عاجل | من حراسة البحار إلى القارة: هل تغيّر الحرب على إيران عقيدة القوة الأميركية؟
عاجل | من حراسة البحار إلى القارة: هل تغيّر الحرب على إيران عقيدة القوة الأميركية؟
تقوم القوة الأميركية على مفارقة جغرافية فالولايات المتحدة دولة قارية بحكم موقعها، لكنها بنت نفوذها إلى حد كبير بوصفها قوة بحرية. فمنذ هيمنتها، لم تكتفِ واشنطن بحماية سواحلها وحدودها، بل أنشأت أسطولاً قادراً على العمل في مختلف المحيطات، وأقامت شبكة واسعة من القواعد والتحالفات والممرات البحرية التي سمحت لها بالتأثير في التجارة والأمن والسياسة خارج حدودها.
غير أن هذه الرؤية تعرضت لاختبار بالغ الأهمية خلال الحرب الأميركية الأخيرة على إيران. فوجود واحدة من أقوى القوات البحرية في العالم لم يكن كافياً لمنح واشنطن السيطرة على واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم مضيق هرمز. ومع استمرار قدرة إيران على التحكم بحركة الملاحة في المضيق، برزت حدود القوة البحرية الأميركية.
وهنا تطرح تجربة الحرب على إيران سؤالاً حول شكل القوة الأميركية في المرحلة فهل لا تزال واشنطن تنظر إلى قوتها البحرية باعتبارها الأداة الرئيسية التي تتيح لها فرض نفوذ عالمي، أم أنها بدأت تعيد ترتيب أولوياتها وفق مفهوم أكثر قارية للقوة، حتى في ظل استخدامها للقوة العسكرية خارج حدودها؟
وليس هذا التحول مجرد قراءة في سياسات ترامب، بل هو توصيف طرحه مأوضح في مجلة “The National Interest”، يرى أن دونالد ترامب “يميل أكثر إلى النظر إلى الولايات المتحدة بوصفها قوة قارية، لا قوة بحرية”. وتكتسب هذه الرؤية زخمها بعد الحرب الأخيرة على إيران.
لفهم التحول الذي يصفه المأوضح المذكور أعلاه؛ لا بد من التمييز أولاً بين امتلاك القوة البحرية وبين كون الدولة “قوة بحرية” بالمعنى الاستراتيجي. فالولايات المتحدة تمتلك القوة البحرية الأكثر تفوقاً في العالم، من حاملات الطائرات والغواصات النووية إلى المدمرات والطيران البحري وشبكة القواعد المنتشرة على امتداد المحيطات. لكن امتلاك هذه القدرات لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة يمكنها السيطرة على البحار وتهديد الاقتصاد وسلاسل الإمداد…
وهنا يظهر طرح المؤرخ البحري البريطاني أندرو لامبرت، الذي يميز بين “القوة البحرية” بوصفها امتلاكاً لأدوات عسكرية قادرة على العمل في البحر، وبين الدولة البحرية التي تجعل الممرات البحرية جزءاً أساسياً من استراتيجيتها وهويتها ومصالحها.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة عند إسقاطها على الحرب الأخيرة مع إيران. فقد دخلت الولايات المتحدة المواجهة وهي تملك أسطولاً بحرياً كبيراً، لكن من استطاع فرض إرادته على مضيق هرمز؟
إيران، استفادت من موقعها الجغرافي وقدراتها الصاروخية والمسيرات والوسائل غير المتكافئة للحرب البحرية، واستطاعت أن تجعل تأمين الملاحة فقط وإعادة فتح المضيق أمام حركة طبيعية مسألة شديدة التعقيد والكلفة بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
وهذا هو الفارق بين امتلاك البحر والسيطرة عليه. حيث أن الولايات المتحدة تستطيع إرسال حاملات الطائرات إلى منطقة الخليج، لكنها لا تستطيع تغيير حقيقة أن هرمز يقع عند نقطة جغرافية ملاصقة لإيران، وأن أي قوة بحرية تعمل فيه تتحرك داخل بيئة يمكن لإيران أن تستثمر تفاصيلها الجغرافية والعسكرية لممارسة الضغط عليها. وبالتالي، لا تحتاج طهران إلى امتلاك أسطول يوازي الأسطول الأميركي حتى تحرم واشنطن من تحقيق هدفها؛ يكفي أن تجعل استخدام القوة البحرية الأميركية غير قادر على إنتاج النتيجة السياسية التي تريدها.
هل تنكفئ واشنطن من البحر إلى القارة؟
بعدما كشفت الحرب مع إيران حدود البحرية الأميركية، فهل ستدفعها هذه التجربة إلى إعادة النظر في الشكل الذي تريد أن تتخذه؟
فما كشفته الحرب قد يعزز داخل الولايات المتحدة اتجاهاً كان موجوداً أصلاً، يقوم على التساؤل عن جدوى استمرار واشنطن في تحمل الكلفة العسكرية والسياسية لحماية ممرات بحرية لا ترتبط جميعها بمصالحها المباشرة. فمضيق هرمز، على سبيل المثال، لا يزود الولايات المتحدة وحدها بالطاقة، بل يمثل شرياناً حيوياً لأوروبا وشرق آسيا أيضاً. وإذا كانت واشنطن هي التي تتحمل الجزء الأكبر من كلفة تأمين هذا الشريان، فمن الطبيعي أن يطرح التيار الترامبي سؤالاً بسيطاً: لماذا تتحمل الولايات المتحدة كلفة نظام بحري تستفيد منه اقتصادات منافسة أو حليفة بقدر ما نستفيد؟
من هذا المنطلق فإن الحرب على إيران باتت تشكل اختبار لفكرة المصلحة الأميركية. فإذا كانت الولايات المتحدة تستطيع الاعتماد بدرجة أكبر على مواردها القارية، فقد يصبح من الصعب إقناع الناخب الأميركي بضرورة دفع المزيد من المال والجنود والسفن لحماية طرق التجارة الممتدة آلاف الكيلومترات بعيداً عن الأراضي الأميركية.
وهذا بالضبط ما يجعل طرح رؤية “القوة القارية” مهماً.
وقد تكون هذه النقلة محبذة في ظل حكم ترامب، الذي ينظر إلى القوة الخارجية بما تحققه للولايات المتحدة من مكاسب. يعني بالمبدأ البرغماتي ويفضل التراجع عن بعض الالتزامات التي روجت لها واشنطن بوصفها “حامية للنظام البحري العالمي”.
ولعل مقاربة ترامب بين فنزويلا وإيران كشفت عن خطأ جسيم في التقدير، وأظهرت أن جزءاً من التفكير الأميركي لا يزال أسير منطق القوة القارية، حتى عندما تتحرك خارج حدودها. فترامب، الذي بدا واثقاً من إمكانية تكرار النموذج الذي اتبعته الولايات المتحدة في فنزويلا، اصطدم في إيران ببيئة استراتيجية لا يمكن اختزالها في منطق الضغط.
ففنزويلا تقع داخل المجال الأميركي المباشر، في محيط تستطيع واشنطن فيه استثمار تفوقها الاقتصادي والعسكري والسياسي والجغرافي بصورة متكاملة. أما إيران فتقع في منطقة بعيدة عن الأراضي الأميركية، وتتمتع بعمق جغرافي كبير، وتجاور أحد أهم الممرات البحرية في العالم، كما أن أي مواجهة معها تتداخل بصورة مباشرة مع أمن الخليج وحركة الطاقة والتجارة العالمية.
ولذلك، فإن ما يمكن تسميته “أسلوب القارة” في ممارسة القوة لا ينتقل بالسهولة نفسها إلى ما وراء المحيطات. فعندما تعبر هذه القوة آلاف الكيلومترات إلى منطقة أخرى، فإنها تدخل في حسابات مختلفة تماماً
وهذا ما عكسته تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، قبل استشهاده خلال الحرب، حين أوضح إن “واشنطن اعتقدت أنها تستطيع إنهاء الحرب خلال فترة قصيرة كما فعلت في فنزويلا، لكنها فشلت، بسبب خطأ ترامب في تقدير إيران والمنطقة”.
لكن إذا كانت تجربة إيران قد أظهرت حدود التفكير الأميركي عندما يعبر المحيط، فإن التصور يصبح أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالصين. فهل تستطيع الولايات المتحدة، في ظل صعود قوة تنافسها على النفوذ العالمي وتمتلك طموحاً بحرياً متزايداً، أن تنكفئ نحو قارتها وتقلص حضورها في البحار؟
الصين تمثل نقيضاً شبه كامل للاتجاه الذي قد تدفع إليه الترامبية. فبكين لا تنظر إلى البحر باعتباره مساحة بعيدة عن مصالحها، بل باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والعسكري ومشروعها الجيوسياسي. وقد عملت خلال السنوات الماضية على بناء قوة بحرية متنامية، وتطوير قدراتها الصاروخية والفضائية والجوية، وتعزيز حضورها في الممرات البحرية التي تمر عبرها تجارتها، انطلاقاً من إدراك أن قوة الصين الاقتصادية لا يمكن فصلها عن قدرتها على حماية طرق التجارة والطاقة التي تعتمد عليها.
والأهم أن التحدي الصيني لا يقتصر على حماية التجارة. فالصين تعمل على بناء قدرة تجعل أي تدخل عسكري أميركي في محيطها القريب أكثر صعوبة، من خلال الصواريخ المضادة للسفن، والغواصات، والطائرات والمسيّرات، وقدرات الاستطلاع والاستهداف بعيدة المدى. وبالتالي، فإن البيئة التي عانت فيها الولايات المتحدة كانت نموذجاً عن ما ستعانيه غرب المحيط الهادئ في حال أي مواجهة مع الصين.
لذا فإن قررت الولايات المتحدة الانكفاء نحو القارة، ستزداد أهمية البحر بالنسبة إلى منافسها الصيني. ولن يتركه شاغراً.
ولذلك، فإن الرجوع عن القوة البحرية إلى القوة القارية الذي فرضته الحرب مع إيران، لا يمكن أن يحدث دون خسارة الولايات المتحدة لموقعها. لأن هذا تلقائياً سيمنح الصين هامشاً أوسع.
ومن هنا، قد تكون المشكلة التي تواجه الترامبية معقدة كثيراً، خصوصاً في ظل رغبتها في العودة إلى القارة، لكن العالم الذي تتحرك في وقت تخالف فيه الظروف هذا التحول. في ظل وجود إيران وروسيا والصين المستعدة للاستثمار بأي تراجع أميركي.
ولهذا، فإن حقيقة الصراع ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قارية أم بحرية، بل ما إذا كان بإمكانها أن تكون قوة قارية في أولوياتها، بينما تظل قادرة على منع قوة أخرى من السيطرة على البحار التي تشكل أساس نفوذها العالمي.
قد تكون الولايات المتحدة بصدد الابتعاد عن دور “حارس البحار” لا عن البحر نفسه. فهي ستظل بحاجة إلى البحرية لتأكيد قوتها والاستعراض المتكرر، لكنها قد تصبح أقل استعداداً لاستخدامها خصوصاً في حماية مصالح الآخرين.
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




