صحافة

قمة MEAD في واشنطن: ما الذي دار خلف الأبواب المغلقة؟

احتضنت واشنطن يومي 8 و9 أيلول 2026 الدورة الرابعة من قمة MEAD ، وهي منتدى سياسي واستراتيجي مغلق يجمع مسؤولين وصناع قرار وشخصيات أمنية من الولايات المتحدة و”إسرائيل” ودول الشرق الأوسط. وسجّلت هذه الدورة أوسع مشاركة منذ تأسيس القمة قبل أربعة أعوام، إذ حضرها ممثلون عن 24 دولة، نصفها من المنطقة. ومن بين هذه الدول الإمارات وفق بيان خارجيتها، إلى جانب دول لا تقيم علاقات دبلوماسية مع “إسرائيل”. وانعقدت القمة على وقع تداعيات الحرب مع إيران، وفي ظل ملفات مفتوحة في غزة ولبنان ومضيق هرمز، وعلى أبواب الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي الأميركية. وهذا ما منح جلساتها المغلقة ثقلًا خاصًا في تبادل التقديرات حول مستقبل ترتيبات المنطقة.

ويقدّم القائمون على MEAD قمتهم بوصفها منصة سنوية مغلقة تُعنى بالعلاقات الأميركية مع الشرق الأوسط، وتسعى إلى تعميق الانخراط الأميركي في المنطقة وتعزيز ما يسمّونه “التكامل الإقليمي”. وتُعقد القمة عادةً مرتين في السنة، في أبو ظبي وواشنطن، بدعوات خاصة لا يتجاوز عدد المدعوين فيها مئتي شخص. ويضم هؤلاء سياسيين ودبلوماسيين وأمنيين ورجال أعمال وشخصيات من قطاعات التكنولوجيا والمال والإعلام، غير أن نسخة الإمارات لهذا العام أُلغيت بسبب الحرب مع إيران. وتخضع معظم الجلسات لـ”قاعدة تشاتام هاوس” التي تتيح تداول المعلومات من دون نسبتها إلى أصحابها، فيتوفّر للمشاركين هامش لنقاش صريح وتبادل معطيات حساسة بعيدًا عن النشر الفوري. ولا صلة لهذه القمة بـ”قمة الإعلام المسيحي” رغم تشابه الاسم، إذ تختلف الجهتان في التنظيم والغاية والجمهور. وبحسب “يديعوت أحرونوت”، باتت MEAD منصة لبحث علاقات واشنطن بإسرائيل ودول المنطقة في مجالات الأمن والاستخبارات والطاقة والملاحة والتكنولوجيا.

على صعيد الشأن الإسرائيلي الداخلي، كشفت النقاشات عن فجوة متسعة بين بنيامين نتنياهو ومحيط الرئيس دونالد ترامب. فقد عبّر مسؤولون مقرّبون من ترامب عن تراجع ثقتهم برئيس الحكومة الإسرائيلية، ونفاد صبرهم إزاء إدارته ملفات غزة ولبنان وسورية، وإن بقي ذلك خلف الكواليس ولم ينعكس في الخطاب الرسمي. وتمحور جزء أساسي من هذا التوتر حول خطة ترامب ذات النقاط العشرين لإنهاء الحرب على غزة. وأكد هؤلاء المسؤولون أن الخطة صيغت بالتنسيق مع نتنياهو، ثم اتهموه بعرقلة تنفيذها. ولا يتصل الخلاف بالتفاصيل الفنية بقدر ما يتعلق بوتيرة الانتقال إلى الترتيبات السياسية والأمنية الجديدة في القطاع.

وفي موازاة ذلك، حذّر مسؤول سابق رفيع في إدارة بايدن من ابتعاد شرائح من الديمقراطيين والجمهوريين الشباب عن “إسرائيل”، ومن تزايد اغتراب جزء من اليهود الأميركيين عنها. وربط ذلك بسياسات الحكومة الحالية، معتبرًا أن بقاء نتنياهو في منصبه يصعّب ترميم العلاقة مع قطاعات من الجمهور والنخبة الأميركية. أما تأييد ترامب لفكرة العفو عن نتنياهو، فقدّمه مقربون منه بوصفه موقفًا شخصيًا نابعًا من قناعته بأن الرجل يتعرّض لملاحقة، ونفوا أن يكون جزءًا من صفقة سياسية.

وفي سياق متصل، نفى وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي السابق رون ديرمر أن يكون محمد بن زايد قد حذّر نتنياهو من هجوم كان يخطط له يحيى السنوار قبل السابع من أكتوبر 2023. وقال إنه لا يعتقد أن محادثة كهذه جرت أصلًا، إذ كان مطّلعًا على جميع الاتصالات بين الرجلين بحكم تكليفه بملف توسيع التطبيع مع الإمارات، ووصف الرواية بأنها “قصة مختلقة”. غير أن أبو ظبي لم تصدر نفيًا مباشرًا، واكتفت خارجيتها بالقول إنها لا تعلّق على التقارير والتكهنات، مع التأكيد على استمرار قنوات الاتصال وتبادل المعلومات بين الجانبين.

أما على صعيد الحروب التي تخوضها “إسرائيل”، فقد حضرت غزة في صلب النقاشات، مع أرقام تشير إلى نزوح نحو 1.2 مليون فلسطيني وتضرر 370 ألف منزل، بينها 70 ألفًا تضررت جزئيًا. ولم تقتصر الطروحات المتعلقة بإعادة الإعمار على المساكن والبنية التحتية، بل امتدت إلى برامج تعليمية تستهدف ما وصفه المشاركون بـ”الغضب والكراهية والتطرف” داخل المجتمع الغزّي. وهي مقاربة تتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم موضوعًا لإعادة التأهيل، لا ضحايا حرب مدمّرة.

وبحسب “تايمز أوف إسرائيل”، لم يجتز التدقيق الإسرائيلي للانضمام إلى قوة الشرطة الجديدة سوى نحو 16,500 فلسطيني، من أصل 283 ألف طلب قُدّمت منذ شباط الماضي، أي قرابة 5%. ولم تسمح “إسرائيل” حتى الآن للمقبولين بمغادرة القطاع للتدريب في مصر، ولم تقدّم ضمانات بعودتهم. ونقلت “يديعوت أحرونوت” عن مسؤولين في “مجلس السلام” أن إسرائيل تعرقل تنفيذ الخطة رغم مشاركتها في صياغتها، وأنهم لا يتوقعون تقدمًا قبل الانتخابات الإسرائيلية. وفي الأثناء، يواصل المجلس التحضير لمرحلة ثانية تشمل توسيع قوة الاستقرار الدولية وإدخال الإدارة الفلسطينية الجديدة إلى القطاع.

وفي هذا الإطار، أبدى رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله استعداد بلاده لإرسال ما يصل إلى ألفي جندي إلى هذه القوة بطلب أميركي أو إسرائيلي. وتحدث عن توسيع التعاون الأمني والاقتصادي مع “إسرائيل” بعد اعترافها بأرض الصومال، لكنه نفى بحث استخدام أراضي بلاده ضد الحوثيين أو استقبال فلسطينيين من غزة.

وامتدت النقاشات إلى العلاقات البريطانية الإسرائيلية. فقد رأى إليوت أبرامز، الزميل في مجلس العلاقات الخارجية، أن الإجراءات الإسرائيلية ردًا على حظر لندن استيراد منتجات المستوطنات هدفت إلى إيلامها دبلوماسيًا. وشملت هذه الإجراءات إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، وإبعاد موظفين بريطانيين عن التنسيق الأميركي في غزة، ووقف مشاركة بريطانيا في تدريب قوات الأمن الفلسطينية، ومنع شخصيات بريطانية من دخول إسرائيل. واعتبر أبرامز أن تل أبيب تسعى إلى تقليص الدور البريطاني في الملف الفلسطيني وردع دول أخرى عن خطوات مماثلة، مستشهدًا بما جرى مع هولندا والنرويج.

وفي الملف الإيراني، قُدّمت إيران بوصفها دولة تحت ضغط عسكري واقتصادي غير مسبوق. فقد تضررت منشآتها النووية الرئيسية وقُتل علماء بارزون، لكن المعرفة النووية بقيت، إلى جانب مواد مخصبة مدفونة في عدة مواقع. وقدّر المشاركون أن قدرة إيران على إنتاج الصواريخ والمسيّرات تراجعت إلى ما بين 10% و20% من مستواها السابق، من دون أن يعني ذلك تراجع المخزون القائم. وعزوا ذلك إلى التعاون الأميركي الإسرائيلي وعنصر المفاجأة في هجوم 28 شباط.

واقتصاديًا، تحدث المشاركون عن تهاوي الريال إلى نحو 2.3 مليون للدولار، وتضخم رسمي يقارب 88%، وصعوبات في دفع رواتب القطاع العام. وطرحوا تقديرات بمعارضة 80% من الإيرانيين للنظام، لكنهم استبعدوا انهيارًا فوريًا ورجّحوا مسارًا يمتد من سنة إلى ثلاث سنوات. وتقوم الاستراتيجية المطروحة على الحصار والعقوبات الثانوية لمنع طهران من إعادة البناء، بما في ذلك الضغط على الصين وعلى جهات في تركيا والهند. في المقابل، تراهن طهران على الصمود حتى نهاية ولاية ترامب، مع تحذيرات من ردّ إيراني إذا شعرت بتهديد وجودي.

وعلى المسار السعودي، قيل إن العلاقات مع إسرائيل “أفضل مما يظهر علنًا”، مع تشكك في تطبيع رسمي قريب، وتأكيد أن إدارة ترامب لم تتخلَّ عن توسيع اتفاقيات أبراهام. كما طُرحت السعودية والإمارات ومصر شركاءَ في إعادة تشكيل النظام السياسي والاجتماعي في غزة، استنادًا إلى “خبرتها في مواجهة الحركات الإسلامية”.

وفي لبنان، ساد تفاؤل حذر بتحوّل في موازين القوى، مع تقديرات بتراجع قدرات حزب الله وتراجع الدعم الإيراني، وحديث عن “فرصة غير اعتيادية” لحصر السلاح بيد الدولة. ويقوم المسار المقترح على انتشار تدريجي للجيش اللبناني يقابله انسحاب إسرائيلي، لكنه يصطدم بأسئلة التحقق وتعريف السيطرة الفعلية ومدة الاختبار التي تشترطها إسرائيل. وحذّر المشاركون أنفسهم من أن استمرار الضربات الإسرائيلية قد يُضعف الحزب عسكريًا ويقوّيه سياسيًا بوصفه مدافعًا عن لبنان. من جهته، ربط مسؤول لبناني أي مسار سلام بانسحاب إسرائيلي كامل واحترام السيادة، محذرًا من أن الهجمات الواسعة وحديث الاستيطان قد يقوّضان هذا المسار.

أما سورية، فعُرضت بصورة أكثر إيجابية نسبيًا، مع انقسام إسرائيلي حول الرئيس أحمد الشرع. فهناك من يرى فيه قائدًا براغماتيًا يمكن اختبار تفاهمات أمنية معه، ومن يتعامل معه من منظور أمني بحت. ورغم ذلك، ساد اتفاق على أن ترتيبات أمنية محدودة مع دمشق أكثر واقعية من تطبيع شامل. ويعكس هذا الملف بدوره تراجع ثقة محيط ترامب بإدارة نتنياهو للمشهد الإقليمي.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى