صحافة

“إسرائيل” تخسر نخبتها: حين تتحول الحرب من استنزاف الموارد إلى استنزاف المجتمع

إسرائيل

ليس كل ما تخسره “إسرائيل” في حروبها المتعددة الجبهات يُحصى بالذخائر المستهلكة أو الدبابات المدمرة أو حتى الأرواح التي تسقط في ميادين القتال. ثمة خسارة أكثر صمتاً، وأقل ظهوراً في النشرات العسكرية اليومية، لكنها ربما تكون الأكثر تأثيراً على مدى العقود المقبلة: إنها خسارة النخبة التي بنت عليها “إسرائيل” صورتها كـ”دولة الشركات الناشئة”، وأسست عليها تفوقها التكنولوجي والعسكري، واعتمدت عليها في تمويل حروبها وإدارة مؤسساتها.

إنها خسارة لا تعلن عنها كتائب القسام أو سرايا القدس أو حزب الله في لبنان أو الحرس الثوري في إيران، لكنها قد تكون أكثر إيلاماً من أي ضربة عسكرية موجعة: خسارة العقول والأيدي التي تحرك عجلات الاقتصاد والمجتمع والدولة.

النزيف الصامت

في آب/أغسطس 2026، تكشف الأرقام التي نشرتها صحيفة “هآرتس” ودراسات جامعة تل أبيب التي استندت إلى بيانات المكتب المركزي للإحصاء، كشفت أن 268,509 “إسرائيليين” غادروا البلاد لمدة ثلاثة أشهر متتالية على الأقل خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025. هذا الرقم يمثل زيادة 47% مقارنة بالفترة ذاتها قبل عقد من الزمن. وفي عام 2025 وحده، غادر 90,922 “إسرائيلياً”، مع تقديرات بأن ما بين 45 ألفاً و50 ألفاً منهم تحولوا إلى مهاجرين على المدى الطويل.

عن مشهد مقلق

لكن الأرقام الإجمالية لا تروي القصة الأكثر إثارة للقلق. فالمغادرون اليوم ليسوا من الفئات المهمشة أو الباحثين عن فرص اقتصادية أفضل بالمعنى التقليدي. إنهم النخبة من: أطباء ومهندسون وأكاديميون وعاملون في قطاع التكنولوجيا الفائقة، وأصحاب الدخول المرتفعة الذين يمولون خزينة الدولة.

ففي عامي 2023 و2024 وحدهما، هاجر نحو 950 طبيباً من “إسرائيل”، وبعد احتساب العائدين، بلغ صافي الخسارة أكثر من 500 طبيب. وفي الفترة ذاتها، سجلت “إسرائيل” خسارة صافية بلغت 2,360 مهندساً. أما في قطاع التكنولوجيا الفائقة، فارتفع عدد المغادرين بنحو 150% مقارنة بالفترة 2015-2019.

لماذا يغادر النخبة؟ الحرب كذريعة، والأزمة كسبب

قد يبدو التفسير الأكثر إلحاحاً هو الإرهاق من الحرب. فبعد أكثر من ألف يوم من القتال المتواصل على جبهات متعددة، من غزة إلى لبنان إلى إيران واليمن، بات “الإسرائيليون” – خصوصاً أولئك الذين يستطيعون تحمل تكاليف المغادرة – يصوتون بأقدامهم. لكن هذا التفسير، مع أنه يحمل قدراً من الحقيقة، لا يروي سوى جزء من القصة.

الحرب ليست سوى المحفز الأخير لأزمة تراكمت على مدى سنوات. فبحسب تحليل نشرته مجلة “ناشيونال إنترست”، تعود جذور الهجرة الحالية إلى ثلاثة عوامل مترابطة:

أولاً: غياب المساءلة: فكثير من “الإسرائيليين” يشعرون بإحباط عميق إزاء رفض الائتلاف الحاكم تحمل المسؤولية عن الإخفاقات المؤسساتية التي أدت إلى هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وبينما أدت لجنة أغرانات إلى سقوط حكومة غولدا مائير بعد حرب 1973، يرفض نتنياهو اليوم تشكيل لجنة تحقيق مستقلة مماثلة، ويدفع بدلاً من ذلك نحو آلية بديلة يُعيّن أعضاؤها سياسياً.

ثانياً: التفاوت في تحمل أعباء الخدمة العسكرية: فالمجتمع الحريدي، الذي لم يتجاوز عدده المئات عند تأسيس “إسرائيل”، بات يمثل اليوم أكثر من 14% من السكان، ومع ذلك لا يزال معفىً إلى حد كبير من الخدمة العسكرية. وهذا التفاوت يثير استياء قطاعات واسعة من المجتمع تتحمل عبء الخدمة الطويلة والمتكررة.

ثالثاً: الحاجة إلى مقاربة جديدة للحرب: فالنموذج “الإسرائيلي” التقليدي القائم على حروب قصيرة وحاسمة لم يعد صالحاً في مواجهة حرب غير نظامية طويلة الأمد في غزة، وحملة استنزاف ضد إيران وحزب الله. وهذا التحول يضع ضغوطاً هائلة على قوات الاحتياط والجيش النظامي على حد سواء.

النخبة تغادر… ومَن يبقى؟

لكن الأكثر إثارة للقلق هو نوعية المغادرين؛ فبيانات مصلحة الضرائب الإسرائيلية ترسم صورة ديموغرافية ومالية مقلقة: ففي عام 2019، كان متوسط دخل المهاجرين قبل مغادرتهم نحو 125 ألف شيكل، لكن بحلول عام 2024، ارتفع هذا المتوسط إلى نحو 200 ألف شيكل، أي أعلى بنسبة 50% من المتوسط الوطني.

والأكثر إثارة للقلق أن أعلى عُشر من حيث الدخل في “إسرائيل” شهد زيادة في نسبة المغادرة من 0.3% خلال الفترة 2015-2019 إلى أكثر من 0.5% خلال عامي 2023 و2024، أي بزيادة تقارب 80%. وشكّل أفراد هذه الشريحة 67% من إجمالي دخل المهاجرين مجتمعاً، و86% من ضريبة الدخل التي دفعوها. بعبارة أخرى: النخبة التي تمول الدولة وتدير مؤسساتها هي نفسها التي تغادرها.

الكلفة المالية: خسارة لا تعوض

يُسهم قطاع التكنولوجيا الفائقة في “إسرائيل” بنحو خُمس الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من نصف الصادرات، ونحو ثلث ضريبة الدخل على الأجور. وهذا القطاع ذاته هو الأكثر تضرراً من الهجرة. ومع مغادرة المهندسين والمبرمجين والخبراء، لا تفقد إسرائيل عوائدهم الضريبية فحسب، بل تفقد قدرتها على الابتكار والمنافسة في الاقتصاد العالمي.

تتحمل خزينة “إسرائيل” ثمناً باهظاً لهذا النزيف؛ فوفقاً لوثيقة داخلية لمصلحة الضرائب، فإن مغادرة الأثرياء تكلف الدولة نحو 1.2 مليار شيكل (حوالي 400 مليون دولار) سنوياً من الإيرادات الضائعة. ويُقدّر متوسط الزيادة السنوية في الخسارة الضريبية بنحو 700 مليون شيكل. وإذا استمر هذا المعدل، فستخسر “إسرائيل” 3.5 مليارات شيكل سنوياً خلال خمس سنوات.

لكن الخسارة المالية المباشرة ليست سوى غيض من فيض. فـقطاع التكنولوجيا الفائقة، الذي يسهم بنحو خُمس الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من نصف الصادرات، ونحو ثلث ضريبة الدخل على الأجور، هو الأكثر تضرراً. وهذا القطاع ليس مجرد محرك اقتصادي، إنه أيضاً مصدر الخبرات في مجالي الاستخبارات السيبرانية والتكنولوجيا العسكرية، وهما مجالان يشكلان جزءاً محورياً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

“نزيف ديمقراطي” أم مجرد هجرة؟

لكن الخطر الأعمق قد لا يكون اقتصادياً فحسب. ففي تحليل نشرته “فايننشال تايمز”، ذهب البروفيسور جاستن غيست إلى أن ما تعانيه “إسرائيل” ليس فقط “نزيف عقول” (هجرة الأدمغة)، بل “نزيف ديمقراطي” (استنزاف الديمقراطية). فالمغادرون ليسوا ممثلين للسكان ككل؛ إنهم علمانيون، ليبراليون، ومتمسكون بالمعايير والمؤسسات الديمقراطية بصورة غير متناسبة.

ويشير غيست إلى أن استطلاعاً للرأي وجد اهتماماً أكبر بكثير بالمغادرة بين اليهود العلمانيين مقارنة بالمتديّنين أو الحريديم. والأغلبية الساحقة من هؤلاء المهاجرين تستقر في ديمقراطيات ليبرالية: نحو الثلث في الولايات المتحدة، و18% في ألمانيا، و9% في كندا، و8% في بريطانيا.

وهذا الأمر بالغ الأهمية، لأن الديمقراطيات لا تُصان بالدساتير والمحاكم والانتخابات وحدها، بل بالجماعات الاجتماعية المستعدة للدفاع عنها. فعندما تخسر دولة أعداداً غير متناسبة من مواطنيها العلمانيين المتعلمين ذوي التوجهات الليبرالية، فإنها تخسر القاعدة المدنية والانتخابية التي يعتمد عليها الصمود الديمقراطي.

وفي “إسرائيل”، حيث كانت الطبيعة الديمقراطية الليبرالية تعتمد دوماً على توازن معقد بين الطوائف العلمانية والدينية، فإن فقدان مواطنين من أحد جانبي هذا الميزان قد يؤدي إلى إمالة النظام، وربما بشكل لا رجعة فيه.

“نقطة اللاعودة”؟

يحذّر الاقتصادي إيتاي عاطر، أحد مؤلفي دراسة جامعة تل أبيب، من أن استمرار هذا الاتجاه قد يتحول إلى تحدٍ استراتيجي، من خلال إضعاف الصناعات الرئيسية التي تدعم كلاً من الاقتصاد “الإسرائيلي” والأمن القومي.

وتحاول الدولة، في خطوة تعكس حجم القلق، شراء الوقت من خلال حوافز ضريبية. ففي آذار/مارس 2026، وافقت لجنة المالية في الكنيست على إعفاء متدرج من ضريبة الدخل لمدة خمس سنوات للمهاجرين المؤهلين والعائدين، يصل سقفه إلى مليون شيكل. لكن السؤال هو: هل يمكن للحوافز المالية أن تعوّض آثار الحرب الممتدة، وتكرار استدعاء جنود الاحتياط، وعدم الاستقرار السياسي، والاستقطاب المؤسسي، ومستقبل يتجه بصورة متزايدة نحو العسكرة؟

الحرب التي تأكل بنيتها من الداخل

يمكن إصلاح الأضرار المادية الناجمة عن الحرب بالمال. ويمكن إعادة بناء المباني وتعويض الأسلحة المستهلكة. لكن عندما تخسر “دولة” الأشخاص الذين ينتجون تقنياتها، ويديرون مستشفياتها، ويعملون في جامعاتها، ويمولون جيشها، تصبح الأضرار تراكمية وهيكلية.

ما يحدث في “إسرائيل” اليوم ليس فقط موجة هجرة هامشية؛ إنه تحول هيكلي يعيد تشكيل التركيبة السكانية والاجتماعية والاقتصادية للكيان الصهيوني. ومع اقتراب انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2026، سيكون السؤال الأكثر إلحاحاً ليس “كم عدد الإسرائيليين الذين يغادرون؟”، بل “هل يمكن معالجة الظروف التي تدفعهم إلى المغادرة؟”.

لأن خسارة النخبة ليست فقط أزمة هجرة، إنها أزمة ثقة في مستقبل الكيان نفسه. وعندما يقرر من بنوا الدولة أن مستقبلهم يقع في مكان آخر، فإن الرسالة التي يرسلونها قد تكون أكثر إيلاماً من أي رصاصة أو صاروخ.

فالحرب، في نهاية المطاف، لا تقتل الأجساد فقط؛ إنها، حين تطول، تأكل نسيج المجتمع من الداخل. وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يواجه “إسرائيل” اليوم: ليست خسارة المعارك في الميدان، بل خسارة المعركة على بقاء النخبة التي هي عصب “الدولة” ومستقبلها.


wakalanews.com — متابعة الخبر
الكاتب:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى