عاجل عاجل | التفوق العسكري وعجز الاستراتيجية.. تقييم نتائج الحرب الصهيونية على إيران ولبنان
صحافة

عاجل | تحليل الاعيب ترامب

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | تحليل الاعيب ترامب

لا يمكن اختزال خطاب ترامب بمجرد أسلوب سياسي مثير للجدل بل يجب فهمه كظاهرة معرفية سياسية عملت على توجيه الواقع السياسي لدى معظم المتابعين من جمهور ونخب ووسائل إعلام. ولا شك أن ترامب حقق نجاحًا في خطابه ولو كان وقتيًا إلا أنه كان قويًا جدًا في مستوى التأطير والإدراك، وأضعف في المستوى المؤسساتي كأسلوب مستقر بالمقارنة مع الرؤساء السابقين، وهذا الجانب مرتبط بشكل خاص بشخصية ترامب.

فالحالة الفريدة التي شكلها هذا الرجل تستدعي منّا النظر الى كيفية تشكلها، ولفهم أوسع لكيفية بناء خطاباته وترويجها يجب أن نضيء على مسار من تاريخه التجاري ولو جزئيًا وعلى خلفية بنية عقيدته الفكرية وكيفية تطورها الى أن وصل الى الرئاسة الأمريكية. وعبر الإطلالة على ما أطلق عليها الدروس الستة التي علمها روي كوهن لترامب خلال مساره التجاري وحفظها وطبقها خلال ولايته الأولى والحالية لدرجة أنه كان يسأل المحيطين به عند الأزمات (أين روي كوهن الخاص بي؟) وقد برز تطبيقه لهذه القواعد الست أو الدروس الستة بشكل جلي خلال الحرب على إيران مع كثرة خطاباته الإعلامية ومنشوراته على تروث سوشيل وتختصر هذه القواعد بـ : (لا تعتذر أو تعترف بالخطأ مطلقًا)، (الهجوم المضاد دائمًا، وبقوة أكبر من القوة التي وُجهت إليك)، (التلاعب بالإعلام بلا رحمة)، (استخدام الخوف سلاحًا ودرعًا)، (ابنِ حصنًا من الولاء حول نفسك)، (استخدام النظام القانوني كسلاح، لا كملاذ للعدالة).

ومن أبرز تأثيرات روي كوهن على ترامب كان عامل التهديد عبر المهل الزمنية وهي كانت أسلوبه المعتاد كمحامٍ بحيث كان يرسل التهديدات نيابة عن موكليه، وشرحها كوهن كالتالي: "اسمع يا سيد، هذه هي الساعة الحادية عشر قبل أن يضرب الوحش"، وكان الناشرون وشبكات التلفزة ورؤساء التحرير معتادين على تلقي اتصالات أو رسائل تهديد من كوهن، وكان كثير منهم يتراجعون ببساطة خوفاً من الكلفة القانونية الباهظة لمواجهته.

وقد عبر ترامب عن إعجابه بهذه الإستراتيجية بحيث كان يقول: "مجرد إرسال رسالة من روي كوهن وفر علينا أموالاً كثيرة، فعندما يعرف الناس أن روي متورط في القضية، يفضلون تجنب الدخول في الدعاوى وكل ما يترتب عليها".

وقد ظهر تأثير هذه الإستراتيجية أثناء الحرب على ايران عندما تحدث عدّة مرات عن إعطاء مهل زمنية لإيران قبل ضربها وتدميرها وإعادتها الى العصر الحجري.

دمج ترامب كل ما تعلمه بأسلوب جعله يؤثر على إدراك الجماهير والإعلام بشكل كبير بحيث نجح في زعزعة النظام التقليدي لإنتاج الصورة الإعلامية الحقيقية، وهذا ما أشار اليه فوكوياما بأن الحقيقة ليست مجرد مطابقة للواقع بل نتيجة شبكة من المؤسسات والخطابات التي تحدد ما يعتبر حقيقيًا، وعمل على هذا الأساس من حيث أنه نزع التأثير المباشر للمؤسسات التي تعتبر أنها تنتج "الحقيقة" أو تعبر عنها سواء كانت إعلامية أو إدارية، وتخطاها عبر إعادة تعريف مصادر الحقيقة وإلصاقها به مباشرة عبر تأطيرها بشخصه مباشرة عبر الظهور بمظهر الزعيم والقائد المتحكم بمسار الأمور، والتركيز على ما يراه الناس بأعينهم والسيطرة على إدراكهم عبر هذه التجربة، خاصة مع إنتاج "الخطاب المؤامراتي" بما يتعلق مثلًا بالداخل الأمريكي بحديثه عن "الدولة العميقة" وهجومه عليها مما يجعل الجمهور العادي ينشدّ الى خطاباته غير التقليدية من هذا النوع، أو الأنواع الأخرى التي تحمل شعارات رنانة على سبيل "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" أو في ما يتعلق بإيران مثلًا لدفع الجمهور لتشكيل إطار ذهني ومعرفي ورؤية إيران كمصدر للخطر والتهديد، لذلك عبر هذا الأسلوب استطاع خلق صراع داخل نظام "الحقيقة" المرتبط بالإعلام، وبدل استبداله بنظام جديد، نقله من التمحور حول "حقيقة" واحدة الى مجموعة "حقائق" متنازع عليها.

وقد استطاع بنجاح إعادة تشكيل "البيئة الإدراكية" للجمهور والإعلام وجزء هام من النخب عبر اختزال الواقع بما يقدمه من صور ذهنية شديدة البساطة والقوة وهذه الفكرة التي نظر لها والتر ليبمان صاحب الأثر الكبير في الفكر السياسي والإعلامي الأمريكي وخاصة في مجال "التلاعب بالرأي العام"، وفكرته المركزية أن الجمهور لا يتعامل مع العالم بشكل مباشر إنما عبر الصورة الوسيطة التي تُنتج بالإعلام والخطاب، وقد استغل ترامب هذه الآلية بشكل مكثف، حيث حول مجموعة قضايا معقدة الى صور مباشرة وسهلة التشكل ذهنيًا، ففي صراعه الإنتخابي مع بايدن حول مسألة الحدود المفتوحة إلى صورة الفوضى والغزو، وفي صراعه مع المؤسسات الإعلامية الأمريكية ألصق بها صورة الكذب والتضليل وخاصة عند تعامله المباشر مع وسائل الإعلام التي تعارضه، والصورة الهامة أنه ربط صورة أمريكا القوية بشخصه، مع تكراره لفكرة انه منقذ أمريكا من الإنهيار.

مجموع هذه الصور لم تعمل كتحليل للواقع بل كبدائل إدراكية للواقع نفسه، ومع التكرار المستمر لها اصبحت ركيزةً وإطارًا أوليًا لفهم أي حدث جديد بحيث تفسّر الوقائع داخل هذا البناء الذهني، وهنا يتحقق الجوهر الذي تحدث عنه والتر ليمان بالإستبدال التدريجي للواقع الحقيقي بواقع آخر مصطنع.

وعلى مستوى آخر جاء أسلوب ترامب مرتبطًا ببناء الإطار الذهني الشديد القوة والبسيط مع مقدرة على تعميمه، فالإطار الذي اعتمده كما يحدده جورج لاكوف ليس مجرد لغة ومصطلحات خطابية بل بناءً معرفيًا يدفعك لتحديد ما يمكن فيه التفكير مسبقًا، وقد لخصها لاكوف بعبارته الشهيرة "لا تفكر في الفيل". فيترامب لم ينافس في رسائله التي يخرج بها سواء بالخطاب المباشر أو عبر تروث سوشيل بالتفاصيل بل بوضع الإطار السردي المغلق نفسه.

وقوة الإطارات بصورتها الأخلاقية "ثنائية الخير والشر"، بسيطة وليست معقدة، وتعمل على العواطف ما بين الخوف والغضب مع القابلية للتكرار بسهولة.

وهذه الإطارات مع الوقت تدفع الجمهور بعيدًا عن مناقشة الوقائع والتفكير فيها، بل ما فرض عليه داخل الإطار مسبقًا، وهذه النقطة المركزية عند لاكوف بحيث يصبح الإطار سابقًا على التفكير نفسه.

وعلى هذا النسق يمكن فهم الحالة الترامبية من منظور إعادة تشكيل آلية التفكير ولكن بشكل لا مركزي وجعلها مصنّعة بشكل عالي المقبولية "تصنيع القبول"، وهذا النموذج الكلاسيكي الذي عبر عنه تشومسكي بأنه يتم تصنيع القبول عبر الإعلام والنخب السياسية والإقتصادية بشكل متناسق نسبيًا، فترامب عمل على آلية تصنيع القبول التي تحدث عنها تشومسكي إنما ليس بنفس الشكل بل أعاد إنتاجها بشكل مختلف، فبدل الإعلام التقليدي اعتمد على الخطاب المباشر وخصوصًا عبر تروث سوشيل، وعلى الخطاب المباشر خلال التجمعات الشعبية الضخمة التي تعمل كمساحة لإعادة إنتاج السردية التي يريدها وترسيخها في الأذهان مع التكرار، وبشكل جزئي عبر القنوات الإعلامية الحليفة كفوكس نيوز، وهذا ما أدى الى ظهور نظام تصنيع قبول موازٍ للعمل الإعلامي التقليدي وإن لم يكن موحدًا على مستوى الدولة إنما هيّأ كتلة مؤيدة للخطاب ومتماسكة معرفيًا، وكتل معارضة تشتغل بإطارات مختلفة، وهذا هو الفارق أو التحول المهم مع نموذج تشومسكي من تصنيع الإجماع على مستوى واسع من الجماهير الى تصنيع الإستقطاب عبر تثبيت كل جمهور داخل روايته الخاصة وجعلها تبدو له الحقيقة الوحيدة والمعقولة.

الخلاصة

أثارت طريقة ترامب في الخطاب الجدل بشكل كبير لدى كل وسائل الإعلام والنخب وصنّاع القرار، فهو لم يكن يثير الضجيج فقط بل نجح بشكل كبير في إعادة صناعة الطريقة التي يدرك بها الناس الواقع السياسي نفسه، فقد أدرك عبر مسيرته أن الجماهير تتعامل مع الأحداث بحسب الصورة الذهنية والروايات والإطار الذي توضع بداخله ولذلك عمد إلى بناء الصورة التي يريدها مع تكرارها بشكل مفرط أكثر من التركيز على النقاش التفصيلي أو الحجج المعقدة.

وكانت استفادة ترامب من دروس روي كوهن بأنه استطاع أن يجعل نفسه محور الرواية السياسية والمتحكم بحركتها بحيث أصبح شخصيًا مصدرًا لتفسير الأحداث وتحديد معانيها.

وقد استطاع تبديل الواقع المعقد بالصور الذهنية البسيطة والقوية بحيث يسهل تأفادها، والتفاعل معها بسرعة، ومن خلال الأطر التفسيرية المسبقة والقوية جاء تأثير ترامب في كيفية فهم القضايا العامة، بحيث أصبحت أوسع فئات من الجمهور تتعامل مع الحدث ضمن الحدود الإدراكية التي رسمها في خطابه بعيدًا عن الوقائع ذاتها، ونتيجة لذلك انتقل الجدل العام من مناقشة الحقائق إلى التنافس بين الأطر التفسيرية التي تُعطي تلك الحقائق معناها. وكذلك أعاد تشكيل آلية "تصنيع القبول" عبر وسائل التواصل الإجتماعي واللقاء المباشر مع الجماهير، ما أنتج له الجمهور المتماسك حول سردياته التي يبثها ويكررها، وبذلك أفقد الإعلام التقليدي احتكاره للسيطرة على الجمهور.

كانت أهم نتائج ترامب بأنه استطاع كسب المؤيدين وإثارة المعارضين وأكثر من ذلك أنه أنتج واقعين سياسيين متوازيين سواء عند الجمهور في الداخل الأمريكي أو في خارجه بحيث جعل لكل واقع خاصيته ومؤيديه ومعارضيه واللغة الخاصة التي يفسر بها المجتمع والسياسة والحروب والإتفاقيات، ومن هنا تشكلت الظاهرة الترامبية في الإعلام بحيث أنها لم تغير آراء الجمهور فقط بل ذهبت أعمق من ذلك نحو الطريقة المؤطرة التي يفكرون بها في السياسة والواقع.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى