عاجل عاجل | يوميات الحرب على لبنان 25052026
العرب والعالم

عاجل | أسطورة السيطرة الأميركية المطلقة على إسرائيل

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | أسطورة السيطرة الأميركية المطلقة على إسرائيل
في يومٍ من الأيام، وقف المدير السابق لمنظمة «أيباك»، وهي تمثّل أقوى جماعات الضغط السياسي في الولايات المتحدة، ستيفين روزين، متفاخراً يقول: «في غضون 24 ساعة يمكننا أن نجمع توقيعات سبعين سيناتوراً على منديل»، في إشارة صارخة إلى حجم التأثير السياسي الذي تمارسه لوبيات الضغط الصهيونية داخل أروقة القرار في الولايات المتحدة الأميركية. وقد وُلدت، عبر الزمن، قناعة ضمنية شاملة في أميركا بأنّ أي مشروع قانون ترعاه «أيباك» سيمرّ مرور السحاب وبسرعة خاطفة. وثمّة تفاهم ضمني يسري مسرى المثل الطاغي في «كابيتول هيل»، مفاده أن التصويت ضد مصالح إسرائيل يضاهي انتحاراً سياسياً. منذ إعلان دولة الكيان الصهيوني المغتصِبة عام 1948، نشأت، بالتوازي، جدلية قائمة بذاتها حول محدّدات العلاقة التي تجمع الأخيرة بالولايات المتحدة. فقد أظهرت العديد من المحطات ذات الطابع المفصلي في المسار السياسي أنّ الأمر لا يحمل من البساطة تلك الأفكار التي تفيد بأن إسرائيل مجرّد قاعدة أميركية خالية الإرادة وفارغة من حيث المضمون الهويّاتي الخاص. لطالما عملت إسرائيل على امتلاك مقوّمات عملانية تجعلها في موقع المؤثّر داخل ردهات السياسة الخارجية الأميركية، عبر استعمال المال والنفوذ تارة، وباستخدام «الابتزاز» تارة أخرى. إبّان التحضير للانتخابات الرئاسية الأميركية عام 1991، وقبل عدة أسابيع من «مؤتمر مدريد»، طلبت تل أبيب من واشنطن ضمانات قروض بقيمة 10 مليارات دولار لبناء مستوطنات جديدة، وهو ما كان يشكّل معضلة سياسية كبيرة في أميركا، لأن بناء المستوطنات على أرض الـ67 كان سيضع الرئيس جورج بوش الأب في موقف حرج أمام الدول العربية في حال دعمه المشروع الاستيطاني المنشود. لكنه، في الوقت نفسه، لم يكن يمتلك ترف الرفض المطلق على أبواب الانتخابات التي كان يطمح من خلالها للفوز بولاية رئاسية ثانية، فقرّر الالتفاف والمناورة. حينها، تقرّر إرجاء دراسة ضمانات القروض أربعة أشهر، لفسح المجال أمام مسار مؤتمر مدريد، فاشتعلت المواجهة بين البيت الأبيض وأنصار إسرائيل في الكونغرس، ليُعلِن بوش بعدها، في آذار من العام التالي (1992)، رفض الطلب الإسرائيلي بشكل رسمي. وما لبث كبار المانحين الموالين لإسرائيل أن انشقّوا عنه، وقلبوا الدعم نحو منافسه الديمقراطي بيل كلينتون، وكانت العاقبة أن فاز الأخير في الانتخابات، ليُحرم بوش من ولاية ثانية بعدما عاند إسرائيل ووقف في وجه إرادتها. وبعد ذلك، عام 1995، عرضت إيران عقداً على شركة «كونوكو» النفطية الأميركية لتطوير حقول النفط والغاز في جزيرة سيري بقيمة مليار دولار. وقد فُسّر القرار الإيراني، في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني، على أنه مبادرة لتحسين العلاقة مع أميركا. وأبدت الولايات المتحدة حينها حماساً تجاه العرض، واعتبرته فرصة لا تُفوّت. لكن، وفي خضمّ العمل على تثبيت المسارات القانونية لإتمام الصفقة، أصدرت «أيباك» تقريراً من 74 صفحة حمل عنوان: «عقوبات أميركية شاملة ضد إيران: خطة عمل»، دعت فيه الولايات المتحدة إلى قطع علاقاتها التجارية والاقتصادية مع إيران. تلقّى الرئيس كلينتون الرسالة «الضمنية» الكامنة وراء التقرير، والتي بدت كخطوة ابتزازية إسرائيلية في خضمّ عملية السلام النشطة. فرأى فيها تهديداً بالانسحاب من العملية برمّتها. وفي غضون ثلاثة أسابيع فقط، انقلب البيت الأبيض على صفقة «كونوكو» بشكل حادّ، وأصدر أمرين تنفيذيين بحظر تعامل جميع شركات النفط الأميركية مع إيران. وقد أُعلن عن ذلك أمام «المؤتمر اليهودي العالمي» من قبل كلينتون نفسه. ثارت ثائرة الشركة المستفيدة (كونوكو)، وشنّت حملة شعواء تحذّر من إضاعة فرصة «المليارات»، لكنّ اللوبي الصهيوني كان أقوى بكثير من لوبي النفط، ففرض إرادته وكسر الطموح في بداياته. وخلال حرب الإبادة في غزة، ومع ازدياد الضغوط على الولايات المتحدة، قرّر الرئيس الأميركي السابق جو بايدن رفع السقف قليلاً في وجه الحكومة الإسرائيلية، في محاولة للخروج من دائرة الإحراج العالمي، وفي ظل المجازر التي كانت تُرتكب أمام أعين العالم، فشدّد خطابه تجاه الحكومة الإسرائيلية، ملوّحاً بوقف الإمدادات العسكرية اللامحدودة للكيان. عندها، خرج بنيامين نتنياهو في خطاب تعبوي، لابساً عباءة المظلومية، وخاطب المجتمع الإسرائيلي بأن الحرب مسألة وجود، وأنهم «مستعدون للقتال بأظْفارهم» إذا نفد السلاح. تراجع بايدن يومها أمام إصرار نتنياهو، ولم يُمنح حتى فرصة التظاهر بوقف الدعم، الذي كان، في الأصل، نفاقاً بعيداً عن الواقع. لا شكّ في أن العدوان الأخير على إيران كان، من ناحية الواقعية الأميركية، خالياً من أي جدوى مضمونة على الأقل، فيما كانت مخاطر الفشل فيه كبيرة، والفجوة التي تفصل الأهداف عن تحقيقها عميقة. ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التحليل لمعرفة أن الهجوم على إيران ما كان ليحدث لولا الإقناع الإسرائيلي لترامب، والذي احتاج إلى مشاركة «الموساد» ومراكز الدراسات المنسجمة مع وجهة نظر نتنياهو ورؤيته للمعركة مع إيران بشكل خاص. هذا الأخير، الذي ينفّذ مشروعاً عمل عليه لعقود، وجهّز مقوّماته طيلة السنوات الماضية، يمتلك رؤية تقوم على أن القوة ستحقّق أهدافها في نهاية المطاف، وأن الزمن كفيل، حين تؤازره العدوانية الهمجية، بكسر إرادة العدو، ولو كانت تلك الأفكار تناقض دروس التاريخ، القديم منه والحديث. أميركا، التي تعلّمت من تجارب كثيرة خلال القرن، من فييتنام إلى العراق مروراً بأفغانستان، تعلم، بدرجة شبه يقينية، أن المسار الصلب لا يجلب النتائج المرجوّة، وأنه، في أحسن الأحوال، ينشر الفوضى داخل الميادين المُستهدفة من دون أن يحقّق ربحاً استراتيجياً فعلياً. لذلك، عمدت الولايات المتحدة، مع خصومها «الخطرين»، إلى التعامل وفق مُحدّدات مرنة، وبنفس طويل، وبوسائل مُتشعّبة وأقل كلفة، بغية إضعاف أعدائها أو إخضاعهم. وبمعزل عن أن هذا المسار لم يجلب نتائج يُعتدّ بها، فإنه بقي أقل كلفة على الإدارة الأميركية، وفيه من المرونة ما يمنحها ارتياحاً أكبر في لعبتها الإمبراطورية الساعية إلى الهيمنة على العالم. لم يرق هذا الخيار لنتنياهو، وكانت عينه دائماً على اعتماد أصلب الطرق لتحييد إيران عن دربه. فهو يعتبر أن تحييد إيران يعبّد الطريق أمامه للسيطرة على المنطقة بأسرها، إذ لا تتضمن أطماعه الدول المعادية فقط، بل تشمل أيضاً دولاً تعتبر نفسها محورية ومؤثّرة. وما حدث في سوريا بعد سقوط الأسد خير دليل على ذلك. وهناك برز الاختلاف في الرؤى بين إسرائيل وأميركا تجاه سوريا، وتباينت وجهات النظر حول ما يجب فعله حيال الدولة المحاذية لإسرائيل. وباعتقاد نتنياهو، وهو ما يلامس الحقيقة إلى حدّ ما، أن فعالية إسرائيل في المنطقة تتخطى الفعالية الأميركية، وأنها، من الناحية التكتيكية، تستطيع فرض قوتها ضمن هذا الإطار بقدرة تفوق القدرة الأميركية أيضاً. وانطلاقاً من هذه النظرية، أرادت الحكومة الإسرائيلية فكّ القيود الأميركية شيئاً فشيئاً داخل هذا المضمار، والانطلاق نحو الاندفاعة العسكرية والإصرار عليها، والدفاع عنها كلّما واجهت عوائق أميركية. ومن باب الواقعية، لا نتبنّى فكرة أن اليد الإسرائيلية أصبحت مُطلقة بالكامل، ففي نهاية الأمر لا تستطيع إسرائيل الخروج من عباءة أميركا، بخصائصها الإمبراطورية، بوصفها الراعية والحاضنة للمشروع الإسرائيلي. نحن هنا نتحدّث عن التاريخ بوصفه مسارات ومحاور، وعن المعركة بجزئياتها المؤثّرة في مساراتها العامة. وخلال الحرب الأخيرة، التي لا تزال قائمة حتى الآن، باتت إسرائيل تشكّل المعضلة الأساسية أمام إنهائها. فحالة عدم اليقين التي يعيشها الكيان جعلته متمرّداً، بشكل شبه دائم، على مختلف المسارات المطروحة لإنهاء الحرب، وظهر للعيان أن الحكومة الإسرائيلية هي من يعيق الوصول إلى الخواتيم. مشكلة إسرائيل اليوم، بمعزل عن الأزمة الحقيقية التي ورّطت أميركا نفسها فيها، أنها ترى اللحظة الراهنة فرصة مناسِبة للإجهاز على أعدائها، بعد سلسلة الخسائر التي مُني بها هؤلاء منذ 7 أكتوبر. وبالتالي، فهي تُلبِس اندفاعتها لبوس الطموحات الصفرية، ولا تكترث للمدة التي مضت من دون تحقيق هدفها الأسمى بالقضاء على جميع الأعداء. ونحن اليوم عالقون في تلك المتاهة، مُقيّدون بالعدوان الإسرائيلي الذي لا أفق له. لذلك، لا يجب أن نقرأ المشهد من منظار أميركي فقط، وأن نتغاضى عن الدور الإسرائيلي الفاعل في هذه المعركة. فصحيح أن معركتنا الكبرى مع رأس الشر، أميركا، لكننا، على مستوى منطقتنا، محكومون بالتأثير الإسرائيلي المباشر، ويجب التصرّف دائماً وفق هذا الأساس. * الكاتب علي حجازي 26ايار 2026 المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى