هل تهز الأزمة النفطية أوبك وأوبك+؟

هل تهز
تضع أزمة النفط أوبك وأوبك+ أمام اختبار يتجاوز الأسعار والإمدادات، مع تزايد الفجوة بين دول تريد تعويض خسائرها ورفع إنتاجها، وأخرى تخشى أن تؤدي زيادة المعروض إلى تقويض مكاسب الأسعار. ومع اقتراب عودة الملاحة عبر هرمز، يبرز سؤال أكثر حساسية: هل يستطيع التحالف الحفاظ على انضباط الحصص عندما تتعارض مصالح أعضائه؟
لم تعد أزمة النفط بالنسبة إلى أوبك وأوبك+ مجرد مسألة تتعلق بمستوى الأسعار أو بحجم الإمدادات المتاحة في السوق، وإنما باتت اختباراً مباشراً لقدرة المنتجين على الالتزام بقواعد جماعية في وقت تتباين فيه مصالحهم بصورة حادة. فالدول التي فقدت جزءاً من قدرتها على التصدير بسبب الحرب واضطراب الملاحة تريد استعادة إيراداتها سريعاً، بينما تجد دول أخرى نفسها أمام فرصة للاستفادة من الأسعار المرتفعة، ما يضع نظام الحصص أمام ضغوط يصعب احتواؤها إذا طال أمد الأزمة.
في أحدث مؤشر على حساسية الوضع، أبقت أوبك+ في اجتماع الرابع من أكتوبر أهداف إنتاج نوفمبر دون تغيير، رغم أن صادرات دول الخليج بدأت تتعافى تدريجياً. وتقول رويترز إن إنتاج الأعضاء السبعة الأساسيين في التحالف بلغ نحو 25 مليون برميل يومياً في أغسطس، لكنه ظل أقل بنحو 5 ملايين برميل يومياً من مستويات ما قبل الحرب. كما بقيت نحو مليوني برميل يومياً من التخفيضات قائمة لدى معظم الأعضاء.
وتكشف هذه الأرقام مفارقة المرحلة المقبلة: السوق تحتاج إلى عودة الإمدادات، لكن عودة الإمدادات نفسها يمكن أن تصبح مصدر خلاف بين المنتجين.
قد تبدأ المشكلة الفعلية مع استقرار الوضع في مضيق هرمز. فعودة الملاحة بصورة طبيعية ستعني أن الدول المنتجة ستصبح قادرة على إعادة تشغيل طاقات ظلت معطلة أو خفضت بسبب المخاطر الأمنية. عندها قد يتحول السؤال من «كيف نحافظ على الإمدادات؟» إلى «من يحق له ضخ المزيد؟».
وخلال الأزمة، لم تكن الخسائر موزعة بالتساوي. فقد تضررت الدول الأكثر اعتماداً على المسارات البحرية في الخليج بصورة مباشرة، بينما استفادت دول أخرى من ارتفاع الأسعار أو من قدرتها على استخدام مسارات تصدير بديلة.
ومع عودة الملاحة، ستظهر رغبة طبيعية لدى الدول التي فقدت جزءاً من صادراتها في استعادة ما خسرته. غير أن تحقيق ذلك يحتاج إلى مساحة إنتاجية داخل نظام الحصص، ما يعني أن زيادة إنتاج دولة قد تأتي، في بعض الحالات، على حساب الحصة المتاحة لدولة أخرى أو على حساب سياسة جماعية لضبط المعروض.
وهنا يتحول أثر الحرب من مشكلة خارجية تواجه أوبك+ إلى اختبار داخلي لقواعدها.
وتبرز حالة العراق بصورة خاصة. فبغداد تسعى إلى رفع حصتها الإنتاجية، وكانت تطالب بأن تقوم مراجعة الطاقات المقبلة على أساس قدرة إنتاجية تبلغ 6 ملايين برميل يومياً، وهو مستوى أعلى بكثير من حصتها الحالية. كما نقلت مصادر أن العراق درس حتى خيار مغادرة أوبك إذا لم يحصل على معالجة لمطلبه.
وتكشف الحالة العراقية جوهر المشكلة. فبغداد تحتاج إلى النفط لتمويل دولة تعتمد بصورة شديدة على الإيرادات النفطية، وقد تراجعت صادراتها إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً في أغسطس، مقارنة بأكثر من 3.6 مليون قبل الحرب، الأمر الذي دفع الحكومة إلى خفض قيمة الدينار في أكتوبر في مواجهة صدمة الإيرادات.
لذلك فإن بغداد لن تنظر إلى سقف الإنتاج باعتباره مجرد أداة لتحقيق استقرار السوق، بل باعتباره قيداً على قدرتها على تعويض خسائرها المالية عندما تتاح لها فرصة زيادة الصادرات.
وهذا هو تحديداً النوع من الضغوط الذي يصعب على أي كارتل احتواؤه لفترة طويلة: عندما يصبح الالتزام الجماعي مرتبطاً مباشرة بقدرة الحكومة على تمويل الإنفاق العام.
قد يصبح مستقبل أوبك+ مرتبطاً ليس فقط بحجم النفط الذي تستطيع الدول إنتاجه، وإنما بقدرتها على إقناع أعضائها بالالتزام بالقواعد الجماعية
ولا تواجه السعودية المعادلة نفسها. فالمملكة تمتلك واحدة من أكبر الطاقات الإنتاجية الاحتياطية في العالم، كما تملك قدرة أكبر من كثير من المنتجين على استخدام سياستها الإنتاجية كأداة لإدارة السوق.
لكن الرياض واجهت هي الأخرى اضطرابات في البنية التحتية ومسارات التصدير خلال الأزمة. وتشير بيانات Vortexa إلى أن صادرات النفط الخام والمكثفات من دول الخليج باستثناء إيران بلغت في سبتمبر نحو 91 في المئة من مستويات ما قبل الحرب، مع ارتفاع الصادرات السعودية بصورة كبيرة.
غير أن ارتفاع الإنتاج لا يعني بالضرورة عودة السوق إلى وضعها السابق.
فالرئيس التنفيذي لأرامكو حذر من أن المخزونات التجارية العالمية أصبحت «هشة للغاية»، مشيراً إلى فقدان نحو 3 مليارات برميل من إمدادات المنطقة خلال الحرب، وإلى أن إعادة بناء المخزونات قد تستغرق ما يصل إلى عامين.
وهذا يضع المنتجين أمام معادلة معقدة. فزيادة الإنتاج لتعويض الخسائر تبدو منطقية وطنياً، لكنها إذا جاءت بصورة جماعية وسريعة يمكن أن تخفض الأسعار. وفي المقابل، فإن الإبقاء على القيود قد يحافظ على الأسعار المرتفعة، لكنه يحرم الدول المتضررة من فرصة استعادة إيراداتها.
وتبدو روسيا في وضع مختلف. فارتفاع الأسعار يمنح موسكو دعماً مالياً إضافياً، وإن كانت صادراتها وقدرتها على الاستفادة الكاملة من الأسعار مقيدة بالعقوبات والقيود على التجارة.
ويضيف ذلك بعداً آخر إلى الخلافات المحتملة داخل أوبك+. فليست كل دولة بحاجة إلى زيادة الإنتاج بالقدر نفسه، وليست كل دولة مستعدة لتحمل الخسارة نفسها إذا انخفضت الأسعار نتيجة زيادة المعروض.
وبذلك قد تتسع المسافة بين الدول التي ترى في إدارة الإنتاج وسيلة لحماية السعر، والدول التي ترى في رفع الإنتاج وسيلة لتعويض خسائرها أو استثمار طاقتها الإنتاجية.
وتكتسب مغادرة الإمارات أوبك في مايو أهمية خاصة في هذا السياق. فقد كانت أبوظبي قد دفعت لسنوات باتجاه احتساب حصتها على أساس قدرتها الإنتاجية المتزايدة، قبل أن تعلن الخروج من المنظمة.
وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، كانت الإمارات تملك في 2025 قدرة إنتاجية فعالة تقدر بنحو 4.2 ملايين برميل يومياً، وكانت ثالث أكبر طاقة إنتاجية داخل أوبك بعد السعودية والعراق.
ولا يعني خروج دولة واحدة أن أوبك فقدت قدرتها على التأثير، كما لا يعني بالضرورة أن دولاً أخرى ستسلك الطريق نفسه. لكن الخطوة الإماراتية تضع أمام المنظمة سؤالاً يصعب تجاهله: ماذا يحدث عندما ترى دولة أن قدرتها الإنتاجية الفعلية تتجاوز بصورة كبيرة الحصة التي يسمح لها بها النظام الجماعي؟
وهذا السؤال يصبح أكثر حساسية في أوقات ارتفاع الأسعار أو الأزمات التي تتطلب تعويض الإنتاج المفقود.
فكلما ارتفعت قيمة البرميل، ارتفعت أيضاً تكلفة الالتزام بحصة إنتاجية أقل من القدرة المتاحة. وكلما طال أمد القيود، أصبحت الحوافز الاقتصادية لزيادة الإنتاج أكثر وضوحاً.
قد لا تكون المسألة: هل تنهار أوبك وأوبك+؟ بل: هل تستطيعان الحفاظ على نظام الحصص عندما تصبح زيادة الإنتاج مصلحة ملحة لعدد متزايد من الأعضاء؟
في الوقت الراهن، لا تبدو أوبك+ على وشك التفكك. فالتحالف ما زال قادراً على اتخاذ قرارات جماعية، وقد أكد أعضاؤه التزامهم باتفاق التعاون واستقرار السوق.
لكن صعوبة المرحلة المقبلة لا تكمن في قدرة التحالف على إصدار القرارات، بل في قدرته على ضمان تنفيذها عندما تتعارض مصالح الدول بصورة متزايدة.
وتزداد أهمية ذلك مع اقتراب مراجعة الطاقات الإنتاجية وتحديد حصص 2027. فهذه العملية لن تكون مجرد مراجعة تقنية للأرقام، بل ستحدد عملياً مقدار المساحة التي ستتاح لكل منتج في مرحلة ما بعد الحرب.
ومن هنا يمكن أن تصبح مطالب العراق أكثر حساسية، خصوصاً إذا تزامنت مع مطالب دول أخرى بزيادة حصصها، أو مع رغبة منتجين في استعادة مستويات إنتاج سابقة.
كما أن ارتفاع الأسعار يمكن أن يخلق حافزاً إضافياً لدى بعض الدول لمضاعفة الإنتاج، حتى لو كان ذلك على حساب الالتزام الصارم بالحصص. وفي المقابل، فإن انخفاض الأسعار قد يدفع المنتجين إلى التمسك أكثر بالقيود الحالية.
المشكلة التي تواجه أوبك+، بالتالي، ليست فقط تحديد السعر المناسب أو حجم الإنتاج المطلوب، وإنما الحفاظ على الثقة في النظام الذي يوزع أعباء ضبط السوق.
فإذا شعرت الدول المتضررة بأن قواعد الحصص تمنعها من تعويض خسائرها، فإن الضغط على النظام سيزداد. وإذا شعرت الدول القادرة على زيادة الإنتاج بأن حصصها لا تعكس طاقاتها الفعلية، فسيصبح الالتزام أكثر كلفة. وإذا رأت الدول المستفيدة من الأسعار المرتفعة أن زيادة الإنتاج الجماعية تهدد عائداتها، فستتمسك على الأرجح بسياسة أكثر تحفظاً.
وهكذا يمكن أن تنتقل الأزمة من الخارج إلى داخل المنظمة.
فأزمة هرمز قد تنتهي بإعادة الملاحة واستعادة جزء كبير من التدفقات النفطية، لكن آثارها على المنتجين لن تنتهي بالضرورة مع عودة السفن إلى المضيق. فقد خلقت الحرب تفاوتاً جديداً في الخسائر والإيرادات والقدرات الإنتاجية، وأعادت طرح السؤال القديم حول من يتحمل كلفة استقرار السوق.
لذلك قد لا تكون المسألة: هل تنهار أوبك وأوبك+؟ بل سؤالاً أكثر دقة: هل تستطيعان الحفاظ على نظام الحصص عندما تصبح زيادة الإنتاج مصلحة وطنية ملحة لعدد متزايد من الأعضاء؟
فالاختبار الحقيقي للتحالف لن يأتي بالضرورة أثناء ذروة الأزمة، عندما يكون الجميع بحاجة إلى التعاون، وإنما بعد انحسارها، عندما تبدأ الدول في حساب تكلفة القيود التي فرضتها الحرب، وتبحث كل واحدة منها عن أفضل طريقة لاستعادة ما فقدته.
وعند تلك النقطة، قد يصبح مستقبل أوبك+ مرتبطاً ليس فقط بحجم النفط الذي تستطيع الدول إنتاجه، وإنما بقدرتها على إقناع أعضائها بأن الالتزام بالقواعد الجماعية لا يزال أكثر فائدة من السعي منفردين إلى تعظيم العائد الوطني.
المصدر الأصلي: lebanoneconomy.net





