العرب والعالم

هل تستطيع إسرائيل الانضمام إلى مسارات النفط الجديدة في سورية؟

هل تستطيع إسرائيل الانضمام إلى مسارات النفط الجديدة في سورية؟

 


المصدر: مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية
بقلم : إيلي راتيغ


👈يوجد تعاون محدود في مجال الطاقة بين إسرائيل وجيرانها في الشمال؛ فمنذ بداية سنة 2026، يتدفق الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى سورية بصورة غير مباشرة، عبر الأردن، وربما يصبح من الممكن قريباً إجراء تجارة محدودة في الكهرباء بين إسرائيل وسورية ولبنان، من خلال توصيلات كهربائية مرتبطة بتوربينات الرياح في هضبة الجولان؛ أمّا العنصر الثالث الذي لا يزال مفقوداً في منظومة علاقات الطاقة المحدودة، لكن الناشئة، بين إسرائيل ولبنان وسورية، فهو النفط، غير أن هذا الوضع ربما يتغير قريباً أيضاً


العراق وسورية

• في سنة 2026، بدأ العراق وسورية بالدفع قدماً بخططٍ لإعادة تشغيل خط أنابيب نفط واسع النطاق يربط العراق بساحل البحر المتوسط السوري، بمساعدة وتمويل أميركيَّين. وكان خط كركوك – بانياس التاريخي ينقل في الماضي نحو 300 ألف برميل يومياً، قبل أن يتعرض لأضرار جسيمة ويخرج من الخدمة؛ أمّا المشروع الحالي، فهو أكثر طموحاً، إذ يتضمن خط أنابيب قادراً على نقل ما بين 1.5 و2 مليون برميل يومياً تقريباً في اتجاه بانياس. وأبدى لبنان أيضاً اهتماماً بالانضمام إلى الشبكة الآخذة في التطور، عبر فرع يصل إلى طرابلس والبنية التحتية النفطية القائمة هناك. وإذا تحققت هذه المشاريع بشكل فعلي، فربما تعود سورية لتصبح دولة عبور مهمة للنفط بين منطقة الخليج وشرق البحر المتوسط.

 

 من المنظور الإسرائيلي،

• من المنظور الإسرائيلي، إن الميل إلى تقديم ممرات النفط المخطط لها عبر سورية، بصفتها منافِسة محتملة لطموحات إسرائيل إلى تطوير روابط إقليمية خاصة بها، هو طرح مضلِّل، لأن الأمر يعتمد على نوع البنية التحتية المقصودة؛ فممرات سكك الحديد والطرق المخصصة لنقل البضائع تميل فعلاً إلى التنافس فيما بينها؛ فعلى سبيل المثال، يمكن لحاوية تغادر السعودية متجهة إلى أوروبا أن تتحرك شمالاً، عبر الأردن وسورية، في اتجاه تركيا، أو غرباً، عبر الأردن، في اتجاه إسرائيل وميناء حيفا، وكلا المسارين يسعى لنقل الشحنة ذاتها بين الأسواق ذاتها؛ لذلك تقوم العوامل السياسية بدور مهم  في تحديد المسار المفضل.

•    ويتعين على الشاحنات والقطارات عبور الحدود، والخضوع لإجراءات الجمارك، والامتثال للمتطلبات التنظيمية لكلّ طرف، والحصول على تأمين، أو وثائق تأمين تغطي الرحلة بأكملها، والالتزام تجاه اتفاقيات تجارية ثنائية، أو متغيرة متعددة الأطراف، وأيّ تأخير كبير على الحدود، أو في جزء واحد من الرحلة، يمكن أن يضرّ بالجدوى الاقتصادية للممر بأكمله. وتقدم إجراءات نقل البضائع على الحدود الإسرائيلية–الأردنية، المعروفة ببطئها وتعقيدها الشديدين، مثالاً واضحاً لذلك. ولهذا السبب، ربما يشكل خط سكة حديد ناشط بين السعودية وتركيا، عبر الأردن وسورية، بديلاً حقيقياً من الجزء الإسرائيلي من الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) ؛ ولإسرائيل مصلحة واضحة في التنافس على هذه التجارة وضمان ألّا يتجاوزها نظام النقل الإقليمي بالكامل.

• أمّا نقل الطاقة، فيعمل وفق منطق مختلف عن ممرات التجارة الأُخرى؛ فخطوط أنابيب النفط والغاز تتطلب أيضاً ترتيبات عبور معقدة وضمانات أمنية، لكن بمجرد تشغيل خط الأنابيب، لا تتوقف السلعة عند كل حدود لإجراء فحص جمركي، إذ تُقاس التدفقات بواسطة العدادات، بدلاً من فحصها مادياً، ويمكن للبنية التحتية العمل بصورة متواصلة حتى عندما تظل التجارة العادية بين الدول محدودة للغاية. وبخلاف السلع الأُخرى التي تتطلب آلاف المعاملات المنفصلة، يمكن لتجارة الطاقة أن تقوم على عدد صغير من الشركات وخطوط الأنابيب والعقود ونقاط القياس. ولهذا السبب، يمكن أن تستمر تجارة الطاقة أحياناً، حتى في الأماكن التي تكاد تكون أشكال التجارة الأُخرى غائبة عنها.

 

إسرائيل تصدّر كميات كبيرة من الغاز الطبيعي إلى الأردن ومصر

• ومن الأمثلة الراهنة لذلك أن إسرائيل تصدّر كميات كبيرة من الغاز الطبيعي إلى الأردن ومصر، بل إن هذه الكميات ازدادت خلال سنوات الحرب في غزة، في حين بقيت تجارة السلع الأُخرى بين الدول الثلاث محدودة للغاية.
• وهناك أيضاً سابقة تاريخية في منطقتنا لهذا النوع من التعاون في مجال الطاقة، أظهرت فيها إسرائيل قدرتها على أن تكون دولة عبور براغماتية؛ فبعد أن احتلت إسرائيل هضبة الجولان في سنة 1967، أصبح تحت سيطرتها نحو 50 كيلومتراً من خط الأنابيب العربي للنفط (التابلاين)، الذي كان ينقل النفط السعودي إلى الموانئ اللبنانية، وعلى الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية بين الأطراف، فإن النفط استمر في التدفق عبر الخط، ولم تقطع إسرائيل تدفّق النفط، ولم تطالب بأن تصبح وجهةً للنفط السعودي، كذلك لم تتخلَّ سورية عن مطالبها الإقليمية. وكانت للأطراف مصلحة مشتركة في السماح للبنية التحتية القائمة للطاقة في مواصلة العمل على الرغم من العلاقات السياسية المتوترة بينها، وهناك أمثلة عديدة أُخرى لذلك في أنحاء العالم.
ا • هذا التمييز بين تجارة الطاقة وأشكال التجارة الأُخرى يجعل خطط إنشاء خطوط أنابيب النفط في سورية والأردن أقرب إلى أن تكون مكمّلة لبعضها، وليست متنافسة، بحسب ما يبدو للوهلة الأولى. فليس من الضروري أن يختار العراق بين تصدير نفطه عبر تركيا، أو عبر سورية، أو حتى عبر مسار مستقبلي، إلى ميناء العقبة في الأردن. إن تعدُّد مسارات التصدير سيخدم العراق من خلال زيادة قدرته على الصمود أمام الاضطرابات وتعزيز قوته التفاوضية فيما يتعلق برسوم العبور.

 

خط أنابيب نفط سعودي

•    وينطبق المنطق نفسه على السعودية؛ فخط أنابيب نفط سعودي مباشر إلى البحر المتوسط لن يحلّ محلّ خط أنابيب الشرق – الغرب، والذي ينقل النفط إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، بل سيهدف فقط إلى توفير خيار إضافي للسعوديين في أوقات الأزمات، وتقليل الاعتماد على مسارات بحرية، أو برية محددة، مثلما يحدث عندما يعطل الحوثيون حركة العبور السعودية في باب المندب.
• وبالمثل، لا ينبغي لإسرائيل أن ترى في خطوط النفط الجديدة، عبر سورية، منافساً لمبادرة IMEC، لأن التصور الأصلي للمبادرة لم يتضمن خطوط أنابيب للنفط؛ لقد شملت البنية التحتية للطاقة المقترحة ربط شبكات الكهرباء، وفي المدى البعيد، خط أنابيب للهيدروجين الأخضر. ومن المرجح أن يعمل خط أنابيب نفط عراقي إلى بانياس، أو طرابلس، أو أيّ خط نفط مستقبلي آخر من الخليج، عبر سورية، في موازاة مبادراتIMEC ، بدلاً من منافستها بصورة مباشرة.
• وبدلاً من محاولة منافسة سورية في مجال خطوط أنابيب النفط، يجب على إسرائيل التركيز على إمكان الاتصال مستقبلاً بهذه الخطوط، وليس من الضروري أن تصرّ على مرور خطوط الأنابيب الآتية من العراق، أو الخليج، عبر أراضيها، لكنها ربما تتمكن مستقبلاً من الوصول إليها من خلال اتصال مادي، أو مسار بحري، أو صفقات تجارية للمقايضة.
• إن أحد الخيارات هو الربط المادي، عبر الأردن. فمنذ أعوام، يُجري العراق والأردن مناقشات بشأن إنشاء خط أنابيب نفط في اتجاه ميناء العقبة بطاقةٍ تبلغ نحو مليون برميل يومياً، والعقبة قريبة جداً من محطة النفط الإسرائيلية في إيلات، المرتبطة عبر خطوط أنابيب شركة أيباك إلى عسقلان. ولا يبدو في الوقت الراهن كأن إنشاء ربط مباشر بين خط الأنابيب العراقي – الأردني والبنية التحتية الإسرائيلية أمر واقعي من الناحية السياسية، ولا سيما في ضوء موقف العراق من إسرائيل، ومع ذلك، ينبغي للقرب الجغرافي، في أقلّ تقدير، أن يدفع صانعي السياسات الإسرائيليين إلى التفكير في إمكان إقامة مثل هذا الربط مستقبلاً، وعلى سبيل المثال، في إطار اتفاقيات تطبيع أوسع.
• الخيار الثاني هو أن تحصل إسرائيل على إمكان الوصول إلى محطات تصدير النفط في لبنان وسورية، بما يسمح بالتجارة البحرية المباشرة وشحن النفط إلى المحطات الإسرائيلية. ومن شأن ذلك أن يوفر لإسرائيل مساراً نفطياً إضافياً من الشرق، لا يعتمد على تركيا، كدولة العبور الرئيسية، كما هي الحال في إمدادات النفط من أذربيجان وكازاخستان إلى إسرائيل حالياً، وكما كانت عليه الحال في الماضي مع إمدادات النفط من إقليم كردستان العراق (KRG).

 

صفقات المقايضة التجارية(Swap Deals)

• ومن الوسائل التي يمكن أن تسهّل هذا النوع من التجارة استخدام صفقات المقايضة التجارية(Swap Deals) ، بدلاً من إنشاء ربط مادي مباشر. فعلى سبيل المثال، من غير المستبعد تصوُّر ترتيب متبادَل تؤدي، بحسبه، زيادة كميات الغاز الإسرائيلي، التي تصل إلى سورية، إلى منح إسرائيل إمكان استيراد النفط، بحراً، من محطات في سورية ولبنان. وبهذه الطريقة، إذا نجح العراق وسورية ولبنان فعلاً في إنشاء شبكة نفط متوسطية واسعة النطاق، فربما تستفيد إسرائيل منها إذا أبقت الباب مفتوحاً أمام إمكان عقد صفقات مقايضة مستقبلية، أو ترتيبات لاستخدام المحطات، أو إنشاء وصلات فرعية.
• ويتوافق هذا النهج أيضاً مع المصالح الأوسع لإسرائيل في الحفاظ على أمنها الطاقوي؛ لقد أظهرت الاضطرابات المتكررة في إنتاج الغاز الإسرائيلي منذ بداية الحرب في غزة والجولات العسكرية مع إيران، إلى جانب التهديدات التركية الدورية بعرقلة مرور النفط عبر أراضيها إلى إسرائيل، مخاطر الاعتماد المفرط على عدد محدود من مسارات إمدادات الطاقة.
• وتعمل الدول المجاورة لإسرائيل على مواجهة ذلك من خلال تنويع خيارات الإمداد، وينبغي لإسرائيل أن تفعل الشيء نفسه؛ فمعظم واردات النفط إلى إسرائيل يعتمد على المرور عبر تركيا حالياً، سواء عبر محطة جيهان، أم عبر المضائق التركية في البحر الأسود، وتصل جميعها عبر البحر. ومن شأن شبكة أكثر تنوعاً لاستيراد النفط، تتضمن عنصراً برياً، أن توفر لإسرائيل قدراً إضافياً من الاحتياط والمرونة، وأن تخفض تكاليف الاستيراد.

] ا • وطبعاً، هذا التصور له قيود كثيرة؛ فالعراق لا يرغب حالياً في الدفع علناً بمشاريع بنية تحتية نفطية يمكن أن تتيح وصول النفط إلى إسرائيل، على الرغم من أن النفط الكردي من العراق وصل في الماضي إلى إسرائيل بكميات كبيرة؛ علاوةً على ذلك، لا يزال احتمال إنشاء خط أنابيب نفط من العراق إلى الأردن بعيداً بسبب القيود المالية والعقبات البيروقراطية.
• وعلى الرغم من أن خط الأنابيب العراقي–السوري أكثر تقدماً بكثير ويحظى بدعم دولي، بما في ذلك دعم الولايات المتحدة، فإنه لا يزال بحاجة إلى التغلب على عقبات، مثل الحصول على ضمانات للحماية المادية على امتداد مئات الكيلومترات، وإنشاء آليات دفع موثوق بها، وضمان التزام الحكومات المعنية تجاه الاتفاقيات لعقود طويلة، حتى في حال تغيُّر النظام في إحدى الدول.
• ولا تستوفي سورية بعد جميع هذه الشروط؛ كذلك يواجه العراق نفسه قيوداً سياسية وأمنية عديدة، في حين لا يزال لبنان غير مستقر، وفق أيّ معيار. وسيتطلب خط أنابيب بهذا الحجم التزامات تجارية كبيرة وتمويلاً وضمانات أمنية طويلة الأمد قبل أن يصبح إنشاؤه مبرّراً اقتصادياً؛ لذلك، فإن إضافة إمكان الربط الإسرائيلي بالخط في مرحلة مبكرة، من المرجح أن تؤدي إلى زيادة صعوبة العملية، بدلاً من تسهيلها.
• لذلك، يتعين على إسرائيل أن تتابع خطوط أنابيب النفط المخطط لها حالياً في سورية، وأن تتجنب تبنّي سياسات، أو إطلاق تصريحات تقدمها كمنافِسة، أو كتهديد، من دون ضرورة لذلك. وعلى إسرائيل أيضاً أن تواصل المنافسة بحزم على خطوط سكك الحديد والموانئ ومسارات نقل البضائع، لأن هذه الممرات يمكن أن تتجاوزها فعلاً؛ أمّا فيما يتعلق بخطوط أنابيب الطاقة، فعليها أن تتبنى نهجاً مختلفاً، ويجب أن يكون الهدف الاستراتيجي هو إنشاء أكبر عدد ممكن من مسارات الطاقة الموثوق بها، وضمان قدرة إسرائيل على الاتصال بها مستقبلاً.
• ويجب النظر إلى خطوط الأنابيب الجديدة التي يجري البحث فيها حالياً، عبر سورية، باعتبارها فرصة لإسرائيل؛ فالهدف ليس بالضرورة أن تمرّ خطوط النفط عبر الأراضي الإسرائيلية، إنما ضمان ألّا تتجاوز شبكة الطاقة الإقليمية التي ستتشكل إسرائيل بالكامل، وبصورة دائمة.


Https://t.me/wakalanewsOfficial

 

Https://www.facebook.com/wakalanewsPage

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى