
“إسرائيل” لا تواجه إيران وحدها؛ بل تواجه معضلة أوسع: كيف توسّع حربها خارج الحدود، فيما تحاول احتواء تصدّعاتها الداخلية، وتقييد قدرة حليفها الأميركي على فك الارتباط بها، وضمان ألّا ينقلب التصعيد على أهدافها؟ خمسة تقارير استخبارية وصحفية ترسم ملامح هذا التناقض، لكن قيمتها التحليلية لا تعني أن جميع ادعاءاتها مؤكدة أو أن وثائقها الأصلية متاحة للتحقق. والخيط الذي يجمعها هو أن “إسرائيل” تريد حرية الحركة العسكرية، لكنها تسعى في الوقت نفسه تسعى إلى تحصين تحالف تعتمد عليه، وتراهن على إنهاك خصومها بينما تواجه أسئلة عن قدرتها على تحمّل استنزاف طويل.
في 5 أكتوبر، نشر موقعا Drop Site News و Capital & Empire تقريراً عن تقييم منسوب إلى «الخلية الحمراء» في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، يحذّر من أن تراكم التصدّعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد يفضي إلى صراع داخلي في إسرائيل. واستندت الرواية إلى مصدرين أميركيين مطّلعين، فيما لم يُنشر نص الوثيقة ولم تؤكّد الوكالة مضمونها. كما أن «الخلية الحمراء» تختبر السيناريوهات المضادة والافتراضات السائدة؛ لذلك لا يجوز تحويل تقييم للمخاطر إلى نبوءة بانهيار وشيك.
لكن المؤشرات المذكورة تستحق التحليل: استنزاف قوات الاحتياط، والخلاف على إعفاء المتدينين المتشددين من التجنيد، وارتفاع الإنفاق العسكري، والضغوط المعيشية، وعنف المستوطنين، والاستقطاب السياسي. فالحرب الطويلة لا تختبر قدرة الجيش على القتال فحسب، بل قدرة المجتمع على توزيع أعبائها. قد تحقّق الدولة مكاسب عسكرية خارج حدودها، فيما تتآكل قدرتها على احتمال كلفة الحرب داخلها.
وفي المقابل، كشف تقرير Capital & Empire في 29 يوليو، نقلاً عن مسؤولين أميركيين مطّلعين على تقييم استخباري غير منشور، عن مسعى إسرائيلي لتعميق اندماجها العسكري والاستخباري والصناعي مع الولايات المتحدة، بما في ذلك بحث احتمال استضافة قاعدة أميركية دائمة. ووفق التقرير، تسعى إسرائيل إلى جعل فك الارتباط بها أكثر كلفة على الإدارات المقبلة. إنها لا تسعى إلى إنهاء الاعتماد على واشنطن، بل إلى إعادة هندسته: حين يتراجع ضمان الدعم السياسي، يصبح تعميق التشابك المؤسسي وسيلةً لتحصين التحالف، لكنه قد يفتح أيضاً صراعاً على القرار والسيادة.
ويظهر هذا المنطق في الملف الإيراني. فقد أفاد تقرير Capital & Empire في 28 مايو، استناداً إلى مصادر أميركية مطّلعة على تقييم استخباري، بأن مسؤولين إسرائيليين ضغطوا لاستئناف الحرب، واستهداف رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ومنشآت النفط، أملاً في إحداث اضطراب يقود إلى تغيير النظام. وهي رواية صحفية لم تُدعّم بنشر الوثيقة الأصلية. لكن الرهان المنسوب إليها يكشف مخاطرة استراتيجية: افتراض أن تدمير الموارد الاقتصادية سيؤدي تلقائياً إلى انهيار سياسي، مع أن الضغط قد يدفع الخصم إلى التماسك، ويضيّق فرص التفاوض، ويوسّع المواجهة إلى أسواق الطاقة والممرات البحرية. ليس كل ما يضعف الخصم يقوّي موقعك، وليس كل تصعيد يقرّب النصر.
وتكشف الحسابات الخليجية حدود الرهان على اصطفاف إقليمي موحّد. فقد أورد تقرير Capital & Empire في 13 مايو، استناداً إلى تقييم استخباري مزعوم، تباين المواقف الخليجية بين دول أكثر ميلاً إلى مواصلة الضربات وأخرى تفضّل التفاوض. وفي واقعة أكثر تحديداً، ذكرت الغارديان في 7 مايو أن السعودية رفضت السماح باستخدام قواعدها وأجوائها لدعم عملية «مشروع الحرية» الأميركية عبر مضيق هرمز، خشية تجدد المواجهة وامتداد الرد الإيراني إلى المنطقة. لا يعني ذلك نهاية التحالف السعودي ـ الأميركي، بل يبيّن أن الشراكة لا تمنح واشنطن تفويضاً مفتوحاً باستخدام جغرافيا الحلفاء.
أما البحرين، فقد أفاد تقرير Capital & Empire في 11 مارس، نقلاً عن مصادر أمن قومي أميركية، باستعانة المنامة بقوات أردنية لمواجهة احتجاجات على الحرب والدور العسكري الأميركي. ولم يتسنَّ التحقق المستقل من جميع تفاصيل هذا الادعاء؛ غير أن دلالته المحتملة تظل مهمة: عندما تتحول الحرب والوجود العسكري إلى موضوع احتجاج داخلي، تصبح شرعية الترتيبات الأمنية جزءاً من كلفة الصراع.
تتقاطع هذه المحاور عند حقيقة واحدة: القوة العسكرية لا تلغي القيود السياسية والاجتماعية، والتحالفات لا تضمن تطابق المصالح، والضغط على الخصم لا يضمن إخضاعه. هذه التقارير لا تثبت أن إسرائيل على وشك الانهيار، لكنها تطرح أسئلة جدية عن استدامة نموذج يوسّع المواجهة ويعمّق الاعتماد على واشنطن، فيما تتباين حسابات الحلفاء وتتراكم كلفة الحرب.
الخطر الاستراتيجي ليس أن تنهار إسرائيل أو إيران بالضرورة، بل أن تنجح الأطراف في توسيع الحرب وتفشل في احتكار نتائجها. فعندما يصبح تعطيل التفاوض جزءاً من استراتيجية الحرب، وتتحول التحالفات إلى أدوات لتقييد خيارات الحلفاء، قد ينتج التصعيد أزمات تتجاوز أهداف مطلقيه. عندها لا يكون السؤال من يملك القوة الأكبر، بل من يملك استراتيجية للخروج؛ لأن القوة التي تعرف كيف تبدأ الحرب ولا تعرف كيف تنهيها قد تجد نفسها أسيرةً للمعركة التي اختارتها.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





