عاجل | هل تُنقذ السلطة اللبنانية مصير نتنياهو؟ (الجزء الثاني)
عاجل | هل تُنقذ السلطة اللبنانية مصير نتنياهو؟ (الجزء الثاني)
لم تكن القراءة الاستشرافية التي نشرها موقع الخنادق قبل عشرة أيام والتي حملت عنوان: هل تُنقذ السلطة اللبنانية مصير نتنياهو؟ رجمًا بالغيب، بل كانت تفكيكًا بنيويًا دقيقًا لخطوط الطول والعرض الجيوسياسية التي تتقاطع لتصنع المشهد الراهن في منطقة غرب آسيا. في تلك اللحظة الفاصلة من إعادة تشكيل النظام الإقليمي، بدا بنيامين نتنياهو كمن يبحث بيأس عن طوق نجاة قبل أن يبتلعه تيار الأزمات الوجودية التي تحيط به. واليوم، وفي قراءة سياسية لما بعد "اتفاق العار" الذي أُبرم بالأمس، تتحقق تلك القراءة بكامل تفاصيلها؛ إذ مُدّت لنتنياهو خشبة الخلاص الدبلوماسية عبر هندسة "أمريكية-سعودية" متكاملة الأركان، أفضت إلى توقيع السلطة اللبنانية على "اتفاق إطار" مجحف، صِيغ بلغة ناعمة لتفخيخ السيادة اللبنانية ومنح الاحتلال في السياسة ما عجز عن انتزاعه بآلته العسكرية طوال أشهر المواجهة والاستنزاف.
كواليس "الهندسة السرية": قنوات روبيو-نتنياهو والغطاء السعودي
خلف الستار، لم يكن هذا الاتفاق وليد الصدفة، بل جاء ثمرة حراك ماراثوني قاده وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في جولة مفاوضات مكثفة، حظيت بضوء أخضر كامل من دونالد ترامب. ولم يكن تحرك روبيو مجرد تنفيذ لسياسات الإدارة الأمريكية، بل عكس أيضًا حسابات سياسية شخصية؛ إذ يسعى إلى ترسيخ حضوره كأحد أبرز وجوه الحزب الجمهوري في مرحلة ما بعد ترامب، في ظل التنافس المبكر مع شخصيات صاعدة، وفي مقدمتها نائب الرئيس جي دي فانس، على قيادة التيار المحافظ واستحقاقات الرئاسة المستقبلية. ومن هذا المنظور، فإن تحقيق اختراق دبلوماسي يُحسب له في أحد أكثر الملفات تعقيدًا من شأنه أن يعزز رصيده السياسي داخل الحزب، كما ينسجم مع أولويات دوائر الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، التي تنظر إلى تحقيق مكاسب استراتيجية لتل أبيب باعتباره عنصرًا مؤثرًا في تقييم القيادات الجمهورية الصاعدة.
هذه الاندفاعة الأمريكية-الإسرائيلية وجدت صدىً مباشرًا وتقاطعًا عضويًا مع رغبة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي يرى في اللحظة الراهنة فرصة استراتيجية للمضي في خطته الرامية لتفكيك عناصر القوة في لبنان، وتقويض بنية المقاومة وسحب سلاحها تلبيةً لحسابات إقليمية ضيقة كُرهًا بحزب الله وإيران. وتحت وطأة الضغوط، انصاعت السلطة اللبنانية لتوقيع اتفاق إطار يمثل في جوهره "إذعانًا مقنعًا"، يُعيد تأهيل نتنياهو دوليًا، ويقدمه لجمهوره المتطرف كـ "صانع سلام استراتيجي" استطاع فرض آليات رقابة دولية تمنحه حرية الإحتلال والاستباحة التي عجز عن فرضها بالقوة المجردة.
استراتيجية المواجهة: "الاتفاق مقابل الاتفاق"
إن جوهر الدبلوماسية الهجومية المضادة والتي ستمضي بها جبهة المقاومة تقوم على قاعدة "الاتفاق مقابل الاتفاق"، بهدف استعادة المبادرة وتفريغ هذا الاتفاق الذليل من أي قيمة عملية أو جيوسياسية. إن ما جرى بالأمس هو محاولة إسرائيلية-أمريكية-خليجية مفضوحة لـ "فصل المسارات"، وهو ذات الأسلوب والمناورة التي يعمل بها بن سلمان ودول الخليج في مضيق هرمز من أجل ضرب بنود اتفاقات أخرى وتعديل موازين القوى الإقليمية.
بناءً عليه، سيتم تثبيت المعادلة الكبرى: إن اتفاق إسلام آباد" (المبرم بين طهران وواشنطن) هو الأصل والمرجعية الإقليمية الحاكمة التي صرّحت إفلاس المقاربة الإلغائية وصاغت معادلة الردع الجديدة. وكل ما عداه من اتفاقات مجتزأة في بيروت هي مجرد محاولات للالتفاف على التوازنات الكبرى، ولن يُسمح بتمرير "إطار واشنطن" كتعويض لنتنياهو عن انكسار مشروعه الأصلي، بل يجب تفريغ هذا الاتفاق الجديد بجعل مرجعيته الحصرية مستندة إلى الاتفاق الأم.
التصدي الاستراتيجي: من طهران إلى بيروت
إن مواجهة هذا المنعطف تفرض تحركًا متكاملاً على شقين متلازمين، يبدأ من طهران وينتهي في بيروت، لسحب المبادرة السياسية بالكامل من يدي نتنياهو وبن سلمان وإعادة ضبط المشهد:
أولاً: على المستوى السياسي والدبلوماسي (لجم السلطة اللبنانية):
لقد كشف الاتفاق الأمريكي-الإيراني الأخير عن حالة من القلق والذعر سادت أروقة العواصم الخليجية وأدواتها، وجاءت الهرولة الأمريكية-السعودية نحو بيروت لطمأنة السلطة اللبنانية الخائفة. إن هذا الهلع يثبت أن السلطة الحالية هشّة ويمكن لجمها وإيقافها. لقد آن الأوان للتحرك السياسي الجاد للجم هذه السلطة، وتقويض تمددها، وتخويفها بالوسائل السياسية والقانونية المشروعة لمنعها من التمادي في تسييل التضحيات وتحويل الدولة إلى جسر عبور لإنقاذ مشروع بات على حافة الأفول.
ثانياً: على المستوى العسكري (التلويح بالعودة):
لا يمكن للسياسة أن تثمر دون إسناد خشن يُثبّت معادلات الردع بل يجب أن يترافق الحراك الدبلوماسي مع تلويح جاد وعلني بالعودة إلى الميدان. إن خيار العودة إلى العصف العسكري واستئناف المواجهة يجب أن يوضع على الطاولة كخيار فوري وصارم، لإفهام العدو والصديق أن الميدان الذي أذل الآلة العسكرية للاحتلال قادر على إبطال مفعول "اتفاق العار" في أي لحظة إذا ما حُوِّر لضرب بيئة المقاومة أو المساس بسلاحها.
إن التاريخ لن يرحم من يمارس البراغماتية السياسية المزيّفة ليقدم لخصمه المهزوم سُلّم النجاة بيده. إن المقاومة الحقيقية اليوم هي معركة الموقف والخطاب الاستراتيجي الذي يفرض على الولايات المتحدة الالتزام الصارم باتفاق إسلام آباد كحزمة واحدة، كفيلة بقطع شريان الحياة عن حكومة نتنياهو، وإثبات أن من صمد ميدانيًا لن يبيع تضحياته في أروقة الدبلوماسية المجتزأة. وهذا الصراع الدائر اليوم لم يعد يدور حول بندٍ في اتفاق أو آلية رقابة أو لجنة متابعة، بل حول من يمتلك حق رسم معادلات ما بعد الحرب. فإسرائيل، بعد عجزها عن فرض شروطها في الميدان، تحاول إعادة إنتاج انتصارها عبر السياسة، فيما تسعى واشنطن وبعض العواصم الإقليمية إلى تحويل ما لم يُنتزع بالقوة إلى واقع يُفرض بالتفاوض.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في توقيع الاتفاقات، بل في مرجعيتها وحدودها وآليات تفسيرها. فإذا نجح نتنياهو في تحويل “اتفاق الإطار” إلى إنجاز استراتيجي، فإنه سيكون قد استعاد جزءًا مما خسره في ساحات المواجهة. أما إذا فُرضت عليه مرجعية التفاهمات الإقليمية الأوسع، وأُفرغ هذا الاتفاق من وظيفته السياسية، فإن ما جرى لن يكون سوى محاولة أخيرة لإنقاذ مشروع يتآكل، لا بداية لمرحلة جديدة.
وفي النهاية، فإن التاريخ لا يخلّد من يوقّع الاتفاقات، بل من يفرض قواعدها. وما بين الميدان والدبلوماسية، تبقى الكلمة الفصل لمن يمتلك القدرة على تحويل التضحيات إلى معادلات سياسية، لا إلى تنازلات تُمنح للخصم تحت عناوين براقة.
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




