من قاعدة الأزرق إلى المدمرات الأميركية.. إيران توسع دائرة الرد برًّا وبحرًا
قاعدة
لم يعد المشهد العسكري في المنطقة يرتهن إلى نمطية الردود المتناظرة التي درجت عليها المواجهات السابقة بين إيران والولايات المتحدة. فما شهدناه خلال الساعات الماضية، مع إعلان حرس الثورة الإسلامية استهداف قاعدة “الأزرق” في الأردن بصواريخ باليستية، بالتزامن مع ضرب مدمرتين أميركيتين في عرض البحر، يرسم منحنى تصعيدياً جديداً يفترق عن كل السوابق، ليس في حجم الضربات فحسب، بل في طبيعة الأهداف وامتداداتها الجغرافية والنوعية.
لقد كانت إيران، حتى وقت قريب، تتعامل مع الاستهدافات الأميركية لناقلاتها النفطية ضمن إطار من الردود المحدودة التي لا تتجاوز السياق البحري الضيق. لكن ما حدث اليوم يثبت أن طهران انتقلت إلى مرحلة مغايرة تماماً في إدارة الحرب، حيث باتت المعادلة الجديدة واضحة: أي اعتداء على المصالح الإيرانية، سواء في المياه الإقليمية أو في أعالي البحار، سيقابل باستهداف مباشر للقواعد العسكرية الأميركية وللقطع البحرية على اختلاف حجمها ونوعها. وهذا ما عبرت عنه البيانات العسكرية الإيرانية حين ربطت أمن الناقلات بأمن القواعد والمدمرات الأميركية، في إعلان ضمني عن عقيدة ردعية جديدة قوامها “النار بالنار، والهدف بالهدف”.
التحول النوعي: من الرد البحري إلى القصف البري
ما يميز هذه الجولة من التصعيد أنها لم تعد محصورة في فضاء المناوشات البحرية التي اعتدنا رصدها في مياه الخليج ومضيق هرمز. فاستهداف قاعدة “الأزرق” في عمق الأردن، وهي قاعدة متطورة تضم حظائر لطائرات إف-35 وإف -16 وإف -15، يكشف عن قدرات استخباراتية ولوجستية إيرانية متقدمة، تمكّنها من توجيه ضربات دقيقة لأهداف برية بعيدة عن حدودها الجغرافية. والأهم من ذلك، أن هذا الاستهداف لم يأتِ عشوائياً، بل جاء في سياق رد ممنهج على الهجمات الأميركية التي استهدفت ناقلات إيرانية قرب جاسك وخارك، ما يعني أن إيران باتت تمتلك بنك أهداف متكاملاً يشمل القواعد الأميركية المنتشرة في أكثر من دولة.
هنا تكمن القفزة النوعية: إيران لم تعد تكتفي بالرد على استهداف سفنها عبر استهداف سفن أخرى، بل وسّعت دائرة الرد لتشمل القواعد البرية التي تمثل العمق الاستراتيجي للوجود العسكري الأميركي في المنطقة. وهذا التحول يحمل رسائل متعددة، أبرزها أن طهران تمتلك القدرة على ضرب أي موقع أميركي، أينما كان، وأنها لم تعد تفرق بين الهدف البري والبحري، بقدر ما تفرق بين درجات الرد المناسبة لكل اعتداء.
المدمرات الأميركية في مرمى الصواريخ الباليستية
لا يقل استهداف المدمرتين الأميركيتين من طرازي 119 و53 أهمية عن ضرب قاعدة الأزرق، بل ربما يفوقه في دلالاته العسكرية والفنية. فاستهداف قطع بحرية متحركة بصواريخ باليستية يمثل تحدياً تقنياً كبيراً، يتطلب قدرات توجيه ورصد متطورة، خاصة إذا كانت تلك القطع في حالة إبحار وليست راسية. وهذا ما أثار قلق المسؤولين العسكريين الأميركيين، كما نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مصادرها، حيث أبدوا تخوفهم من قدرة إيران على استخدام صواريخ متطورة نوعياً تستهدف سفناً متحركة، ما يضعف فعالية أنظمة الدفاع الجوي والبحري الأميركية.
الأمر الآخر المقلق لواشنطن، والذي أشارت إليه الصحيفة نفسها، هو أن إيران تمكنت من تحديد مواقع المدمرات بدقة، ما يعني أن لديها شبكة استخباراتية بحرية قادرة على تتبع تحركات الأسطول الأميركي في المنطقة، سواء كانت تلك المعلومات مستقاة من قدراتها الذاتية أو عبر تنسيق مع حلفاء كالصين وروسيا. وفي كل الأحوال، فإن كشف مواقع القطع البحرية الأميركية وهو تتحرك في مياه الخليج وبحر عمان والمحيط الهندي، يمثل إنجازاً استخباراتياً يغير من قواعد الاشتباك في المنطقة.
معادلة الردع الجديدة: حرب استنزاف مفتوحة
ما تعلنه إيران عبر هذه الضربات هو أنها لن تنتظر حتى تنفذ واشنطن تهديداتها، بل ستنتقل إلى مرحلة الردع الاستباقي، حيث تقدم على ضرب الأهداف الأميركية قبل أن تتاح لها فرصة تنفيذ اعتداءات جديدة. وهذا يتسق مع التصريحات الإيرانية التي تؤكد الانتقال من العقيدة الدفاعية إلى الهجومية، وهو تحول جوهري في فلسفة إدارة الصراع مع الولايات المتحدة.
في هذا السياق، يبدو أن إيران تستعد لحرب استنزاف طويلة، لا تعترف بسقف زمني محدد، وتستند إلى قدرات صاروخية متنامية، وإلى شبكة حلفاء إقليميين، وإلى تفوق في الحرب غير المتماثلة. وهي تعي تماماً أن واشنطن، رغم ضخامة قدراتها العسكرية، تواجه معضلة حقيقية في داخلها، تتمثل في تراجع شعبية الحرب، وارتفاع تكاليفها الاقتصادية، وامتداد تأثيراتها إلى الداخل الأميركي عبر تضخم أسعار الوقود وزيادة معدلات التضخم.
الموقف الأميركي: بين التصعيد المتحكم والخروج من المنطقة
من الواضح أن الإدارة الأميركية، ممثلة بالرئيس دونالد ترامب، تحاول إدارة التصعيد وفق معادلة دقيقة: تصعيد لا يصل إلى حد الحرب الشاملة، لكنه كافٍ لإبقاء الضغط على إيران. وهذا ما يفسر عدم صدور بيانات فورية من القيادة المركزية تؤكد حجم الخسائر، وتفادي الاعتراف بفشل الدفاعات الجوية في اعتراض الصواريخ الإيرانية، مقابل الإصرار على أن الحصار البحري مطبق بالكامل وأن العمليات العسكرية “ناجحة”.
لكن الوقائع الميدانية تقول عكس ذلك. فاستمرار قدرة إيران على توجيه ضربات مؤثرة للقواعد والمدمرات، رغم الحصار والعقوبات، يعني أن استراتيجية الخنق الاقتصادي لم تحقق أهدافها، وأن طهران ما زالت تمتلك هامشاً من المناورة يسمح لها بالرد بفعالية. وهذا ما أشارت إليه صحيفة “نيويورك تايمز” حين تحدثت عن صعوبة تطبيق الحصار بنسبة مئة بالمئة، خصوصاً في ظل رفض دول العالم التعاون الكامل مع واشنطن، وهو ما يضع الإدارة الأميركية في مواجهة مزدوجة: مع إيران في المنطقة، ومع الحلفاء والشركاء على الصعيد العالمي.
رسائل إيرانية إلى حلفاء واشنطن
لم تقتصر الرسائل الإيرانية على واشنطن وحدها، بل امتدت إلى دول المنطقة التي تقدم تسهيلات للوجود العسكري الأميركي. فتحذير طهران للكويت والبحرين من استهداف ناقلاتهما وسفنهما التجارية، إن لم تتوقفا عن دعم الجيش الأميركي، يحمل رسالة واضحة: “من يأوي العدوان سيكون جزءاً من دائرة الاستهداف”. وهذه ليست تهديدات نظرية، بل هي خطوة عملية تهدف إلى عزل القواعد الأميركية عن محيطها الإقليمي، وخلق حالة من القلق لدى الدول المضيفة التي قد تجد نفسها في مرمى النار إذا استمرت في تقديم الدعم اللوجستي لواشنطن.
هذا التوسع في دائرة الرد يضع دول الخليج في موقف حرج، فهي مطالبة إما بتقديم تنازلات لإيران أو المخاطرة بأمنها البحري والنفطي. وفي كل الأحوال، فإن المعادلة الإيرانية الجديدة تهدف إلى رفع كلفة الوجود الأميركي في المنطقة، وجعل أي عدوان على إيران مكلفاً ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً واقتصادياً لكل من يقف إلى جانب واشنطن.
السيناريو “الإسرائيلي” على الأبواب
لا يمكن قراءة التصعيد الحالي بمعزل عن البعد “الإسرائيلي”، فاستهداف قاعدة الأزرق في الأردن، القريبة نسبياً من الحدود مع “إسرائيل”، يحمل رسالة غير مباشرة إلى تل أبيب. فإذا كانت إيران قادرة على ضرب قاعدة أميركية محصنة في الأردن، فإن قدرتها على استهداف أهداف داخل “إسرائيل” ليست موضع شك. وهذا ما يدفع إلى التساؤل: هل هذه الضربات هي رد على هجمات أميركية فحسب، أم أنها جزء من استعداد إيراني لسيناريو أوسع قد يتضمن رداً على أي مغامرة إسرائيلية محتملة؟
في هذا الإطار، تبدو التحركات الإيرانية الأخيرة، بما فيها استهداف المدمرات والقواعد، وكأنها إعادة ضبط لمعادلات الردع في المنطقة، بحيث تصبح أي ضربة “إسرائيلية” أو أميركية محسوبة ضمن تكاليف باهظة. وهذه قراءة تتفق مع تلميحات القيادة الإيرانية التي تؤكد أن خطوطها الحمراء لم تعد تقتصر على المياه الإقليمية، بل امتدت لتشمل كل نقطة يمكن أن تنطلق منها أي طائرة أو صاروخ يهدد أمن إيران.
نحو جولة أشد اتساعاً؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: هل تنجح هذه الضربات في ترسيخ معادلة ردع جديدة تردع واشنطن وحلفاءها، أم أنها ستفتح الباب أمام جولة أشد اتساعاً من التصعيد؟ الإجابة ليست سهلة، فالأمر يتعلق بإرادتين لا تبدوان مستعدتين للتراجع. إيران تراهن على قدرتها على تحمل التكاليف واستنزاف الخصم، بينما تراهن واشنطن على أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية ستدفع طهران في النهاية إلى طاولة المفاوضات بشروط أميركية.
لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أن إيران، رغم الحصار والعقوبات، ما زالت قادرة على المباغتة والرد بقوة، وأن شبكة دفاعاتها الجوية والبحرية، رغم ما تتعرض له من ضربات، تحتفظ بقدرة على توجيه ضربات مؤثرة. في المقابل، تبدو الإدارة الأميركية محصورة بين رغبتها في استمرار الضغط على إيران، وخوفها من انزلاق الأمور إلى حرب شاملة قد تكون لها تداعيات كارثية على الداخل الأميركي وعلى الاستقرار العالمي.
في المحصلة، نحن أمام مرحلة جديدة من المواجهة، تتسم بتوسع دوائر الرد، وتنوع الأهداف، وتعقيد الحسابات الاستراتيجية. وإذا كانت طهران قد نجحت في فرض معادلة “النار بالنار”، فإن واشنطن، حتى الآن، لم تقدم بعد على خياراتها الكبرى، ما يجعل المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات في الأسابيع المقبلة.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




