البترودولار بعد الحرب على إيران: لا انهيار بل تآكل تدريجي
البترودولار
أعادت الحرب على إيران، وما رافقها من اضطرابات حادة في مضيق هرمز وتحولات في العلاقات الأمنية والاقتصادية في الخليج، فتح النقاش حول مستقبل “البترودولار” وموقع الدولار في الاقتصاد العالمي. ولتقييم مدى تأثير هذه الحرب في النظام، لا يكفي النظر إلى تسعير النفط بالدولار وحده، بل يجب تحليل الركائز التي أسهمت تاريخياً في ترسيخ هيمنة العملة الأميركية والبيئة الاقتصادية والجيوسياسية الداعمة لها، بدءاً من دور الدولار في تجارة الطاقة وإعادة تدوير الفوائض النفطية، مروراً بالمظلة الأمنية الأميركية في الخليج، ووصولاً إلى موقعه المركزي في النظام المالي العالمي واستخدامه أداةً للنفوذ والضغط الاقتصادي والسياسي.
تنطلق هذه الدراسة المرفقة أدناه، من فرضية أن تأثير الحرب مزدوج ومتناقض زمنياً. ففي الأجل القصير، تستطيع الأزمة أن تعزز بعض وظائف الدولار نتيجة استمرار تسعير معظم تجارة النفط به، وارتفاع قيمة التدفقات النفطية الاسمية عند صعود الأسعار، والطلب على السيولة والأصول الدولارية أثناء الأزمات. أما على المدى الطويل، فإن الحرب والعقوبات واختبار المظلة الأمنية الأميركية في الخليج وتحوّل مركز الطلب على الطاقة باتجاه آسيا، بالتوازي مع تطوير الصين بنية مالية تسمح بالتسويات خارج نظام الدولار، يمكن أن تسرّع الانتقال من نظام شديد التمركز حول الدولار إلى نظام أكثر تعددية.
حتى اليوم لا زال الدولار يمثل 57.13% من احتياطيات النقد الأجنبي المعلنة عالمياً في الربع الأول من 2026، مقابل 1.99% فقط للرنمينبي الصيني. كما أن ارتفاع استخدام نظام المدفوعات الصيني رقائق في بداية الحرب لم يتحول حتى الآن إلى اتجاه دائم. لذلك، فالسيناريو الأكثر اتساقاً مع الأدلة الحالية ليس انهيار البترودولار، وإنما تآكل تدريجي في هيمنته، وظهور ممرات مالية وتجارية موازية إلى جانبه.
خاتمة الدراسة
لا تعني الحرب على إيران نهاية البترودولار، لكنها قد تسرّع تحولات كانت بدأت أصلاً في النظام المالي العالمي. فالدولار ما زال يستفيد من عمق الأسواق الأميركية، وسيولة سندات الخزانة، وانتشاره الواسع في التجارة والتمويل، ما يجعل استبداله السريع أمراً غير واقعي. لكن في المقابل، تتعرض بعض ركائز البترودولار لضغوط متزايدة. فقد انتقل مركز الطلب على النفط الخليجي بدرجة كبيرة نحو آسيا، وتوسعت أنظمة الدفع والتسويات خارج الدولار، فيما دفعت العقوبات الأميركية وتجميد الأصول عدداً من الدول إلى زيادة اهتمامها بتنويع احتياطياتها وقنواتها المالية. كذلك لم يعد مستقبل البترودولار مرتبطاً فقط بعملة تسعير النفط، بل أيضاً بوجهة الفوائض النفطية وما إذا كانت ستستمر بالتدفق إلى الأصول والأسواق الأميركية بالمستوى نفسه. وتزداد أهمية هذه التحولات مع ارتفاع الدين الأميركي وكلفة خدمته، ما يجعل واشنطن أكثر حاجة إلى استمرار الطلب العالمي على الدولار وسندات الخزانة.
لذلك، فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في انهيار البترودولار، بل في تراجع تدريجي في حصريته والانتقال نحو نظام أكثر تعددية. ومن هنا تبرز مسألتان أساسيتان: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على المزايا الاقتصادية والجيوسياسية التي كرّست الدولار عملةً مركزية في تجارة النفط، في ظل اتساع البدائل النقدية والمالية عالمياً، وما الإجراءات التي يمكن أن تتخذها الإدارة الأميركية، خلال الحرب على إيران وبعدها، لإعادة ترميم ما قد يتضرر من مركزية النظام القائم على الدولار، والحفاظ على موقعه المهيمن في بيئة دولية تتزايد فيها آثار الحروب والعقوبات والتحولات الجيوسياسية.
الأكيد أن هيمنة الدولار لم تعد بالصلابة التي تمتعت بها في العقود الماضية، كما أن ملامح نظام مالي أكثر تعددية بدأت بالظهور، وإن لم تتضح ركائزه النهائية بعد. وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى ترميم موقعها والحفاظ على مركزية الدولار باستخدام أدوات متعددة، من العقوبات والضغط الاقتصادي إلى النفوذ السياسي والعسكري. إلا أن نجاح هذه الأدوات ليس مضموناً بصورة دائمة، لأن الإفراط في استخدامها قد يدفع الدول الأخرى إلى تسريع بناء البدائل التي تقلل اعتمادها على النظام القائم على الدولار. ومن هنا، فإن التحدي الأميركي لم يعد فقط في الحفاظ على الهيمنة، بل في منع الأدوات المستخدمة لحمايتها من أن تتحول هي نفسها إلى عوامل تسرّع تآكلها.
لتحميل الدراسة من هنا




