ثقافة

من نحنُ؟ كيف نستطيع رؤية أنفسنا؟ – أخبار السعودية

نحن كيف


في علم النفس والاجتماع وأطروحات المفكرين تأكيدات على إمكانية الإنسان التعرّف على غيره، بدءاً من الأُم التي حملت جنيناً، وأرضعت مولوداً، وحفظت صغيرها، فتعلّق بها (رائحةً وعاطفةً وملامح ووجداناً) ثم تدرّج في معرفة ما حوله ومن حوله الأب والأسرة، وهو قادم إلى الحياة بهذه المهارة التي يتدرّج بها في معرفة الآخرين.ربما لم ترد في الثقافة الكلاسيكية أطروحات عن محاولة الإنسان التعرّف على نفسها، وهي برزت بشكل واضح في العصر الرقمي؛ ولعل أصعب ما في هذا الاكتشاف أن الإنسان هو آخر من يرى نفسه رؤية كاملة. فنحن نقضي أعمارنا نحاول فهم العالم، بينما تظل ذواتنا أكثر الأشياء استعصاءً على الفهم، وكأنها المرآة الوحيدة التي لا نستطيع الوقوف أمامها من جميع الزوايا.كم نسخة منا تعيش في هذا العالم؟ليست النسخ التي كان يمكن أن نصبحها لو سلكنا طريقاً آخر، بل النسخ التي يحملها الآخرون في أذهانهم عنا. ففي ذاكرة كل من عرفنا يعيش شخص يختلف قليلاً عن الشخص الذي نظنه نحن. وهنا يبرز سؤال لا يقلقنا كثيراً إلا حين نتأمله بصدق: أي هذه الصور أقرب إلى الحقيقة؟نقضي أعمارنا معتقدين أننا أكثر الناس معرفة بأنفسنا. نعرف ما نحب، وما نخاف، وما ننوي فعله، وما نؤمن به. لكن يكفي موقف واحد غير متوقع، أو كلمة صادقة من شخص قريب، حتى نشعر أن هناك جانباً في داخلنا لم نكن نعرفه، أو ربما لم نكن نريد أن نعرفه.ولو طلبت من عشرة أشخاص أن يصفوا الإنسان نفسه، فمن النادر أن تتشابه أوصافهم. ليس لأن الشخص يتغيّر من واحد إلى آخر، بل لأن كل إنسان يراه من خلال تجربته الخاصة. فنحن لا نرى الآخرين كما هم دائماً، بل كما تسمح لنا ذاكرتنا، ومشاعرنا، وتوقعاتنا، وحتى جراحنا القديمة أن نراهم.لكن المفارقة الأعمق أن الأمر لا يقتصر على الآخرين؛ فنحن أيضاً لا نرى أنفسنا كما نحن. إننا نرى صورة اعتدنا أن نحكيها لأنفسنا، صورة تمتزج فيها الحقيقة بما نرجو أن نكونه، وبما نخشى الاعتراف به.ولعل هذا ما يجعل معرفة النفس شاقة إلى هذا الحد. فالإنسان لا يخاف الحقيقة دائماً، بل يخاف أن تهدم الحقيقة الصورة التي عاش مطمئناً إليها سنوات طويلة. قد تظن أمٌّ أنها تؤدي رسالتها على أكمل وجه، ثم يكشف موقف واحد أنها، مثل جميع البشر، تخطئ وتغفل. لا لأن حبها أقل، بل لأن الكمال صورة نتخيلها أكثر مما نعيشها.وقد يظن صديق أنه أوفى الأصدقاء وأصدقهم، حتى تأتيه لحظة يكتشف فيها أنه صمت حين كان ينبغي أن يتكلم، أو ابتعد حين كان يُنتظر منه أن يقترب، لا لأن صدقه كان زائفاً، بل لأن الإنسان يقيس نفسه بنيته، بينما يقيسه الآخرون بأثره.وهنا تكمن المفارقة التي نادراً ما ننتبه إليها: قد يكون الشخص الذي يخالفنا الرأي، أو حتى الذي لا يحبنا، قد رأى فينا جانباً عجزنا نحن عن رؤيته. ليس لأنه يعرفنا أكثر، وإنما لأنه يقف في زاوية مختلفة. وهذا لا يجعل حكمه حقيقة كاملة، لكنه يجعل تجاهله خطأً أيضاً، فالحقيقة لا تسكن عيناً واحدة، بل تتوزع بين العيون جميعها.وربما لهذا تؤلمنا بعض الملاحظات التي نسمعها عن أنفسنا. ليس لأنها تكشف ما يجهله الآخرون عنا، بل لأنها تكشف أحياناً ما كنا نتجنب رؤيته في أنفسنا. فبعض الكلمات لا تؤلم لأنها كاذبة، بل لأنها تقترب أكثر مما نحب من الحقيقة.ولا توجد مرآة واحدة تعكس الإنسان كاملاً. الآخرون يرون جانباً، ونحن نرى جانباً، والزمن يكشف جوانب أخرى لم يكن يراها أحد. وما نسميه «حقيقتنا» ليس إلا محاولة مستمرة لجمع هذه الشظايا في صورة واحدة، وربما لن تكتمل أبداً.ومع ذلك، قد يتساءل المرء: هل نريد حقاً أن نرى أنفسنا كاملة؟ فبعض الأوهام الصغيرة التي نحملها عن ذواتنا تمنحنا الشجاعة لنواصل الطريق، وقد لا نحتمل لو انكشفت لنا حقيقتنا كلها دفعة واحدة. ربما لهذا تأتي معرفة النفس بالتدريج؛ رحمةً بنا قبل أن تكون اختباراً لنا.لذلك، لعل الحكمة ليست أن نصل يوماً إلى معرفة كاملة بأنفسنا، فذلك وهم يصعب بلوغه. الحكمة أن نبقى مستعدين لمراجعة الصورة التي رسمناها عن ذواتنا، وأن نمتلك الشجاعة لتغييرها كلما كشفت لنا الحياة وجهاً جديداً لم نكن نراه.وربما لهذا السبب لا نستطيع أن نرى أنفسنا كما يرانا الآخرون؛ لأن الإنسان ليس صورة واحدة أصلاً. إنه كائن يتغيّر مع كل تجربة، ويظهر لكل عين بوجه مختلف. وما نظنه حقيقتنا اليوم قد يكون غداً مجرد انعكاس آخر تجاوزناه.ولعل أجمل ما في الرحلة ليس أن نعثر على الإجابة النهائية عن سؤال: من نحن؟ بل أن نبقى قادرين، كلما اكتشفنا جانباً جديداً من أنفسنا، على أن نحب الحقيقة أكثر من الصورة التي ألفناها.

المصدر الأصلي: www.okaz.com.sa

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى