
رغم أن العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران كان العامل الرئيسي وراء الهزيمة المدوية التي مُني بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية، فإن هذه النتيجة لن تدفع ترامب بالضرورة، نحو مراجعة خياراته العدوانية العسكرية أو البحث عن مخرج سياسي سريع من المواجهة. بل إن المفارقة تكمن في أن الهزيمة الانتخابية، وما رافقها من تداعيات سياسية وشخصية على ترامب، قد تدفعه إلى الاتجاه المعاكس، أي نحو تصعيد العدوان خلال الأيام والأسابيع المقبلة، لمحاولة صرف الانتباه عن إخفاقه السياسي. مع العلم بأن الجمهورية الإسلامية في إيران، تضع في حساباتها هذا الأمر، وأعدت لكل الاحتمالات ما يناسبها من ردود ومفاجئات.
وبالعودة الى ترامب، فإن الحسابات التي حكمت سلوكه قبل الانتخابات لن تبقى هي نفسها بعدها. إذ كان الرئيس الأميركي يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة للتوصل إلى اتفاق مع طهران، أو على الأقل احتواء المواجهة، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الوقود، وتراجع شعبيته، وتنامي الانتقادات للحرب وتكاليفها الاقتصادية والعسكرية، وخاصةً من الفئات التي أوصلته الى الرئاسة. وكان من شأن أي انفراجة دبلوماسية أن تمنحه فرصة لتخفيف الخسائر الانتخابية، أو الحد من اتساعها. لكن مع انتهاء الانتخابات وتحول الهزيمة إلى واقع سياسي، ستتراجع أهمية هذه الحسابات بالنسبة إليه، بعدما دفع بالفعل ثمناً انتخابياً باهظاً نتيجة الحرب، ولم يعد أمامه استحقاق انتخابي قريب يفرض عليه تقديم تنازلات لتجنب مزيد من الخسائر.
وفي المقابل، ستتزايد الضغوط التي تدفع نحو استئناف العمليات العسكرية. فالأطراف المؤيدة للحرب في واشنطن وتل أبيب قد ترى في المرحلة الممتدة حتى نهاية العام فرصة أخيرة لاستغلال هامش المناورة الذي لا يزال متاحاً أمام ترامب، قبل أن تتغير موازين القوى داخل المؤسسات الأميركية بصورة تحدّ من قدرته على اتخاذ قرارات عسكرية واسعة. فمع بدء الدورة الجديدة للكونغرس في كانون الثاني/يناير المقبل، سيستعيد الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الكونغرس، بما يتيح لهم استخدام صلاحياتهم التشريعية والرقابية والمالية لممارسة ضغوط أكبر على ترامب وإدارته، وفتح ملفات وزراء ومسؤولين في حكومته، فضلاً عن أرجحية كبيرة لتقييد الإنفاق العسكري المرتبط بالعدوان.
ولا تقتصر هذه القيود المحتملة على كانون الثاني/يناير، إذ يشكل انتهاء التمويل الحكومي الحالي في 11 كانون الأول/ديسمبر محطة مهمة في هذا السياق. فمن الممكن أن يحاول الديمقراطيون استغلال مفاوضات التمويل لفرض قيود على تخصيص الأموال اللازمة لمواصلة العمليات العسكرية ضد إيران. وهو ما يجعل الأسابيع المقبلة، من وجهة نظر أنصار الحرب، نافذة زمنية محدودة ينبغي استغلالها قبل أن يصبح استمرار العدوان أكثر صعوبة من الناحية السياسية والمؤسساتية. ومن هنا، يُتوقع أن تتكثف الضغوط الإسرائيلية والداخلية على ترامب لدفعه إلى اتخاذ خطوات عسكرية إضافية، قبل أن تتقلص قدرته على التحرك بفعل التحولات في الكونغرس.
لكن العامل الأكثر خطورة قد لا يكون مرتبطاً بحسابات المؤسسات الأميركية وحدها، بل بالحالة النفسية والسياسية التي بات ترامب يعيشها بعد الهزيمة. فترامب الذي دخل الحرب في شباط/فبراير الماضي، مدفوعاً بالعنجهية والاستكبار والغرور السياسي وبحسابات إسرائيلية ثبت إخفاقها في تقدير قدرة الجمهورية الإسلامية على المواجهة، يجد نفسه اليوم أمام نتيجة استراتيجية وسياسية لم تكن في حسبانه. فبدلاً من أن تؤدي الحرب إلى إخضاع طهران وفرض الشروط الأميركية عليها، تحولت إلى إخفاق كبير وعبء ثقيل على إدارته، وأحد أبرز أسباب تراجع حزبه وخسارته الانتخابات النصفية.
وفي هذا السياق، تبرز النزعة الانتقامية بوصفها عاملاً إضافياً قد يتحكم في قرارات ترامب المقبلة. فغضبه من إيران، التي بات ينظر إليها باعتبارها الطرف الذي ألحق الضرر برئاسته وأفشل رهاناته السياسية والعسكرية، قد يدفعه إلى اتخاذ قرارات أكثر اندفاعاً، لا تستند بالضرورة إلى حسابات استراتيجية متوازنة. وقد تتحول الرغبة في استعادة الهيبة وإظهار القوة إلى دافع لتوسيع نطاق العمليات العسكرية، حتى لو كانت كلفة ذلك مرتفعة، وحتى لو كان التصعيد لا يضمن تحقيق الأهداف التي عجز عن بلوغها خلال الأشهر الماضية.
وعليه، فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار المواجهة، ولا سيما في ضوء المحادثات الجارية في الدوحة. فإذا لم تنجح هذه المحادثات في تحقيق اختراق سياسي سريع، فإن احتمالات التصعيد سترتفع، بفعل تلاقي 3 عوامل: تراجع الضغوط الانتخابية التي كانت تدفع ترامب نحو التسوية، وتزايد استعجال الأطراف المؤيدة للحرب لاستغلال ما تبقى من هامش التحرك أمامه، وتصاعد نزعة الانتقام لديه بعد الهزيمة الانتخابية.
وبذلك، قد تتحول الخسارة الانتخابية التي كان يفترض أن تشكل جرس إنذار يدفع الإدارة الأميركية إلى إعادة النظر في عدوانها على إيران، إلى حافز إضافي لمقامرة عسكرية جديدة. فترامب، الذي خسر الانتخابات بسبب الحرب، قد يحاول الرد على هذه الخسارة بتصعيدها، في رهان محفوف بالمخاطر لن يؤدي إلا إلى تعميق المأزق الأميركي.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





