إسناد غزة: جبهة الشمال وكسر عزلة المعركة

إسناد غزة
منذ الأيام الأولى للحرب على غزة، اختار حزب الله أن يفتح جبهة مواجهة مع الاحتلال على الحدود اللبنانية، مدركاً أن هذا القرار سيضعه أمام حرب مفتوحة الاحتمالات والكلفة. وكان الإسناد ترجمة لالتزامه بالقضية الفلسطينية، انطلاقاً من نظرته إلى أن ما يجري في غزة هو محاولة لاقتلاع القضية من جذورها وفرض واقع جديد بالقوة عبر الإبادة الممنهجة.
أدرك الحزب منذ لحظة اتخاذ القرار أن فتح الجبهة الشمالية سيستدعي رداً إسرائيلياً واسعاً، وأن الاحتلال لن يتردد في استهداف قياداته وبنيته العسكرية والبيئة التي يعمل فيها. ومع ذلك، اتخذ قرار الإسناد واستمر فيه، واضعاً كلفة المواجهة ضمن حساباته منذ البداية. فكيف أثرت هذه الجبهة في مسار الحرب وحسابات الاحتلال؟
لم يبقَ “طوفان الأقصى” محصوراً في قطاع غزة. فتح جبهة لبنان نقل الحرب إلى مستوى أكثر اتساعاً، وأجبر الاحتلال على التعامل مع جبهة ثانية ذات قدرات عسكرية كبيرة، فيما أصبحت احتمالات توسع المواجهة جزءاً دائماً من حساباته طوال الحرب. كما اضطر الكيان إلى إبقاء قوات كبيرة وقدرات عسكرية واستخبارية في الشمال، تحسباً لتوسع المواجهة، فيما تحولت الحدود اللبنانية إلى جبهة تستوجب المتابعة والحذر والاستنفار المستمر.
لذا فرضت عمليات حزب الله على الاحتلال توزيع جزء من قدراته بين جبهتين أساسيتين، إضافة إلى عمليات الإسناد التي قامت بها اليمن والعراق، وأبقت احتمال انتقال المواجهة إلى حرب واسعة قائماً. وامتدت عمليات المقاومة الإسلامية إلى استهداف المواقع العسكرية الإسرائيلية ومنظومات المراقبة والاستطلاع والرادارات، فيما اضطر الاحتلال إلى إخلاء مستوطنات الشمال وإعادة تنظيم وجوده العسكري في المنطقة وإعلانها منطقة عمليات.
أنتج ذلك كلفة تتجاوز الحسابات العسكرية، مع انتقال عشرات آلاف المستوطنين من مستوطنات الشمال إلى مناطق في وسط الكيان ومناطقه الأخرى، وتحول الإخلاء المؤقت إلى أزمة مستمرة مع طول أمد المواجهة. وجد هؤلاء أنفسهم أمام واقع أمني واقتصادي واجتماعي غير مستقر، فيما تحولت قضية عودتهم إلى الشمال إلى ملف ضاغط على الحكومة الإسرائيلية. ومع استمرار القصف وعدم قدرة الحكومة على تقديم موعد واضح لعودة آمنة ومستقرة، تصاعدت مطالب المستوطنين للحكومة والجيش بتوفير الأمن وإعادتهم إلى منازلهم، لتصبح جبهة الشمال عاملاً إضافياً في الضغط السياسي الداخلي على حكومة الاحتلال.
ولم يكن حزب الله يخفي أن هذا هو أحد أهداف الإسناد، إذ قامت المعادلة التي قام عليها تدخله على منع الاحتلال من الاستفراد بجبهة غزة دون كلفة على الجبهات المحيطة بفلسطين، وعلى إبقاء جزء من قدراته العسكرية مشدوداً إلى الشمال. ومع ممارسة أقصى ضغط لمنع المستوطنين من العودة إلى مستوطناتهم وفرض واقع غير مستقر عليهم، خصوصاً أن موضوع الأمن يقلقهم ولديهم هاجس من حزب الله ومن فكرة أنه محيط بهم ويراقب تحركاتهم، فضلاً عن خشيتهم من مخطط اقتحام الجليل.
لذا كان شمال وجنوب فلسطين المحتلة في حالة استنزاف وحرب، ما جعل الضغط على الوسط يتصاعد، الذي كان من فترة لأخرى عرضة للضربات اليمنية.
كما أعاد الإسناد القضية الفلسطينية إلى موقعها كقضية عالمية. فمع فتح جبهة لبنان وامتداد عمليات الإسناد إلى اليمن والعراق، ومشاهد الإبادة والقتل في قطاع غزة أصبحت فلسطين حاضرة في الحسابات لعدة أطراف في المنطقة. وأسهم ذلك في مواجهة المسار الذي حاول حصر القضية الفلسطينية في إطار التفاوض والتسويات، وأعاد ربط ما يجري في فلسطين بموازين القوى الإقليمية وبأمن المنطقة واستقرارها. في المقابل، أسهمت جبهات الإسناد بعد عملية طوفان الأقصى في إرباك المسار الذي كان يتجه نحو توسيع دائرة التطبيع مع الاحتلال.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




