عاجل عاجل | رغم تصاعد النزاعات عالمياً... ما هي أكثر دول العالم أماناً في 2026؟
العرب والعالم

الحَراك السياسي يستعيد زخمه: ظروف التسوية السودانية (غير) ناضجة

فيما ترتفع وتيرة التصعيد العسكري في عدّة محاور في السودان، تتسارع في المقابل الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق وقف لإطلاق النار، وتمهيد الطريق لحلّ سياسي يضع حدّاً للحرب المشتعلة منذ أكثر من ثلاث سنوات.

الخرطوم | فيما ترتفع وتيرة التصعيد العسكري في عدّة محاور في السودان، تتسارع في المقابل الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق وقف لإطلاق النار، وتمهيد الطريق لحلّ سياسي يضع حدّاً للحرب المشتعلة منذ أكثر من ثلاث سنوات. وعلى الرغم من انحسار المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في محاور دارفور وكردفان، وانحصارها في منطقة النيل الأزرق، عادت المسيّرات التابعة لـ«الدعم» إلى استهداف عدة مناطق في شمال كردفان وجنوبها وفي النيل الأبيض والعاصمة الخرطوم، حيث نجح الجيش في إسقاط عدد منها، فيما أصابت أخرى أهدافاً محدودة. وعلى خلفية ذلك، صعّدت الخرطوم لهجتها تجاه أديس أبابا؛ إذ كشف وزير الخارجية السوداني، محيي الدين سالم، عن انطلاق تلك المسيّرات من أراضي إثيوبيا، محذّراً الأخيرة من «التورّط» في صراع مع السودان، مؤكداً احتفاظ بلاده بحق الردّ «بكلّ السبل المتاحة».

في هذا الوقت، استضافت العاصمة الإثيوبية، يومَي 3 و4 حزيران الجاري، لقاءً ضمّ تحالف «صمود» و«الكتلة الديموقراطية» وقوى أخرى، بدعوة من «الآلية الخماسية» المعنيّة بالأزمة السودانية. وانتهى اللقاء بتوقيع قوى سودانية على بيان ختامي، وُصف بأنه رؤية مشتركة لإنهاء الحرب وإطلاق مسار سياسي جديد. وتزامن ذلك مع دعوات أطلقتها دول ومنظّمات غربية إلى هدنة إنسانية عاجلة تمهّد لوقف دائم لإطلاق النار، وتشديدها في المقابل، في بيان، على ضرورة تحقيق تسوية سياسية شاملة يقودها المدنيون.
وذكرت القوى المشاركة في اجتماع أديس أبابا، في البيان الذي صدر عقب الاجتماع، أن التوافق الجديد يعكس تنامي الإرادة بين القوى السياسية والمدنية للعمل المشترك من أجل وضع حدّ لمعاناة السودانيين من جراء الحرب، ومواجهة خطابات الكراهية والعنصرية، وتعزيز الحوار الوطني، والحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي. وأكد البيان أن وقف الحرب يمثّل «أولوية قصوى»، داعياً إلى «إطلاق عملية سياسية تتبنّى مشروعاً وطنياً لإعادة بناء البلاد ومعالجة آثار الدمار الواسع الذي خلّفه النزاع»، مشدداً على ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تضع في مقدّمة أولوياتها الاستجابة للأزمة الإنسانية، وتوسيع الفضاء المدني، وتهيئة المناخ السياسي والإجراءات التمهيدية اللازمة لإنجاح العملية السياسية.

إلّا أن التوافق الذي أظهرته القوى المشاركة في اجتماع أديس أبابا لم يدُم طويلاً؛ إذ فجّر البند المتعلّق باستبعاد «حزب المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية» من العملية السياسية خلافات داخلية، كان أبرز وجوهها اعتراض رئيس «حركة تحرير السودان» (أحد فصائل الكتلة الديمقراطية)، مني أركو مناوي، على ما اعتبره توجّهاً نحو «العزل السياسي». كذلك، اعتبر بعض المشاركين أن الآلية الخماسية أخفقت في جمع الأطراف كافة في قاعة واحدة، ما حال دون عقد جلسة افتتاحية أو ختامية جامعة، فيما اقتصرت الاجتماعات على لقاءات ومشاورات متفرّقة. وبحسب مصادر مشاركة في اللقاء، رفض تحالف «صمود» الدخول إلى قاعة تضمّ ممثلين عن «تنسيقية القوى الوطنية»، فيما اعترضت أطراف من «الكتلة الديموقراطية» على مشاركة تحالف «تأسيس» المرتبط بـ«الدعم السريع»، عادّةً التحالف المذكور إطاراً عسكرياً لا يمكن التعامل معه كقوة سياسية.

وإلى جانب ذلك، أعلنت «الحركة الشعبية لتحرير السودان – التيار الثوري الديموقراطي»، العضو في تحالف «صمود»، رفضها مخرجات اجتماعات أديس أبابا، مؤكدة أنها لم توافق على الوثيقة النهائية، رغم مشاركتها في المشاورات. وقالت نائبة رئيس الحركة، بثينة دينار، إن العملية السياسية التي رعتها الآلية الخماسية شابها «قصور كبير»، ولم تلتزم بالتفاهمات السابقة التي جرى الاتفاق عليها بين المشاركين. كما انتقدت رفض تضمين نصّ صريح يمنع مشاركة «حزب المؤتمر الوطني» في أيّ ترتيبات مقبلة، معتبرة أن هذا الرفض يفتح الباب أمام إعادة إنتاج القوى التي أسهمت في إشعال الحرب. أيضاً، حذّرت دينار من المضيّ في عملية سياسية لا تحظى بتعهّد واضح من طرفَي النزاع بالالتزام بنتائجها، منبّهةً إلى أن أيّ مسار من النوع المذكور سيبقى «نقاشاً سياسياً نظرياً» يفتقر إلى القدرة على التأثير في الوقائع الميدانية أو وقف الحرب.

وكان رئيس “مجلس السيادة الانتقالي”، عبد الفتاح البرهان، أعلن عن ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان، مبيّناً أن الحوار سيشمل جميع القوى الوطنية التي «لم تتلطّخ (أيديها) بدماء الشعب»، مشدّداً، في الوقت عينه، على عدم وجود أيّ تفاوض أو تسوية مع «المتمردين»، وأن الحسم العسكري هو «الطريق الوحيد» للتعامل مع هؤلاء.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن البرهان بات أكثر ميلاً إلى التسوية السياسية ممّا كان عليه في السابق، ولا سيما بعد التحوّلات التي شهدتها ساحات القتال خلال الأشهر الأخيرة. وبحسب المراقبين، فإنه رغم التقدّم النسبي الذي حقّقه الجيش والقوات المتحالفة معه في بعض مناطق كردفان والنيل الأزرق، واستعادته عدداً من المواقع الاستراتيجية، «لا تزال معادلة الحسم النهائي بعيدة المنال»، ولذا، من الممكن أن يستند البرهان إلى ذلك التقدّم لانتزاع جزء من المكاسب التي يتطلّع إليها.
ويأتي هذا الوضع المتقلّب ليلقي بظلال قاتمة على حياة آلاف السودانيين الذين عادوا من دول الجوار، بعد تضييق متزايد واجهوه هناك، خصوصاً في مصر وليبيا؛ إذ وجد هؤلاء أنفسهم أمام واقع لا يقلّ قسوة في بلادهم، وسط انعدام الخدمات الأساسية، بما فيها شبكات المياه والكهرباء والمرافق الصحية التي تعاني انهياراً كبيراً، وعجز السلطات عن إعادة الحدّ الأدنى من مظاهر الحياة الطبيعية. ويفاقم هذه المعاناة التدهور الأمني المتواصل في عدد من المناطق، حيث تتزايد شكاوى السكّان من تجاوزات ترتكبها مجموعات مسلّحة، وتتعالى اتهامات للسلطات العسكرية بالعجز عن ضبط عناصرها. وتجلّى ذلك في إطلاق المواطنين تسمية «جنجويد 2» على تلك المجموعات، في إشارة إلى ممارساتها واعتداءاتها على المدنيين العزّل.
أمّا على الصعيد الاقتصادي، فتبدو الصورة أكثر قتامة، حيث تُواصل أسعار السلع الأساسية ارتفاعها بوتيرة متسارعة في ولاية الخرطوم، في وقت فقد فيه عدد كبير من السكان مصادر دخلهم. ومع ارتفاع نسبة التضخّم وانهيار قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار، اكتسبت معاناة المواطنين من الحرب وآثارها بعداً إضافياً، تجلّيه المكابدة اليومية للظروف المعيشية الصعبة.

12 حزيران 2026

المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى