عاجل عاجل | ما الذي قصده فؤاد مخزومي بالحديث عن “المنطقة من نهر الأولي نزولًا”؟
العرب والعالمثقافة

عاجل | هرمز بالبيتكوين: مَن يريد الخروج من الدولار؟

«هرمز سايف» منصة إيرانية تُسوّي أقساط التأمين البحري بالبيتكوين في أحد أكثر ممرات النفط حساسيةً في العالم. هل نحن أمام ولادة «البتروبتكوين»، أم أنّ التقنية لم تنضج بعد لهذا الدور؟

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | هرمز بالبيتكوين: مَن يريد الخروج من الدولار؟
في منتصف أيار (مايو) الحالي، صرّحت إيران عن منصة أطلقت عليها اسم «هرمز سايف»، تصف نفسها بأنها نظام تأمين بحري رقمي يعمل عبر العملة المشفرة الأشهر على الإطلاق: بيتكوين، ويستهدف ناقلات النفط والبضائع العابرة لمضيق هرمز والخليج الفارسي. تُشرف على إعدادها وزارة الاقتصاد والشؤون المالية الإيرانية، وتعمل وفق آلية تقنية واضحة المعالم: يختار مشغّل السفينة أو صاحب البضاعة وثيقة التأمين المناسبة، يُسدّد القسط عبر شبكة البيتكوين، ويستلم فور تأكيد المعاملة على البلوكتشاين إيصالاً رقمياً مشفراً يُثبت سريان الوثيقة. تشمل التغطية المعروضة أخطار التفتيش واحتجاز السفينة وضياع البضاعة، وتشير التقارير إلى أن طهران تتوقع أن تدرّ المنصة ما يزيد على عشرة مليارات دولار سنوياً. ما يجعل هذه المبادرة لافتة تقنياً هو اختيار البيتكوين تحديداً أداةً للتسوية في منظومة مالية مرتبطة بواحد من أكثر الممرات البحرية حساسيةً في العالم، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط المتداول عالمياً يومياً.

من البترودولار إلى البتروبتكوين: منطق البنية التحتية

في عام 1974، أرست الاتفاقية التي أبرمها وزير الخارجية الأميركي هنري كيسينجر مع المملكة العربية السعودية نظام البترودولار، القائم على تسعير النفط بالدولار وإعادة تدوير الفوائض النفطية في سندات الخزينة الأميركية. ما أنتجه ذلك كان ربطاً عضوياً بين الطاقة وعملة الاحتياط العالمية، استمر لأكثر من نصف قرن. يستعيد مفهوم «البتروبتكوين» هذا المنطق من زاوية البنية التحتية المالية: فبدلاً من أن يكون الدولار الوسيط الإلزامي في تجارة الطاقة، يُطرح البيتكوين بديلاً تقنياً قادراً على معالجة التسويات بصورة فورية، من دون حاجة إلى وسيط مصرفي أو شبكة «سويفت» SWIFT. وهرمز، بكثافته النفطية وموقعه الجغرافي، يمثّل الساحة التجريبية الأنسب لاختبار هذا التصور، والسؤال الأدق هو لماذا البيتكوين تحديداً من بين عشرات العملات المشفرة المتاحة.

درس الـ USDT: تطور تقني في فهم اللامركزية

لفهم اختيار البيتكوين تحديداً، لا بد من استحضار ما جرى قبله. اعتمدت إيران، وفق تقارير شركة Chainalysis لتحليل البلوكتشاين، اعتماداً رئيسياً على عملة USDT الرقمية المستقرة (كل عملة منها تساوي دولاراً واحداً دائماً، لهذا تدعى مستقرة) المتداولة عبر شبكة «ترون» لتحريك أموالها خارج القنوات المصرفية التقليدية. غير أن السلطات الأميركية جمّدت ما يزيد على 344 مليون دولار من هذه الأصول في وقت سابق، مستخدمةً صلاحية تملكها شركة Tether المُصدِرة لـ USDT: القدرة على تعطيل أي محفظة بأمر قضائي. هنا يكمن الفارق التقني الجوهري الذي تكشفه «هرمز سايف»: العملات المستقرة، رغم كونها كريبتو، تُعيد إنتاج نقطة الضعف نفسها الموجودة في النظام المصرفي التقليدي، أي وجود طرف مركزي يملك صلاحية التجميد. أما البيتكوين، فبنيته اللامركزية الكاملة تعني أن لا جهة واحدة في العالم تملك صلاحية إيقاف معاملة مكتملة أو تجميد رصيد محفوظ في محفظة خاصة. صارت كوريا الشمالية تُجسّد هذا الفهم على نطاق أوسع، إذ وثّقت تقارير عدة تحويلها جزءاً من مكتسباتها السيبرانية إلى بيتكوين تحديداً، فيما يكشف أن الجهات المحاصرة مالياً صارت تُميّز بدقة بين درجات اللامركزية داخل عالم الكريبتو.

مفارقة الشفافية: سيف ذو حدين

تطفو هنا إحدى أعمق الإشكاليات التقنية التي تواجهها «هرمز سايف». اختيار البيتكوين مبرَّر بكونه لا مركزياً، غير أن هذه الخاصية تأتي مقرونة بثمن تقني: سجل البلوكتشاين عام ومكشوف بالكامل وغير قابل للتعديل. كل معاملة مسجّلة إلى الأبد مع عناوين المحافظ المرسِلة والمستقبِلة. تعمل شركات تحليل البلوكتشاين من أمثال Chainalysis وElliptic على رصد المعاملات المرتبطة بكيانات خاضعة للعقوبات، وتصنيف العملات المنبثقة منها «ملوّثة»، ما يُعسّر تصريفها في منصات التبادل الدولية حتى بعد استلامها. البيتكوين بهذا المعنى يجعل المعاملة مرئيةً للجميع مع استحالة تجميدها في آنٍ واحد، وهذا فارق تقني جوهري كثيراً ما يُلتبس على غير المتخصصين. الحل التقني المطروح لهذه الإشكالية هو استخدام تقنيات تعزيز الخصوصية مثل CoinJoin أو البروتوكولات المبنية على إثباتات المعرفة الصفرية، غير أن اعتمادها على نطاق «هرمز سايف» يُضيف طبقة من التعقيد التشغيلي تجعل المنصة أصعب استخداماً لمشغّلي الناقلات الذين لا يمتلكون بالضرورة خبرة تقنية في هذا المجال.

معضلة إعادة التأمين

إن آلت «هرمز سايف» إلى التشغيل الفعلي، يرى بعض المحللين أن التحدي التقني سيمتد إلى ما هو أبعد من البلوكتشاين. فالتأمين البحري يعمل عبر ركيزتين أساسيتين: احتياطيات مالية ضخمة، وشبكة إعادة تأمين لتوزيع الأخطار الكارثية على جهات متعددة. والسؤال المطروح هو ما إذا كان البيتكوين قادراً على حل إشكالية الملاءة المالية التي تُشكّل جوهر منتج التأمين، أم أنه سيظل أداةً للتسوية والدفع فحسب. يُضاف إلى ذلك أن تقلّب سعر البيتكوين قد يُعقّد حسابات الأقساط والتعويضات، إذ إن الاحتياطي المحتسب بالبيتكوين اليوم قد لا يعادل القيمة نفسها غداً، وهو ما يجعل بعضهم يتساءل عن مدى صلاحية هذه العملة عملةً مرجعية لمنتج مالي يشترط بطبيعته الاستقرار. غير أن هذه التساؤلات كلها رهينة بما ستؤول إليه المنصة، وما إذا كانت ستبصر النور تشغيلياً أصلاً.

ما تعنيه هذه التجربة لمسار البيتكوين

بصرف النظر عن مآلات «هرمز سايف» التشغيلية، تطرح هذه المبادرة سؤالاً أكبر حول مكانة البيتكوين في الاقتصاد العالمي. ظل البيتكوين لسنوات أسيراً لتعريفين متنازعين: أصل مضارَب يُخزَّن في المحافظ الرقمية، أو عملة للمعاملات اليومية الصغيرة. ما تحاول «هرمز سايف» اختباره هو تعريف ثالث: البيتكوين بنيةً تحتية للتسوية في التجارة الدولية الكبرى. هذا التعريف الثالث، إن نضجت شروطه، سيُغيّر طبيعة الطلب على البيتكوين تغييراً جوهرياً. فالطلب المرتبط بالمضاربة طلبٌ متقلب يتبع دورات السوق، أما الطلب المرتبط بتسوية التجارة الطاقوية، فطلبٌ هيكلي مستمر يشبه في طبيعته الطلب الذي خلقه البترودولار على الدولار. وفي ذلك تكمن الأهمية التقنية والاقتصادية الحقيقية لما تُجرّبه إيران في هرمز، بعيداً عن كل ما عداه.

استقبال مجتمع الكريبتو

حين انتشر الخبر، كان سعر البيتكوين قد هوى إلى ما دون 76,600 دولار، فقفز فور صدور تقارير «هرمز سايف» إلى 77,700 دولار في وقت قصير. وهو ارتفاع يقول كثيرون إنه يكشف عن حساسية السوق للأخبار الجيوسياسية أكثر مما يُعبّر عن تقييم حقيقي للمنصة. على منصة «إكس»، انتشر الخبر بسرعة لافتة، ورأى حساب Coin Bureau أن عشرة مليارات دولار تُمثّل ما يقارب واحداً بالمئة من القيمة السوقية الإجمالية للبيتكوين، مشيراً إلى أن تدفق هذا الحجم عبر قناة واحدة سيكون حدثاً غير مسبوق في تاريخ العملة. في المقابل، بقيت أسعار البيتكوين تحت ضغط أشمل جرّاء توقعات التضخم وترقّب قرارات الفيدرالي الأميركي بشأن أسعار الفائدة، في سياق فقد فيه سوق الكريبتو ما يقارب تسعين مليار دولار من قيمته خلال موجة تصحيح واسعة.   الكاتب: علي عواد الجمعة 22 ايار 2026 المصدر : الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى