عاجل عاجل | مفاجأة.. حلا شيحة تعيد إحياء ذكريات نادرة مع عامر منيب - أخبار السعودية
ثقافة

عاجل | حين يستعير المُثقّف العربي أسمال الإمبراطورية

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | حين يستعير المُثقّف العربي أسمال الإمبراطورية
لا يحتاج الخطاب الاستشراقي اليوم إلى مستشرق أوروبي يجلس في جامعة غربية، أو إلى موظّف في إدارة استعمارية قديمة، كي يعيد إنتاج صورته المتعالية عن العرب. فقد صار لهذا الخطاب، في بعض الأحيان، وكلاء محلّيون يتكلّمون العربية، وينتمون اسمياً إلى المجتمعات التي يضعونها باستمرار في قفص الاتهام، لكنّهم يفكّرون من داخل عين القوة الأميركية المهيمنة، ويكتبون كأنّهم يرفعون تقارير أخلاقية إلى مركز القرار الإمبراطوري، لا كأنّهم ينتمون إلى شعوب لها تاريخ وذاكرة وحقّ في السيادة والمقاومة. المشكلة في هذا النمط من المثقّفين ليست أنه يختلف سياسياً مع هذه المقاومة أو تلك، أو ينتقد نظاماً أو حزباً أو جماعة أو تجربة. النقد حق وضرورة، بل إن المجتمعات التي لا تنتقد نفسها تتحوّل إلى طوائف مُغلقة وأساطير ميتة. المشكلة أعمق من ذلك: إنها في البنية النفسية والمعرفية التي تجعل بعض النخب العربية تنظر إلى نفسها وإلى مجتمعاتها من موقع الدونية، فيما تنظر إلى القوة الأميركية بوصفها معياراً للعقل والحضارة والحداثة والشرعية. هكذا لا تعود الولايات المتحدة دولة كبرى لها مصالحها وعنفها وجيوشها وشركاتها ومجمعها العسكري والاستخباري، بل تصبح في مخيّلتها اسماً آخر للعالم، وللحقيقة، وللقدَر السياسي الذي لا يجوز الاعتراض عليه. هذا هو الاستشراق المُضمر: ليس أن يقول المثقّف صراحة إنّ العرب أدنى من الغرب، بل أن يبني تحليله على هذه الفرضية من غير أن يسمّيها. ليس أن يعلن إعجابه بالإمبراطورية، بل أن يتكلم كما لو أن كل خروج على إرادتها جنون، وكل مقاومة لها انتحار، وكل مُطالبة بالسيادة ضرب من الطفولة السياسية. إنه لا يقول دائماً إن واشنطن على حقّ، لكنه يقول إن العالم لا يُقرأ إلا من خلال واشنطن، وإن العقلانية ليست إلا التسليم بميزان قوتها، وإن الواقعية ليست إلا الامتثال لشروطها. في هذا الخطاب، تصبح القوة الأميركية حقيقة طبيعية لا تاريخية. لا تُسأل عن حروبها، ولا عن قواعدها، ولا عن انقلاباتها، ولا عن حِصاراتها، ولا عن رعايتها الطويلة للكيان الإسرائيلي، ولا عن تحويلها الشرق الأوسط إلى مختبر للخرائط الدموية. تُسأل الشعوب وحدها: لماذا تقاوم؟ لماذا لا تتأدّب؟ لماذا لا تفهم حدودها؟ لماذا لا تقبل بما كُتب لها؟ وهكذا ينتقل المثقّف من موقع الشاهد على الهيمنة إلى موقع الشرطي الرمزي لها، يوبّخ الضحية لأنها لم تحسن التصرّف أمام الجلّاد، ويعاتب المُحاصَر لأنه أزعج هندسة الحصار، ويؤنّب المقاوم لأنه كشف العنف الذي كان ينبغي أن يبقى مخفياً خلف لغة الاستقرار والدبلوماسية والنظام الدولي. أخطر ما في هذا الخطاب أنه يلبس ثوب العقلانية. فهو لا يقدّم نفسه عادة بوصفه دفاعاً عن الإمبراطورية، بل بوصفه حكمة سياسية. يقول لك: نحن ضعفاء، فلنكن واقعيين. لكنّ الواقعية هنا لا تعني فهم موازين القوى من أجل تغييرها أو تحسين شروط الصراع معها، بل تعني تحويل الهزيمة إلى أخلاق، والاستسلام إلى فضيلة، والخضوع الرمزي إلى نضج. يصبح المثقّف «العاقل» هو الذي ينصح شعبه بأن يخفض رأسه حتى تمرّ العاصفة، ولو كانت العاصفة نفسها نظاماً دائماً من الإخضاع. أمّا مَن يرفض ذلك، فيُتّهم بالرومانسية، والمغامرة، والعدمية، وجرّ الناس إلى الكارثة. لكن ما الذي يبقى من السياسة إذا تحوّلت الواقعية إلى اسم آخر للطاعة؟ وما الذي يبقى من الثقافة إذا صار دور المثقّف هو إقناع الناس بأن لا أفق لهم خارج إرادة السيد؟ إنّ الواقعية التي لا ترى إلا قوة العدو ليست واقعية، بل وعي مبتور يتصرّف كأنه الحقيقة كلها. نعم، أميركا قوة كبرى، بل القوة الأشد تأثيراً في النظام الدولي الحديث، لكن هذا لا يعني أنها قدر ميتافيزيقي. إنها قوة تاريخية، صنعت هيمنتها عبر الاقتصاد، والحرب، والتحالفات، والمؤسسات، والإعلام، والتكنولوجيا، والعقوبات، والردع. وما كان تاريخياً يمكن فهمه، وما يمكن فهمه يمكن مقاومته، أو على الأقل تقليص سلطته على المخيال السياسي. لا يذهب الخطاب الاستشراقي الداخلي عادة إلى هذا الفهم. إنه يميل إلى تحويل الهيمنة إلى طبيعة. يريد أن يقول للعربي إنّ موقعه الطبيعي هو الهامش، وإن أقصى ما يستطيع فعله هو تحسين شروط تبعيته. ولذلك يستعير أسمال القوة الأميركية: مفرداتها، حساسياتها، تصنيفاتها، وطريقتها في فرز العالم بين عقلانيين ومتطرّفين، معتدلين ومغامرين، دول مسؤولة ودول مارقة، مدنيين وبرابرة. وحين يرتدي هذه الأسمال، يتوهم أنه انتقل إلى المركز، فيما لا يكون غالباً إلا صدى هامشياً له، وشاهداً محلياً تستعمله الإمبراطورية كي تقول: ها هم أبناء المنطقة يعترفون بأنهم لا يستحقّون إلا الوصاية. هنا تظهر وظيفة «العربي الجيّد» في المخيال الأميركي. العربي الجيّد ليس فقط مَن يعارض العنف أو يدافع عن الحريات أو ينتقد الاستبداد؛ فهذه كلها قد تكون مواقف نبيلة حين تصدر عن استقلال أخلاقي وفكري. العربي الجيّد، في المعنى الإمبراطوري، هو مَن يبرّئ القوة الغربية من مسؤوليتها البنيوية، ويعيد توجيه الاتهام كلّه إلى الداخل العربي. هو مَن يقول إنّ مشكلاتنا كلها من ثقافتنا، من ديننا، من لغتنا، من قبائلنا، من ذاكرتنا، من عجزنا الأزلي عن الحداثة. وحين يفعل ذلك، لا يعود ناقداً لمجتمعه، بل شاهد زور على تاريخه. ليس المقصود هنا إنكار أمراض الداخل العربي، ولا تبرئة الاستبداد، ولا تجميل الطائفية، ولا تحويل المجتمع إلى ضحية نقية بلا أخطاء. مثل هذا الدفاع الساذج لا يقلّ ضرراً عن جلد الذات. لكنّ هناك فرقاً بين نقد الذات وتدميرها رمزياً. نقد الذات يسأل عن البنى، وعن التاريخ، وعن السلطة، وعن الاقتصاد، وعن الخارج والداخل معاً. أمّا جلد الذات فيلغي التاريخ كله لمصلحة حكم جوهراني واحد: نحن هكذا، وهم هكذا. نحن العنف، وهم القانون. نحن الغريزة، وهم العقل. نحن الفوضى، وهم النظام. نحن الجثة، وهم الطبيب. وهذه، بالضبط، هي البنية العميقة للاستشراق، ولو خرجت من فم مثقّف عربي لا من قلم موظف استعماري. يتجلّى هذا الانسحاق خصوصاً عند كل مواجهة كبرى مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. في تلك اللحظة، لا ينشغل هذا النمط من الخطاب كثيراً بالسؤال عن العدوان، بل بالسؤال عن «حماقة» مَن تعرّض للعدوان لأنه لم يعرف كيف يتفادى غضب السيّد. كأنّ المطلوب من الشعوب ليس أن تدافع عن أرضها وكرامتها، بل أن تُتقِن فنّ عدم إزعاج القوة. وإذا قصفت إسرائيل، أوضحوا: مَن أعطاها الذريعة؟ وإذا حاصرت أميركا، أوضحوا: لماذا لم تحسنوا التفاوض؟ وإذا هُدّد بلد بالتدمير، أوضحوا: ألم نقل لكم إنّ موازين القوى لا ترحم؟ هكذا يتحوّل التحليل إلى محكمة دائمة للضحية، وتتحوّل الإمبراطورية إلى قوة تربوية قاسية لكنها مفهومة، بل تكاد تكون ضرورية لتأديب شعوب لا تتعلّم. هذا النمط من الكلام ليس حياداً. إنه انحياز عميق، لكنه يخجل من تسمية نفسه. إنه لا يقول: أنا مع القوة الأميركية، بل يقول: أنا مع العقل. لا يقول: أنا مع منطق الهيمنة، بل يقول: أنا ضد المغامرة. لا يقول: أنا أحتقر مجتمعي، بل يقول: أنا أراه كما هو. غير أنّ «كما هو» هنا ليست وصفاً للواقع، بل إعادة إنتاج للصورة التي يريدها المركز عن هذا الواقع. فالمثقّف المُستلب لا يرى مجتمعه بعينه، بل بعين الكاميرا الإمبراطورية التي تختار الزاوية، والإضاءة، والمشهد، والتعليق الصوتي. ولذلك تبدو اللغة التي يستعملها هذا الخطاب مفضوحة في عمقها. حين يتكلّم عن أميركا، يستعمل لغة المصالح، والحسابات، والتعقيد، والمؤسسات، والاستراتيجيا. وحين يتكلّم عن العرب، يستعمل لغة الغرائز، والعصبيات، والجنون، والانفعال، والفشل الأبدي. للغرب تاريخ، ولنا طبائع. للغرب أخطاء، ولنا جوهر معطوب. للغرب انحرافات يمكن تصحيحها، ولنا خطايا أصلية لا تُغتفر. هذه الثنائية ليست تحليلاً، بل لاهوت سياسي مقلوب: أميركا فيه إله دنيوي ناقص لكنه ضروري، والعرب خطيئة تاريخية تحتاج إلى عقاب دائم. من هنا نفهم لماذا لا يهتز هذا المثقّف، غالباً، أمام فاشية الغرب حين تنكشف بلا أقنعة. لا تصدمه العنصرية الأميركية، ولا وحشية الشرطة، ولا صعود اليمين الأبيض، ولا ازدراء المهاجرين، ولا الحروب التي تُخاض باسم الديمقراطية ثم تترك وراءها دولاً مُحطّمة. فهو لا يقرأ هذه الظواهر بوصفها دليلاً على أزمة بنيوية في المركز الذي يفتتن به، بل بوصفها استثناءات أو أخطاء عابرة. أمّا في العالم العربي، فأيّ حادثة أو جريمة أو خطاب متطرّف تصبح عنده برهاناً على ماهية كاملة، ودليلاً إضافياً على أننا خارج التاريخ. فالغرب يُعامل كذات قادرة على الخطأ والتصحيح، أمّا العرب فيُعاملون كموضوع مريض لا شفاء له إلا بالوصاية. استعارة أسمال القوة الأميركية لا تعني فقط تبنّي سياساتها، بل تبنّي خيالها عن العالم. وهذا أخطر من الموقف السياسي المباشر. قد يختلف المرء مع سياسة معينة ثم يراجع موقفه، أمّا حين يسكنه خيال السيّد، فإنه يعود عاجزاً عن تخيّل الحرّية إلا كمنحة من السيّد نفسه. يصبح التحرّر عنده مستحيلاً إلا إذا مرّ عبر السفارة، والحداثة مستحيلة إلا إذا نالت شهادة قبول من مركز الأبحاث، والديمقراطية مستحيلة إلا إذا جاءت محمولة على لغة العقوبات والضغوط المشروطة. إنه لا يرى شعبه كفاعل، بل كمادّة خام تنتظر التشكيل الخارجي. لا يمكن مواجهة هذا الخطاب بمجرّد اتهام أصحابه بالخيانة أو العمالة. فذلك يريحنا من تحليل الظاهرة ولا يفكّكها. المسألة أعمق من التمويل المباشر، وإن كان التمويل حاضراً أحياناً. إنها تتعلّق ببنية اعتراف مُشوّهة: مُثقّف يبحث عن قيمته في عين مَن يحتقره. يريد أن يقول للمركز: أنا لست مثلهم. أنا أفهمكم. أنا أتبنّى لغتكم. أنا أرى قومي كما ترونهم. امنحوني موقعاً في الهامش القريب منكم. بهذا المعنى، يتحوّل جلد الذات إلى بطاقة عبور، ويتحوّل احتقار المجتمع إلى رأسمال رمزي، ويتحوّل الانبهار المهزوم بالقوّة إلى علامة «رقي» و«اعتدال» و«حداثة». لكنّ الثقافة التي تقبل بهذا الدور تفقد وظيفتها الأصلية. فالمثقّف ليس مُطالباً بأن يكون بوقاً لأي سلطة محلّية أو مقاومة أو جماعة، لكنه أيضاً ليس مُطالباً بأن يكون مترجماً داخلياً لاحتقار الإمبراطورية لشعبه. وظيفته أن يوسّع أفق الفهم، لا أن يغلقه باسم الواقعية. أن يكشف علاقات القوة، لا أن يقدّسها. أن يرى أخطاء مجتمعه من داخل محبّته له ومسؤوليته عنه، لا من موقع المتفرّج المتعالي الذي ينتظر تصفيق المركز. أن يقول للناس الحقيقة، لا أن يقنعهم بأن الهزيمة هي الحقيقة الوحيدة الممكنة. إنّ أخطر ما تصنعه الهيمنة ليس السيطرة على الأرض فقط، بل السيطرة على تعريف الممكن. وحين ينجح الخطاب الأميركي في إقناع بعض المثقّفين العرب بأن السيادة وهم، والمقاومة جنون، والكرامة ترف، والاستقلال طفولة، فإنه يكون قد حقّق انتصاراً أعمق من أي انتصار عسكري. يكون قد زرع في اللغة نفسها شرطياً داخلياً يمنع التفكير قبل أن يبدأ، ويحوّل كل رغبة في التحرّر إلى تهمة تحتاج إلى اعتذار. لذلك، فإنّ معركة الوعي لا تقلّ شأناً عن معركة السياسة. ليست معركة الوعي دعوة إلى إنكار الواقع أو تزييف موازين القوّة، بل إلى تحرير النظر من سحر القوّة. أن نرى أميركا كما هي: قوّة كبرى، لا إلهاً؛ دولة مصالح، لا ضميراً كونياً؛ إمبراطورية حديثة، لا قدراً نهائياً. وأن نرى مجتمعاتنا كما هي أيضاً: مجتمعات مأزومة، نعم، ومُثقلة بالاستبداد والتبعية والانقسامات، لكنها ليست كتلة دونية خارج التاريخ، وليست قاصرة بطبيعتها، وليست بحاجة أبدية إلى مَن يؤدّبها بالقنابل والعقوبات والدروس الأخلاقية. الاستشراق المُضمر أخطر من الاستشراق الصريح لأنه يتكلّم بلساننا. يلبس أسماء الحداثة، والعقلانية، والإنسانية، والواقعية، لكنه يهرب من السؤال الأشدّ بساطة: لمصلحة مَن يعمل هذا الخطاب؟ أيّ وعي ينتجه؟ وأيّ ذات عربية يصنعها؟ هل يصنع إنساناً قادراً على النقد والفعل، أم إنساناً مقتنعاً بأن دوره الوحيد هو الاعتذار عن وجوده؟ حين يستعير المثقّف العربي أسمال الإمبراطورية، لا يصبح أميركياً، ولا غربياً، ولا حديثاً. يصبح مجرد ظل ثقافي لقوة لا تراه إلا تابعاً، وشاهداً محلياً على دونية يُراد لها أن تبدو اعترافاً ذاتياً. أمّا خلع هذه الأسمال فلا يعني الانغلاق، ولا كراهية الغرب، ولا رفض المعرفة الحديثة، بل يعني استعادة الحق في النظر إلى العالم من موقع الذات لا من موقع العبد المفتون بسيّده. يعني أن نتعلّم من العالم كله، لكن من دون أن نرهن عقولنا للقوّة الغالبة. ويعني، قبل كل شيء، أن ندرك أنّ أول شروط التحرّر هو أن تكفّ الضحية عن استعارة لغة الجلاد لوصف نفسها. الكاتب: نواف الموسوي نائب سابق، مسؤول «ملف الموارد والحدود» في حزب الله 30 ايار 2026 المصدر: الاخبار  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى