عاجل عاجل | الخارجية القطرية: نجدد تضامننا مع السعودية وندعم ما تتخذه من إجراءات...
صحافة

عاجل | “أعطوني البديل”: هذا هو البديل فخامتك

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | "أعطوني البديل": هذا هو البديل فخامتك

منذ وصوله إلى قصر بعبدا، يكرر الرئيس اللبناني جوزاف عون مقولة واحدة أصبحت بمثابة عنوان لسياسته: "لا يوجد خيار آخر بديل عن الدبلوماسية، أعطوني البديل". فوفق رؤيته، إن الواقع الإقليمي والدولي، وفارق موازين القوى العسكرية بين لبنان والكيان الإسرائيلي، المدعوم بفائض قوة أميركي، تجعل من التفاوض المباشر وتقديم تنازلات الخيار الوحيد الممكن أمام السلطة السياسية اللبنانية.

لكن هذا الطرح يجافي الواقع، ويقوم على فرضية أن لبنان ضعيف "قوة لبنان في ضعفه" ما يعني بالضرورة سقوط كل الخيارات الأخرى. بينما تظهر التجربة التاريخية اللبنانية وفق قراءة نقدية لمسار العقود الثلاثة الماضية، أن الدبلوماسية لم تكن يوماً منفصلة عن عناصر القوة، وأن أكثر الاتفاقيات التي حقّق فيها لبنان مكاسب لم تنتج عن التفاوض المجرد، بل عن تلاقي ثلاثة عناصر: وحدة داخلية، غطاء رسمي من الدولة، ووجود قوة ردع قادرة على تعديل حسابات العدو، ضمن معادلة الجيش والشعب والمقاومة.

من هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: "ما هو البديل؟"، بل: هل يمكن لدولة أن تفاوض عدواً يحتل أرضها ويملك تفوقاً عسكرياً كبيراً من دون أن تمتلك أوراق ضغط؟ وهل تكون الدبلوماسية فعالة عندما تتخلى الدولة مسبقاً عن عناصر قوتها؟

هذه الإشكالية تعيد فتح المقارنة بين أربع مراحل سياسية لبنانية مختلفة:

أولاً: تجربة 1996...معادلة الجيش والشعب والمقاومة

في عام 1996، شنّ الاحتلال الإسرائيلي عملية "عناقيد الغضب" على لبنان، في محاولة لفرض معادلات جديدة بعد تصاعد عمليات المقاومة ضد الاحتلال. في تلك المرحلة، لم تكن الدولة اللبنانية تنظر إلى المقاومة بوصفها عبئاً يجب التخلص منه، بل تعاملت معها كجزء من منظومة الدفاع الوطني في مواجهة الاحتلال. فقد وقف رئيس الجمهورية إميل لحود ورئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، رغم اختلافاتهما السياسية في ملفات عديدة، خلف موقف لبناني موحد، بالتوازي مع دور الجيش اللبناني والمقاومة في مواجهة العدوان. واستخدم الحريري شبكة علاقاته العربية والدولية للضغط السياسي والدبلوماسي، لكن هذا الضغط لم يكن منفصلاً عن واقع الميدان. فالدبلوماسية اللبنانية آنذاك لم تعتمد على مناشدة المجتمع الدولي فقط، بل كانت تستند إلى وجود مقاومة قادرة على إيلام الاحتلال وإفشال أهدافه.

وهكذا ولدت تفاهمات نيسان 1996، التي شكّلت نموذجاً على أن التفاوض يصبح أكثر فاعلية عندما يكون خلفه توازن ردع، وليس عندما يكون الطرف اللبناني في موقع المتلقي للشروط.

ثانياً: ما بعد 2006... اتفاق وقف النار الذي صنعته معادلة الردع

بعد حرب تموز 2006، دخل لبنان مرحلة جديدة. فالحرب التي أرادت إسرائيل من خلالها إنهاء قدرة المقاومة على الردع لم تحقق أهدافها المعلنة، وانتهت إلى معادلة مختلفة فرضتها نتائج الميدان.

في تلك المرحلة، لم يكن العامل العسكري وحده هو الذي أنتج الاستقرار على الحدود الجنوبية الذي استمر 18 سنة، بل أيضاً وجود تفاهم داخلي حول إدارة المرحلة. فقد كانت رئاسة الجمهورية والحكومة والجيش لا تتعامل مع المقاومة باعتبارها عدواً داخلياً، بل باعتبارها جزءاً من معادلة الصراع مع الاحتلال. لذا، فإن وجود موقف رسمي لبناني لا يطالب بإلغاء سلاح المقاومة أو تجريمه، بل يسعى إلى تنظيم العلاقة بين الدولة والمقاومة، سمح بإنتاج معادلة ما بعد عام 2006.

ثالثاً: مرحلة ميشال عون... من معادلة الردع إلى تفاهم 2024

في عهد الرئيس ميشال عون، استمر التعاطي مع المقاومة باعتبارها جزءاً من معادلة القوة اللبنانية في مواجهة العدو الإسرائيلي، وليس باعتبارها مشكلة داخلية ينبغي حلها قبل أي نقاش حول حماية الحدود والسيادة.

ورغم الخلافات السياسية الكبيرة التي طبعت المرحلة، بقيت هناك معادلة أساسية تحكم الموقف الرسمي اللبناني وهي أن مواجهة الاحتلال لا يمكن أن تعتمد على الأدوات الدبلوماسية وحدها، وأن لبنان يحتاج إلى الاستفادة من كل عناصر القوة المتاحة لديه، بما فيها قدرة المقاومة على الردع.

ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة التي سبقت تفاهم تشرين الثاني 2024 أظهرت مجدداً أن إسرائيل لا تذهب إلى التفاهمات إلا عندما تواجه واقعاً يجعل استمرار الحرب مكلفاً عليها. والمعادلة التي أنتجت تفاهمات سابقة لم تكن قائمة على الاعتقاد بأن لبنان أقوى من إسرائيل عسكرياً، بل على فكرة مختلفة هي أن امتلاك قدرة على إلحاق الضرر بالخصم يمنع فرض الشروط الأحادية ويجعل المفاوضات أكثر توازناً.

رابعاً: عدوان 2026.. مغالطة "أعطوني البديل"

يطرح الرئيس جوزاف عون، معادلة تقوم على أن لبنان أمام واقع لا يسمح له بالمواجهة، وأن تفوق إسرائيل العسكري والدعم الأميركي غير المحدود لها يفرضان البحث عن تسوية عبر التفاوض وتقديم تنازلات لوقف الحرب. ويكرر مقولة تحمل مغالطة كبيرة "أعطوني البديل" إلا ان البديل موجود وحيّ في التجارب السابقة، وأن المشكلة ليست في غياب الخيارات، بل في التخلي عن الخيارات التي أثبتت فاعليتها.

فالبديل، وفق هذه الرؤية، ليس الذهاب إلى حرب مفتوحة، وليس رفض الدبلوماسية، بل بناء صيغة مختلفة تقوم على:

1- وحدة داخلية لبنانية تمنع إسرائيل من استثمار الانقسام الداخلي، وتمنع وجود أصوات تتماهى مع العدو أو تؤدي دور "حصان طروادة" يشجعه على استمرار العدوان أو البقاء في الجنوب، فالكيان الصهيوني لا يخشى القوة العسكرية فقط، بل يخشى أيضاً وحدة القرار اللبناني.

2-تفاهم بين القوى السياسية اللبنانية حول إدارة ملف الدفاع الوطني والاستراتيجية الدفاعية، وعدم تحويل المقاومة إلى خصم داخلي قبل انتهاء خطر الاحتلال.

3-قدرة المقاومة العسكرية كعنصر ردع وورقة قوة في مواجهة الاحتلال وفي أي مسار تفاوضي.

4-موقف رسمي لبناني داعم أو متفهم لدور المقاومة والاستفادة من عناصر القوة الوطنية بدلاً من إضعافها.

5- تنسيق بين الدولة والجيش اللبناني والمقاومة ضمن رؤية وطنية لحماية لبنان ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

6- استخدام كل عناصر القوة اللبنانية في أي مسار تفاوضي لضمان دبلوماسية مدعومة بالقدرة على الصمود والردع.

7- تفعيل العلاقات العربية والإقليمية والدولية وعدم حصر التواصل بالقنوات الأميركية، لتوسيع هامش الحركة السياسية للبنان.

خامساً: إسرائيل والانقسام الداخلي

إن التحول الأخطر في المرحلة الحالية لم يكن عسكرياً فقط، بل سياسياً داخلياً. فإسرائيل، وفق هذه القراءة، لا تنظر فقط إلى حجم القوة والسلاح الموجود لدى الطرف اللبناني، بل تراقب أيضاً مستوى الانقسام داخل المجتمع والدولة. فعندما تجد إسرائيل أن هناك أطرافاً لبنانية تطالب أولاً بنزع سلاح المقاومة، أو تعتبره المشكلة الأساسية وليس الاحتلال، فإنها تحصل على عامل إضافي لصالحها: تحويل الصراع من مواجهة بين لبنان وإسرائيل إلى خلاف لبناني داخلي.

من هنا، فإن خطاب جوزاف عون حول "حصرية السلاح" كان فرصة ذهبية للعدو حيث استغلته إسرائيل، وساهم بقوة في إضعاف الجبهة الداخلية ومنح الاحتلال هامشاً أوسع للمناورة.

النقطة المركزية في هذا السجال هي موقع المقاومة داخل الدولة اللبنانية. ففي مراحل سابقة، تعاملت الدولة مع المقاومة باعتبارها جزءاً من معادلة مواجهة الاحتلال، بينما انتقلت في عهد جوزاف عون إلى مقاربة مختلفة تقوم على اعتبار سلاح المقاومة أولوية داخلية يجب إنهاؤها. إن هذا التحول أضعف الموقف اللبناني في مواجهة إسرائيل، لأن الدولة دخلت التفاوض من دون توافق داخلي شامل، ومن دون الاستفادة من إحدى أهم أوراق القوة التي امتلكها لبنان خلال العقود الماضية.

سادساً: أزمة الثقة.. وانقلاب عون على التفاهمات

لا يمكن قراءة التحول في العلاقة بين رئاسة الجمهورية والثنائي الوطني، بمعزل عن الظروف السياسية التي رافقت انتخابه. فحين جرى انتخاب عون، كان ذلك نتيجة فرض تسوية إقليمية ودولية معقدة (الخماسية الدولية)، ومن ثم جاءت موافقة الثنائي الوطني بعد أخذهم "ميثاق شرف" من عون ان لا يقترب من سلاح المقاومة لا سيما شمال نهر الليطاني، وحصلوا على تطمينات واضحة قدّمها عون مفادها أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة صدام مع المقاومة، وأن معالجة الملفات الخلافية ستكون ضمن إطار الحوار الداخلي وليس عبر سياسة الإلغاء أو المواجهة. إلا أنه انقلب على هذه التفاهمات ونكث العهد وفق مسؤولي حزب الله.

وفي السياق، تشير المعطيات عن مصادر مطلعة أن وعوداً أو تفاهمات سابقة بين عون والولايات المتحدة أُبرمت في ملف المقاومة والتزم فيها الرئيس  بنزع السلاح خلال سنتين تحت عنوان حصرية السلاح, وحصرية قرار الحرب والسلم.

سابعاً: السؤال الصحيح ليس "ما البديل؟" بل "كيف نصنع البديل؟"

تختصر مقولة الرئيس جوزاف عون: "أعطوني البديل" جوهر الخلاف السياسي الحالي في لبنان. فالجناح الأمريكي في لبنان يرى أن الواقعية السياسية تفرض الاعتراف بتفوق إسرائيل العسكري وبالنفوذ الأميركي، وأن مصلحة لبنان تكمن في تجنب المواجهة والذهاب نحو التفاوض وتقديم التنازلات فليس لدينا القدرة على أخذ تنازلات من العدو فنحن ليس لدينا أسرى له ولا أرض نحتلها. أما الجناح الوطني المقاوم وحلفاؤه فيرى أن هذه الواقعية تحولت إلى استسلام سياسي بما يرقى الى مستوى الخيانة العظمى.
وترى القوى الوطنية أن الاتفاق الإطاري الذي جرى التوصل إليه مع العدو لم يتحول إلى أداة لحماية الحقوق اللبنانية، بل أصبح، إطاراً يمنح إسرائيل مساحة أكبر للمناورة ويشجعها على البقاء في الجنوب. وإسرائيل نفسها لم تلتزم بتنفيذ أي من بنود التفاهمات السابقة، وهي تواصل تثبيت مواقع عسكرية لها في الجنوب. وفي هذا السياق، يؤكد المسؤولون الإسرائيليون أن الإطار التفاهمي مع لبنان منح إسرائيل مبررات للاستمرار والبقاء في الجنوب.

إن التجربة اللبنانية، وفق القراءة التي أشرنا إليها في هذا المأوضح، تقدم نموذجاً مختلفاً: ففي عام 1996، لم تكن الدبلوماسية منفصلة عن المقاومة. وفي عام 2006، لم يكن وقف الحرب منفصلاً عن نتائج الميدان. وعليه، فإن البديل ليس رفض الدبلوماسية، ولا الذهاب إلى مواجهة مفتوحة، بل إعادة تعريف موقع الدبلوماسية نفسها. فالدبلوماسية التي لا تستند إلى قوة تتحول إلى إدارة للأمر الواقع الذي يفرضه الأقوى، أما الدبلوماسية التي تستند إلى وحدة وطنية وإلى عناصر قوة حقيقية، فتتحول إلى أداة لحماية الحقوق.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: "هل يملك لبنان بديلاً عن التفاوض؟" بل"كيف يجعل لبنان التفاوض أكثر قدرة على حماية حقوقه؟" فالدبلوماسية ليست بديلاً عن القوة، بل هي إحدى أدواتها. وعندما تفقد الدولة أوراقها قبل بدء التفاوض، فإنها لا تدخل إلى الطاولة بحثاً عن حل، بل تدخل وهي تحاول فقط للاستسلام وتقديم التنازلات المجانية وإدارة خسائرها في أبعد تقدير.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى