN2ZhOHAxcA==

wakalanews.com — متابعة الخبر
بقلم:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى