العرب والعالم
عاجل | لبنان في مذكرة التفاهم: حين بدأ تعريف الإقليم من الضاحية إلى هرمز

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | لبنان في مذكرة التفاهم: حين بدأ تعريف الإقليم من الضاحية إلى هرمز
ليست كل الاتفاقات الدولية متشابهة. بعضها ينهي حرباً، وبعضها يفتح باب تفاوض، وبعضها يعيد توزيع المصالح. لكن هناك نوعاً آخر من الاتفاقات تكمن أهميته في أنه يكشف كيف تنظر القوى الكبرى إلى خريطة القوة ذاتها. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو مأفادة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران أكثر من مجرد وثيقة لوقف التصعيد أو إدارة الخلاف النووي. إنها وثيقة تكشف تحولات أعمق تتعلق بإعادة رسم الحدود الفعلية للأمن القومي في الشرق الأوسط.
فالقراءة التقليدية للمأفادة تنشغل بالعقوبات، والأموال المجمدة، ومضيق هرمز ، والبرنامج النووي. لكن القراءة الاستراتيجية تكشف أن الحدث الأكثر أهمية ربما كان في مكان آخر تماماً: في لبنان.
فلبنان لم يرد في الوثيقة كملف جانبي أو كإشارة بروتوكولية عابرة. اسمه ذُكر بصورة مباشرة ضمن البند الأول المتعلق بإنهاء العمليات العسكرية في جميع الجبهات، كما جرى النص على ضمان سيادته ووحدة أراضيه. وبعد ذلك جاءت التصريحات الإيرانية اللاحقة لتؤكد أن لبنان كان حاضراً في صلب المفاوضات لا على هامشها، وأن ملفه كان من بين القضايا التي أصرت طهران على بحثها قبل الانتأوضح إلى بقية الملفات.
لكن أهمية هذه النقطة لا تكمن في الموقف الإيراني وحده، بل في الموقف الأمريكي أيضاً.
فحين تقبل واشنطن إدراج لبنان في وثيقة تفاوض ثنائية مع إيران، فإن المسألة تتجاوز الاعتراف بالنفوذ الإيراني داخل لبنان. ما حدث عملياً هو اعتراف بأن الجبهة اللبنانية أصبحت جزءاً من أي هندسة أمنية جديدة للشرق الأوسط. فالدول الكبرى لا تفاوض على ملفات لا ترى أنها تؤثر في الاستقرار الإقليمي الذي تسعى إلى إنتاجه أو إدارته.
ومن هنا تبدو الدلالة الأعمق للمأفادة. فالولايات المتحدة لم تتعامل مع لبنان بوصفه ملفاً لبنانياً صرفاً، بل باعتباره جزءاً من البيئة الاستراتيجية المرتبطة بالصراع مع إيران. وهذا تحول بالغ الأهمية، لأن الفرق كبير بين الاعتراف بوجود نفوذ إيراني في لبنان، وبين القبول بأن يصبح لبنان بنداً ضمن ترتيبات الأمن الإقليمي المتفاوض عليها مع طهران.
بمعنى آخر، لم يكن الاعتراف هذه المرة إيرانياً فقط، بل كان أمريكياً أيضاً.
وهنا نصل إلى التحول الأكثر أهمية في مضمون الوثيقة: الانتأوضح من مفهوم الحدود الجغرافية إلى مفهوم الحدود الأمنية.
فالدول الحديثة لا تحدد أمنها القومي فقط عبر خرائطها الرسمية، بل عبر المساحات التي تعتبر أن استقرارها أو انهيارها يؤثر مباشرة في أمن الدولة وقدرتها على الردع. وخلال العقود الماضية، كان يُنظر إلى حزب الله باعتباره أحد أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة. لكن اللغة التي استخدمها محمد باقر أوضحيباف بعد توقيع المأفادة تكشف شيئاً مختلفاً تماماً.
فالرجل تحدث عن الضاحية الجنوبية كما لو أنها جزء من المجال الأمني الإيراني. الهجوم عليها لم يُقدَّم باعتباره حادثاً يقع داخل دولة أخرى، بل باعتباره تطوراً استوجب تعديل مسار التفاوض مع الولايات المتحدة. ووقف النار في لبنان لم يُطرح كملف مستقل، بل كشرط أساسي في المفاوضات. أما استمرار الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، فجرى اعتباره دليلاً على أن الحرب لم تنتهِ فعلياً.
هذه ليست لغة دولة تدافع عن حليف.
إنها لغة دولة تعتبر أن أمن هذا المجال جزء من أمنها القومي المباشر.
ومن هنا يمكن فهم التحول الذي تكشفه المأفادة. فإيران لم تعد تنظر إلى بعض الساحات الإقليمية بوصفها مناطق نفوذ فقط، بل بوصفها امتدادات أمنية متقدمة تشكل جزءاً من منظومة الردع الخاصة بها. وهذا يعني أن الحدود الفعلية للأمن القومي الإيراني لم تعد تتوقف عند الجغرافيا الإيرانية، بل أصبحت تمتد إلى النقاط التي ترى طهران أن توازنها الاستراتيجي يبدأ منها أو يتأثر بها.
لكن التحول لا يتوقف عند لبنان وحده.
فالنظر إلى بنود المأفادة كوحدة متكاملة يكشف صورة أوسع بكثير. فداخل الوثيقة نفسها نجد لبنان إلى جانب مضيق هرمز، والملاحة البحرية، والعقوبات، والأموال المجمدة، والاستثمارات المخصصة لإعادة الإعمار، والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. ظاهرياً تبدو هذه ملفات متفرقة، لكن عملياً هي أجزاء من شبكة استراتيجية واحدة.
وهنا تظهر واحدة من أهم الدلالات التي حملتها المأفادة.
فإيران لم تكن تفاوض على ملف نووي فحسب. ولو كان الأمر كذلك لاقتصرت الوثيقة على التخصيب والعقوبات والرقابة الدولية. لكن ما نراه هو تفاوض متزامن على الجغرافيا البحرية، والممرات التجارية، والتمويل الاقتصادي، وشبكات الردع الإقليمية، والجبهة اللبنانية.
أي أننا أمام مفاوضات تتعلق بهندسة المجال الاستراتيجي الذي تتحرك داخله إيران، لا بمجرد إدارة أزمة نووية.
ولهذا السبب يصبح الربط بين لبنان وهرمز بالغ الأهمية. فالأول يمثل أحد أهم مرتكزات الردع الإقليمي الإيراني غرباً، بينما يمثل الثاني أحد أهم مرتكزات القوة الجيواقتصادية الإيرانية شرقاً. وعندما يجتمع الملفان داخل وثيقة واحدة، فهذا يعني أن طهران تفاوض على شبكة نفوذ متكاملة تربط بين الأمن والطاقة والتجارة والردع العسكري في إطار واحد.
في هذا السياق، لا يعود لبنان مجرد ساحة مواجهة مع اسرائيل ، كما لا يعود هرمز مجرد ممر مائي. كلاهما يتحول إلى عقدة داخل منظومة أوسع تسعى إيران إلى تثبيتها سياسياً بعد أن عملت لعقود على بنائها ميدانياً.
وهنا تتضح القيمة الحقيقية للمأفادة. فهي لا تكشف فقط عن نتائج حرب أو عن تسوية مؤقتة بين خصمين، بل تكشف عن طبيعة النظام الإقليمي الذي بدأ يتشكل بعد سنوات طويلة من الصراع. نظام لم تعد فيه القوة تُقاس بالسيطرة على الأراضي وحدها، بل بالقدرة على إدارة الممرات الاستراتيجية، والتحكم بالتدفقات الاقتصادية، وحماية شبكات الردع الممتدة عبر الإقليم.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت ايران حصلت على رفع للعقوبات أو ضمانات اقتصادية، بل ما إذا كانت واشنطن قد قبلت للمرة الأولى التفاوض على حدود الأمن القومي الإيراني كما تراها طهران نفسها.
فالدولة التي تجعل من لبنان شرطاً في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة لا تنظر إليه باعتباره حليفاً خارجياً فقط. والدولة العظمى التي تقبل إدراج لبنان داخل تلك المفاوضات لا تتعامل معه بوصفه ملفاً محلياً منفصلاً. وبين الإدراكين تتكشف حقيقة استراتيجية أكبر: لبنان لم يعد مجرد ساحة على هامش الصراع، بل أصبح جزءاً من معادلة الردع التي تحدد شكل التوازنات في الشرق الأوسط.
ما يُعاد رسمه اليوم ليس موقع لبنان داخل الإقليم فقط، بل تعريف الإقليم نفسه. فحين تتحول الجبهة اللبنانية إلى بند في تفاوض أمريكي ـ إيراني، تصبح الحدود السياسية أقل أهمية من حدود الردع. وعند تلك النقطة، لا يعود السؤال أين تنتهي إيران جغرافياً، بل أين تبدأ مصالحها الأمنية التي بات الآخرون مضطرين إلى التفاوض عليها.
الكاتب: خليل القاضي
20 حزيران 2026
المصدر: موقع الخنادق
عاجل | لبنان في مذكرة التفاهم: حين بدأ تعريف الإقليم من الضاحية إلى هرمز




