سد الفراغ الأمريكي في غرب آسيا: تركيا بين وظيفة الحليف وطموح القوة المستقلة
سد
تُظهر معطيات المشهد الإقليمي الراهن أن اتفاقية مكة تشكّل نموذجًا لإعادة توزيع الأدوار ومجالات النفوذ بين القوى الفاعلة في المنطقة، وعلى رأسها تركيا، وذلك في لحظة تتقاطع فيها المصالح على المستوى التكتيكي بينما تتعارض جذريًا على المستوى الجيوستراتيجي، إذ يتحول الهدف المرحلي المتمثل في سد الفراغ الأمريكي إلى مسعى أعمق لترسيخ تركيا كقوة إقليمية دائمة لا مؤقتة. وتقوم هذه المعادلة على تراتبية أهداف متباينة بين واشنطن والكيان الإسرائيلي والرياض، فيما تبقى سوريا نقطة الارتكاز التي يتجلى من خلالها تناقض هذه المشاريع، والساحة التي قد تُعاد عبرها صياغة التوازن الإقليمي برمّته.
فمن الزاوية التركية، لا تمثّل سوريا هدفًا نهائيًا بحد ذاتها، بل بوابة للتمدد نحو المشرق العربي ونقطة انطلاق لمجال حيوي طويل الأمد. فإعادة بناء سوريا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا تتيح لأنقرة مد نفوذها باتجاه لبنان والعراق والأردن، وصولًا إلى الساحة الفلسطينية والضفة الغربية، مستفيدة من الجغرافيا والروابط التاريخية والدينية والاقتصادية. ويبقى الملف الكردي في الداخل السوري حلقة مركزية في هذه الحسابات، إذ لا تنظر أنقرة إلى قيام كيان كردي مسلح يتمتع باستقلال سياسي وأمني على حدودها الجنوبية باعتباره تهديدًا أمنيًا داخليًا فحسب، بل عائقًا جيوسياسيًا أمام مشروعها الإقليمي الأوسع، فتثبيت مثل هذا الكيان، خصوصًا إذا امتلك دعمًا دوليًا وقدرة على التواصل مع الامتداد الكردي في العراق، من شأنه أن يقيّد حرية الحركة التركية جنوبًا ويحد من قدرتها على تحويل سوريا إلى عمق استراتيجي وممر نحو المشرق العربي.
وفي موازاة ذلك، يمنح مدّ النفوذ التركي إلى لبنان أنقرة عمقًا جغرافيًا إضافيًا، عبر أدوات القوة الناعمة والشبكات الاجتماعية والسياسية التي لا تحتاج إلى حضور مباشر أو عسكري، وهو ما يسهّل تمدد هذا النفوذ نحو المحيط الأوسع وصولًا إلى الأردن. وبذلك يمكن صياغة الهدف التركي بوصفه سعيًا إلى تحويل سوريا إلى عمق استراتيجي يفتح المجال أمام دور محوري في بناء النظام الإقليمي الجديد، دور لا يمكن تجاوزه.
أما المشروع الأمريكي فيقوم على منطق مغاير، إذ تسعى واشنطن إلى توزيع الأعباء على حلفائها الإقليميين بدل تحمّلها منفردة، وتبرز تركيا عبر اتفاقية مكة بوصفها الشريك الأنسب لهذه المرحلة، بفعل خصائصها كدولة كبيرة وعضو في حلف الناتو ذات امتداد تاريخي وثقافي في المنطقة. غير أن المفارقة الجوهرية تكمن في أن الولايات المتحدة تستفيد من تركيا القوية، لا من تركيا المهيمنة، فكلما اتسع النفوذ التركي وتمدد مجاله الحيوي، ازدادت قدرة أنقرة على إنتاج سياسات مستقلة عن واشنطن، وهو ما لا تقبله الأخيرة، إذ لا ترغب في أن تتحول تركيا من حليف يتحمل جزءًا من الأعباء الأمريكية إلى قوة إقليمية ذات مشروع خاص قادر على فرض شروطه على النظام الذي تديره واشنطن. ومن هنا يمكن قراءة الاستراتيجية الأمريكية بوصفها محاولة لإبقاء تركيا ضمن الإطار الذي ترسمه، عبر منحها مساحة كافية لموازنة الخصوم دون أن تتحول إلى قوة إقليمية مهيمنة ومستقلة تمامًا.
وتبدو المعضلة الإسرائيلية تجاه هذا المسار أكثر تعقيدًا من نظيرتها الأمريكية. فتركيا القوية المنضبطة ضمن المنظومة التي تقودها واشنطن لا تشكّل بالضرورة تهديدًا للكيان، بل قد توفر له منافع أمنية واقتصادية وسياسية، لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل القوة التركية من العمل ضمن حدود التوازن الذي تضبطه واشنطن إلى امتلاك استقلال استراتيجي متزايد، وقدرة على إنشاء مجالات نفوذ خاصة قد تتقاطع أو تصطدم مع المجال الحيوي الذي يعتبره الكيان الإسرائيلي خاصًا به، لا سيما في سوريا ولبنان والأردن والساحة الفلسطينية. وتتضاعف حساسية هذا الاحتمال بالنظر إلى طبيعة عناصر القوة التركية، من كتلة ديمغرافية كبيرة واقتصاد واسع وصناعة دفاعية متنامية وموقع جغرافي بالغ الأهمية، إضافة إلى امتدادات ثقافية ودينية تمنح أنقرة قابلية أكبر لبناء نفوذ مجتمعي عميق. واجتماع هذه العناصر يتيح لتركيا، إن خرجت عن حدود الضبط الأمريكي، أن تتحول من شريك إقليمي يمكن التعايش معه إلى منافس استراتيجي قادر على التأثير في قواعد النظام الإقليمي ذاته. وحين يمتد هذا النفوذ إلى دول الطوق المحيطة بفلسطين المحتلة، فإن الكيان قد يقبل بتركيا شريكًا داخل النظام الإقليمي، لكنه سيرفض تحوّلها إلى قوة تفرض قواعد هذا النظام وشروطه، لأن ذلك يضع قيودًا سياسية على البيئة الإقليمية التي يسعى إلى إحكام السيطرة عليها.
وفي المقابل، تنظر الرياض إلى تركيا بوصفها قوة إقليمية سنية كبيرة قادرة على تحقيق التوازن، خصوصًا مع تراجع الضمانات الأمنية الأمريكية على ما كشفته المواجهة الأمريكية-الإيرانية الأخيرة. وتمثّل تركيا بالنسبة إلى السعودية طبقة إضافية للتوازن وتنويعًا للشراكات الأمنية، لا بديلًا كاملًا عن المظلة الأمريكية، انطلاقًا من امتلاك أنقرة ميزتين رئيسيتين: قوة صلبة ترتكز على جيش كبير وصناعات دفاعية متطورة وقاعدة اقتصادية وموقع استراتيجي، وقوة ناعمة داخل المجتمعات الإسلامية والعربية تتيح لها مخاطبة شرائح شعبية واسعة يصعب على واشنطن أو الكيان الوصول إليها. وهنا تحديدًا يظهر التناقض السعودي-التركي المحتمل، إذ تتحول القوة الناعمة ذاتها التي تمنح أنقرة موقعها إلى مصدر قلق للرياض، خاصة مع ارتباطات تركيا بجماعة الإخوان المسلمين وإمكانية إعادة تفعيل حضورهم في المنطقة استنادًا إلى الحضور التركي الأوسع الذي يعتبرونه ظهيرًا سياسيًا لهم. وبذلك تتراوح المعضلة السعودية بين الحاجة إلى تركيا لموازنة المخاطر الخارجية وتنويع الضمانات الأمنية عبر اتفاقية مكة، وبين تنامي جاذبية القوة الناعمة التركية بوصفها مصدر نفوذ منافس داخل المجال الإقليمي ذاته.
وتكمن نقطة الالتقاء الأساسية بين هذه المشاريع في الترتيب الإقليمي الجديد الذي يسعى إلى سد الفراغ الناتج عن التراجع الأمريكي المحتمل، إثر فشل المشروع العسكري ضد إيران، ومنع إيران وحلفائها من ملء هذا الفراغ. وتستطيع تركيا، عبر اتفاقية مكة، الاضطلاع بدور وظيفي مهم يتحمل جزءًا من الأعباء الأمريكية في إدارة المنطقة، بينما يستفيد الكيان من تقاسم النفوذ في الساحة السورية، وتستفيد السعودية من موقعها كقوة إقليمية سنية كبرى فاعلة في التوازنات الإقليمية، مقابل حصول تركيا على مجال نفوذ اقتصادي وسياسي وأمني واسع. غير أن هذا التوافق قائم على الوظيفة لا على الهدف النهائي، وهي النقطة الجوهرية التي يبدأ عندها التناقض، فحين تنتقل تركيا من قوة وظيفية داخل النظام الإقليمي إلى قوة قادرة على تحديد قواعده وفرض شروطها، تتغير الحسابات جذريًا: تصبح بالنسبة إلى واشنطن مركز قوة مستقلًا، وبالنسبة إلى الكيان منافسًا إقليميًا مؤثرًا في محيطه المباشر، وبالنسبة إلى السعودية منافسًا على القيادة داخل العالمين السني والإسلامي، بينما ترى أنقرة في نجاحها بسوريا وجوارها حقًا مكتسبًا في أن تكون شريكًا أساسيًا في صناعة النظام الإقليمي القادم لا مجرد أداة تنفيذية. والمفارقة أن الخطر على هذا التوافق الإقليمي قد لا ينشأ من فشل الدور التركي، بل من نجاحه المفرط، إذ تتحول تركيا المطلوبة لبناء التوازن الجديد، بفعل نجاحها ذاته، إلى القوة التي يستدعي صعودها بناء توازن جديد لاحتوائها.
وتتموضع الصين في هذا المشهد كطرف ثالث لا يسعى، حتى الآن، إلى بناء تحالف عسكري على النمط الأمريكي، بل إلى توسيع نفوذه عبر الاقتصاد والبنية التحتية والممرات البحرية والدبلوماسية، مشجعًا دول المنطقة على تنويع شراكاتها وتقليل اعتمادها الأحادي على واشنطن. وتكمن أهمية الدور الصيني في أنه يمنح القوى الإقليمية مساحة أكبر للاستقلال دون أن يطالبها بالانتقال الكامل إلى محور صيني، ما يجعل بكين عاملًا داعمًا لنظام أمني هجين تتقاطع فيه المظلة الأمريكية مع تحالفات إقليمية أكثر استقلالية. وفي هذا السياق، قد يفضي نجاح تحالفات كاتفاقية مكة إلى تعاظم الوزن التركي داخل الإقليم، بينما توفر الصين الغطاء الاقتصادي والدبلوماسي الذي يساعد على تثبيت هذا التحول، من خلال تعاونها مع عدد من الدول الإقليمية، من بينها مصر وباكستان والسعودية وتركيا. وهنا تتجلى المفارقة الأمريكية الأعمق: فكلما تحمّل الحلفاء مسؤولية أكبر عن أمنهم، اتسع هامش قرارهم المستقل، بما قد يحوّل تقاسم الأعباء تدريجيًا إلى تقاسم للقرار، ويحد من قدرة واشنطن على التحكم الكامل بقواعد النظام الإقليمي. وبذلك يبرز الدور الصيني كعامل دافع لهذا النوع من التحالفات التي توسّع هامش القرارات المستقلة، وهو ما يسهم في تفكيك الاحتكار الأمريكي التقليدي للأمن الإقليمي، وبناء بيئة تتعدد فيها مراكز القوة على نحو أكثر مرونة واستدامة وثبات.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




