القلق الإسرائيلي من الانكفاء الأميركي: كيانٌ يخشى أن يُترك وحيداً

القلق الإسرائيلي
تكشف النقاشات الدائرة في مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الإسرائيلية عن قلق عميق يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة إلى سؤال أشد إحراجاً: ماذا يبقى من “أمن إسرائيل” حين تقرر واشنطن أنها لم تعد راغبة في أداء دور شرطي المنطقة؟ فإدارة ترامب تتجه نحو تقليص حضورها العسكري المباشر، وتطرح نموذجاً يُلقي عبء الدفاع على الشركاء الإقليميين أنفسهم، ويكتفي بالدعم الاستخباري واللوجستي والدفاعي. وأمام هذا التحول لا يجد العقل الاستراتيجي الإسرائيلي جواباً واحداً، بل يتوزع على اتجاهات متباينة، يجمعها الخوف من الانكشاف.
أول هذه الاتجاهات يعبّر عنه عاموس يادلين وأفنر غولوف، اللذان يعدّان تقليص الوجود الأميركي خطراً استراتيجياً، لأنه يُضعف الردع في مواجهة إيران وحلفائها، ويحدّ من القدرة على التعزيز السريع في حالات الطوارئ. غير أن الأهم في طرحهما هو ما يعترفان به ضمناً: فالمواجهة مع إيران أظهرت أن القواعد الأميركية في الخليج والأردن والعراق تحولت من مصدر حماية للدول المضيفة إلى مصدر تهديد لها، وهو ما يرفع الكلفة السياسية والشعبية لاستضافتها. ويضاف إلى ذلك تراجع التأييد لإسرائيل في الرأي العام والوسط السياسي الأميركيين، مع تصاعد الأصوات التي ترى أنها تجرّ واشنطن إلى صراعات لا تخدم مصالحها. ومن هنا تأتي دعوتهما إلى جعل الوجود العسكري الأميركي دائماً داخل الكيان، حتى تنشأ مصلحة أميركية مباشرة يصعب التراجع عنها. وهذه الدعوة في جوهرها محاولة لتقييد القرار الأميركي قبل أن تتبدل البيئة السياسية في واشنطن، وهي تدل على أن الثقة بالالتزام الأميركي لم تعد أمراً مسلّماً به.
أما الاتجاه الثاني فيذهب في مسار معاكس، إذ يرى يعقوب كاتس في الانكفاء الأميركي فرصة لا تهديداً فقط. فهو يفترض أن دول المنطقة، من السعودية ومصر والأردن إلى دول الخليج، تتعرض لتهديدات إيران وصنعاء دون مظلة أميركية كافية، وأن “إسرائيل” قادرة على تقديم وسائل وأساليب متنوعة لمساعدتها، وتولّي الدور الأميركي على نطاق أضيق. بيد أن هذا الطرح ينطوي على مفارقة واضحة، فصاحبه يقرّ بأن الجيش الإسرائيلي لن يقاتل إلى جانب هذه الدول، ويحذّر في الوقت نفسه من الغطرسة والتهاون. والحال أن كياناً يطلب الحماية الأميركية الدائمة لنفسه لا يملك أن يعرض حمايته على غيره، وأن الطموح إلى وراثة الدور الأميركي يصطدم بحدود القدرة التي كشفتها الحرب نفسها.
ويبلغ النقد الذاتي ذروته في الاتجاه الثالث، الذي يمثله الأكاديمي عودي سومر. فالحرب على إيران، بحسب قراءته، أسقطت ركناً أساسياً في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، هو الاعتقاد بأن حرباً تُخاض بدعم الجيش الأميركي ورئيس متعاطف في البيت الأبيض كفيلة بإسقاط النظام في طهران. وقد ثبت خطأ هذا الرهان، وامتد أثره إلى الافتراضات السياسية التي حكمت السياسة الخارجية الإسرائيلية منذ كامب ديفيد، فغدت موضع مراجعة وتحدٍّ. ومعنى ذلك أن الأزمة ليست في حجم القوات الأميركية المنتشرة، بل في البنية الفكرية التي قام عليها التصور الإسرائيلي للمنطقة، والتي افترضت دائماً أن التفوق المدعوم أميركياً قادر على حسم الصراعات.
ويتقاطع مع هذا التشخيص ما يذهب إليه الاتجاه الرابع، ومفاده أن الاستراتيجية الأميركية الراهنة تقدّم المصالح الداخلية لواشنطن على حماية حلفائها التقليديين، وأن ذلك ولّد إحباطاً لدى دول المنطقة ودفعها إلى إعادة تقييم تحالفاتها وتعزيز قدراتها الذاتية. والخلاصة التي ينتهي إليها أن أحداً لا يستطيع الاعتماد كلياً على قوة عظمى واحدة، أميركية كانت أم روسية أم صينية. وتتجسد هذه المعضلة ميدانياً في باب المندب، حيث يرصد باحثو معهد دراسات الأمن القومي تعارضاً بين ثلاثة أهداف أميركية: منع توسع الحرب مع إيران، وتجنب حملة طويلة ضد اليمن، وحماية السعودية وضمان حرية الملاحة. وهي أهداف لا تتوافق بالضرورة، ما يجعل الأزمة اختباراً فعلياً للهيكل الإقليمي الذي تريد واشنطن ترسيخه.
تلتقي هذه القراءات، على اختلاف وجهاتها، عند حقيقة واحدة: أن المشروع الإسرائيلي قام منذ نشأته على ضمانة خارجية، وأن اهتزاز هذه الضمانة يعيد طرح سؤال قدرته على البقاء قوة مهيمنة بقواه الذاتية. فالمطالبة بقواعد أميركية دائمة، والحديث عن ملء الفراغ، والاعتراف بانهيار المفاهيم، كلها أعراض لمأزق واحد. والأجدر بالالتفات عربياً أن ما تعدّه تل أبيب خطراً هو في وجه آخر نتيجة مباشرة لما فرضته قوى المنطقة من معادلات، حين جعلت الوجود الأميركي مكلفاً والحرب غير محسومة. وعليه، فإن السؤال المطروح على العواصم العربية ليس من يملأ الفراغ الأميركي، بل كيف تُبنى معادلة أمن إقليمي لا تكون إسرائيل وصيّة عليها، ولا تستبدل راعياً بآخر.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




