عاجل عاجل | سلطة النودلز مع اللحم والكايل كينوا... إليكم طريقة التحضير مع الشيف حنا طويل (فيديو)
ثقافة

عاجل | يانيس فاروفاكيس: فَلْنعلنْها ثورةً على «سادة السحاب»

يقترح يانيس فاروفاكيس في كتابه «الإقطاع التكنولوجي: مقتل الرأسمالية» قراءة جذريةً للتحوّلات التي أحدثتها المنصات الرقمية في الاقتصاد المعاصر.

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | يانيس فاروفاكيس: فَلْنعلنْها ثورةً على «سادة السحاب»
يقترح يانيس فاروفاكيس في كتابه «الإقطاع التكنولوجي: مقتل الرأسمالية» قراءة جذريةً للتحوّلات التي أحدثتها المنصات الرقمية في الاقتصاد المعاصر. بدلاً من الأسواق والمنافسة، باتت الخوارزميات والبنى الرقمية العملاقة تتحكّم بتدفّق المعلومات والانتباه والقيمة. ومن خلال مفهوم «رأس مال السحاب»، يعيد الكتاب طرح أسئلة السلطة والملكية والحرية في عصر التكنولوجيا، متسائلاً عمّا إذا كنا لا نزال نعيش في ظل الرأسمالية أم داخل نظام جديد لم نعثر بعد على اسمه النهائي بينما ننشغل بالحديث عن وحشية الأسواق، ثمة نظام جديد ينمو في الخفاء. نظام لا يبيع السلع بل يمتلك الأرض الرقمية التي نسير عليها جميعاً. نادراً ما يعلن نظامٌ تاريخي عن نهايته بصوت مرتفع؛ فغالباً ما يستمر في العمل حتى بعد أن يفقد جوهره، بينما تواصل اللغة القديمة أداء دورها كقناع مريح. هكذا نعيش اليوم في عالمٍ لا يزال يُوصَف بالرأسمالي، في حين أن كثيراً من آلياته الأساسية لم تعد تعمل وفق منطق السوق، ولا تخضع لقواعد المنافسة، ولا حتى لفكرة الربح نفسها. من هذا الخلل بين التسمية والواقع، ينطلق الاقتصادي ووزير المالية اليوناني الأسبق، يانيس فاروفاكيس في كتابه «الإقطاع التكنولوجي: مقتل الرأسمالية» (الصادر بالعربية عن «دار الساقي»ـ ترجمة مالك سلمان). لا يقدّم الكتاب مجرّد نقد لتوحّش الرأسمالية أو لانفلات الشركات العملاقة، بل يذهب أبعد من ذلك، مقترحاً أنّ الرأسمالية قد تجاوزت لحظة التحوّل إلى نظام آخر مختلف في بنيته ومنطقه: نظام «تكنو-إقطاعي»، تحكمه منصات رقمية عابرة للدول، وتُدار فيه السلطة لا عبر السوق، بل عبر السيطرة على الفضاء الرقمي نفسه. الكتاب، بهذا المعنى، ليس اقتصادياً فحسب، بل هو محاولة ثقافية لإعادة تسمية العالم؛ لأن ما لا نُسمّيه بدقّة، سنعجز عن مقاومته.

حين تختفي السوق

يضع فاروفاكيس في قلب أطروحته مفهوماً مركزياً يسمّيه «رأس مال السحاب». هذا الشكل الجديد من رأس المال لا يشبه رأس المال الصناعي ولا المالي، رغم أنه يستند إليهما. إنّه منظومة مادية وغير مادية في آن واحد: خوادم عملاقة، كابلات بحرية، ذكاء اصطناعي، وخوارزميات، لكنها لا تكتسب قيمتها إلا عبر شيء واحد: نشاط البشر أنفسهم. فالصور التي نرفعها، والتعليقات التي نكتبها، وطرق التصفُّح، والتفضيلات، وحتى لحظات التردّد، تتحوّل إلى مادة خام تُعاد معالجتها بلا توقف. ومن دون هذا التدفّق البشري، يصبح رأس مال السحاب مجرد بُنية صامتة بلا قيمة اقتصادية. هنا يقع التحوّل الأخطر في بنية الاقتصاد المعاصر: فالسوق، بوصفه فضاءً للتبادل الحر -نسبياً- وتوازن العرض والطلب، يتراجع تدريجياً ليحلّ محلّه كيان مختلف تماماً هو «المنصة». المنصة لا تقوم بتنظيم السوق أو تحسين كفاءته، بل تلغيه من أساسه؛ لأنها لا تسمح بالمنافسة على قدم المساواة، بل تتحكّم في شروط الظهور نفسها. فهي تقرّر ما يُعرَض وما يُحجَب، مَن يُقتَرَح ومَن يُقصى، وكيف ولمَن تُوجَّه السلع والخدمات. وبهذا لم يعد القرار اقتصادياً ناتجاً من ديناميات السوق، بل أصبح خوارزمياً، مُغلقاً، غير شفاف، ولا يخضع لأي شكل حقيقي من المُساءلة. بهذا المعنى، لم تعد الشركات التكنولوجية مجرّد لاعب داخل السوق، بل أصبحت سيّدة فوقه. فهي لا تربح لأنها تنتج أفضل سلعة، بل لأنها تملك «البوابة». ومَن يملك البوابة لا ينافس، بل يفرض الإتاوة، كما تفعل شركة «أمازون» التي لا تنافس التجار، بل تملك «السوق» الذي يبيعون فيه، وتقتطع ريعاً مقابل كل حركة.

من الربح إلى الريع... ولادة طبقات جديدة

إذا كانت الرأسمالية تقوم على الربح الناتج من الاستثمار والمخاطرة، فإن التكنو-إقطاعية تقوم على «الريع»؛ ريع لا يُستخرج من الأرض، بل من الفضاء الرقمي. كلّ من يريد العبور، أو البيع، أو الإعلان، أو حتى الوجود، عليه أن يدفع، بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن هذا المنطق تنشأ بُنية طبقية جديدة تختلف جذرياً عن التقسيم الكلاسيكي: - سادة السحاب: في القمة، يقف مالكو المنصات الكبرى؛ هؤلاء الذين لا يديرون مصانع، ولا يخضعون لضرورات الربح التقليدي، بل يكفيهم التحكُّم بـ«البوابة» التي يعبر من خلالها الجميع. سلطتهم ليست اقتصادية فحسب، بل هي سلطة بنيوية تتحكّم بالرؤية، وتوجّه الانتباه، وتصيغ اللغة. - الرأسماليون التابعون: وهم أصحاب شركات ما زالت تُنتِج، لكنها فقدت علاقتها المباشرة بالسوق، وأصبح وجودها نفسه مرهوناً بخوارزميات المنصات التي لا تملكها. إنها رأسمالية في الشكل، وإقطاعية في التبعية. - الأقنان السحابيون: وهم القاعدة الأوسع، أي مليارات المستخدمين الذين ينتجون القيمة بوجودهم الرقمي دون عقود. هؤلاء يتم استغلالهم من خلال وهم «المجانية»؛ حيث يقومون بتدريب الخوارزميات مع كل ضغطة زر، محوّلين سلوكهم اليومي إلى وقودٍ يُطوِّر أدوات التحكُّم بهم لاحقاً. - البروليتاريا الرقمية: وتضمُّ عمال التطبيقات، وسائقي التوصيل، والعاملين بنظام المهمات، وصُنّاع المحتوى الهشّين. هؤلاء يعملون داخل المنصات، لكن بلا حماية، وبلا أفق، وبلا قدرة فعلية على التفاوض؛ فالمدير هنا ليس إنساناً، بل خوارزمية. هذا التحوّل الطبقي لم يكن ممكناً لولا دور البنوك المركزية بعد أزمة 2008، حين تدفّقت السيولة الهائلة نحو شركات التكنولوجيا بدلاً من الاقتصاد الإنتاجي، ما سمح ببناء رأس مال سحابي ضخم حتى في غياب أرباح حقيقية. هكذا أصبح الربح أمراً ثانوياً، بينما صار الريع مضموناً.

سلطة الخوارزمية وحدود الأطروحة

ما يُميِّز الإقطاع التكنولوجي عن الإقطاع القديم هو أن السلطة لم تعد قمعية مباشرة، بل هي سلطة «تعديل السلوك»؛ فالخوارزميات لا تأمر بل تقترح، ولا تمنع بل تُهمّش. ومع التكرار، يتحوّل المقترَح إلى «طبيعي»، والمُهمَّش إلى «غير مرئي». المنصات هنا لا تتحكّم بما نفعله فقط، بل بما نرغبه، وفي كيفية تخيّلنا للعالم. لقد أصبحت السلطة تعمل من الداخل؛ من مساحات العادة والانتباه. يقترح فاروفاكيس، في المقابل، فكرة «التمرُّد السحابي» وبناء ديمقراطية تقنية تقوم على الملكية الجماعية للمنصات، وحقوق رقمية واضحة، وتحالف واسع بين الأقنان السحابيين والبروليتاريا الرقمية والرأسماليين التابعين. يُعوّل وزير المالية السابق على أشكال جديدة من الإضراب والمقاطعة الرقمية التي يمكن أن تُلحِق خسائر مباشرة بالمنصات. غير أن هذه الحلول، رغم جاذبيتها الأخلاقية، تبقى عامة، وأحياناً أقرب إلى الأفق النظري منها إلى برنامج سياسي قابل للتنفيذ، خصوصاً في عالم منقسم سياسياً وثقافياً. كما أن استعارة «الإقطاع»، رغم قوتها التفسيرية، قد تُبسِّط واقعاً أكثر «سيولة». ومع ذلك، تبقى الأطروحة شديدة الأهمية لأنها تغيّر زاوية النظر، وتكسر الوهم القائل بأن التكنولوجيا محايدة.

بروميثيوس والنار الجديدة

في الأسطورة، لم يكن بروميثيوس لصاً عادياً، بل كان كائناً آمن بأن النار يمكن أن تُنير الحياة لا أن تحرقها. لقد سرقها من الآلهة بدافع الثقة بالإنسان. التكنولوجيا، في أصلها، كانت فعلاً بروميثيوسياً: وعداً بالتحرّر والسيطرة على الطبيعة من دون إفنائها. لكنّ النار التي نعيش في ظلها اليوم لم تعد تلك الشُّعلة الصغيرة التي تضيء الكهف. لقد تحوّلت إلى نار مركّزة، محتكرة، تُدار عبر الخوارزميات، وتُحتجز في أيدي قلة محظوظة. سادة السحاب يملكون اليوم نسخة جديدة من «النار»، لا بوصفها منفعة عامة، بل كقوة سيطرة ناعمة تعيد تشكيل الإنسان دون أن يشعر. السؤال الذي يطرحه كتاب فاروفاكيس ليس إن كانت التكنولوجيا خيراً أم شراً، بل: مَن يملكها؟ ومَن يُوجّهها؟ ولصالح مَن تعمل؟ فالنار لا تحتاج إلى نية خبيثة كي تحرق، يكفي أن تُترك بلا رقابة. التحدّي الحقيقي في زمن التكنو-إقطاعية ليس تقنياً، بل هو تحدٍّ أخلاقي وثقافي وسياسي. هل نستطيع استعادة البعد البروميثيوسي للتكنولوجيا؟ أم سنكتفي بدور المتفرّج، نحدّق في لهبٍ يدفئنا قليلاً.. قبل أن يلتهم العمل، والمجال العام، والخيال نفسه؟ الكاتبة: سلوى بوق 30 ايار 2026 المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى