عاجل عاجل | يلتقط مقطع فيديو أمني لحظات بعد مقتل رجل برصاص ICE في ولاية ماين
صحافة

عاجل | لماذا يشبه اتفاق الإطار 17 أيار أكثر مما يبدو؟

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | لماذا يشبه اتفاق الإطار 17 أيار أكثر مما يبدو؟

ليست المشكلة في أن "إسرائيل" ولبنان عادا إلى طاولة التفاوض بعد أكثر من أربعة عقود على إسقاط اتفاق 17 أيار، بل في أن الوثيقة الجديدة تكشف، من حيث لا تقصد، أن المعضلة الاستراتيجية التي واجهت ذلك الاتفاق لم تختفِ، وإنما تغيرت أدوات التعامل معها. فالوثائق السياسية لا تكشف فقط ما تريده الدول، بل تكشف أيضاً ما لم تعد قادرة على فرضه بالقوة. وكلما ازدادت الاتفاقات تعقيداً وتفصيلاً، ازداد احتمال أنها لا تعكس فائضاً في القوة، بل محاولة لتعويض حدودها.

لهذا السبب، تبدو المقارنة بين اتفاق 17 أيار 1983 واتفاق الإطار الجديد أكثر أهمية من المقارنة بين الظروف التي وُلد فيها كل منهما. فالفاصل الزمني بين الوثيقتين يزيد على أربعين عاماً، لكن السؤال الاستراتيجي الذي تحاولان الإجابة عنه بقي واحداً تقريباً: كيف يمكن ضمان أمن إسرائيل من الجبهة اللبنانية، ومنع تحول جنوب لبنان إلى منصة تهديد، مع تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية إنتاج هذا الأمن؟

تتغير اللغة، وتتبدل المصطلحات، وتتوسع الملاحق، لكن الفكرة المركزية تبقى ثابتة.

عام 1983، انطلقت "إسرائيل" من افتراض أن التفوق العسكري المباشر قادر على إنتاج نظام سياسي وأمني جديد. لذلك جاء الاتفاق انعكاساً واضحاً لمنطق تلك المرحلة؛ إنهاء حالة الحرب، الاعتراف بالحدود الدولية، إنشاء منطقة أمنية، تنظيم انتشار الجيش اللبناني، تحديد نوعية الأسلحة، إنشاء لجان اتصال ولجان تحقق مشتركة، وربط مستقبل العلاقات الثنائية بآليات تعاون سياسي وأمني واقتصادي. كان النص يفترض أن الإنجاز العسكري يمكن تحويله إلى واقع سياسي دائم.

أما اتفاق الإطار، فينطلق من نقطة مختلفة، لكنه يصل إلى الغاية نفسها بوسائل أكثر تعقيداً. فلا وجود لمنطقة أمنية معلنة، لكن هناك "مناطق نموذجية". ولا وجود لجدول انسحاب مستقل عن الواقع الميداني، بل انسحاب مشروط بالتحقق من نزع السلاح. ولا وجود لقيود مباشرة على انتشار الجيش اللبناني، بل ربط بين إعادة الانتشار وبين قدرة الدولة على احتكار استخدام القوة. وحتى الدور الأمريكي لم يعد يقتصر على الرعاية السياسية، بل يمتد إلى تصميم آليات التنفيذ، والتحقق، وربط المساعدات الاقتصادية والمالية والأمنية بمراحل الإنجاز.

من هنا، فإن الاختلاف بين الوثيقتين هو اختلاف في الوسائل أكثر منه اختلافاً في المقاصد.

لكن القراءة البنيوية تكشف تحولاً أكثر أهمية من مجرد تطور الصياغة القانونية.

ففي الثمانينيات، كانت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تقوم على السيطرة الميدانية، وإنشاء الأحزمة الأمنية، وإنتاج وقائع جغرافية دائمة. أما اليوم، فإن الوثيقة الجديدة تعكس انتأوضحاً نحو عقيدة مختلفة؛ إدارة المخاطر بدلاً من إلغائها، والتحكم في البيئة الأمنية عبر منظومات تحقق ومراقبة وتدرج، بدلاً من الاعتماد على الاحتلال المباشر بوصفه الضامن الوحيد للأمن.

وهذا التحول لا ينبغي فهمه باعتباره تعبيراً عن تغير في الأهداف، بل عن تغير في إدراك حدود القوة.

فالدول التي تمتلك القدرة على فرض الوقائع بالقوة لا تكتب عشرات الصفحات من الملاحق الأمنية وآليات التحقق ومؤشرات الأداء. وعندما تتحول الوثيقة إلى شبكة معقدة من اللجان والرقابة والاشتراطات، فإن ذلك يعكس إدراكاً بأن البيئة التي سيطبق فيها الاتفاق ليست بيئة مستقرة، وأن النص وحده لن يكون كافياً لضمان نتائجه.

لهذا، فإن الوثيقة الجديدة لا تقدم تصوراً لسلام نهائي بقدر ما تقدم تصوراً لإدارة مرحلة انتأوضحية طويلة. وهي بذلك تمثل انتأوضحاً من منطق "فرض النظام" إلى منطق "إدارة الوصول إلى النظام". وهذا تحول مهم في فلسفة الأمن الإقليمي، لأنه يعكس إدراكاً بأن الاستقرار لم يعد يُنتج عبر السيطرة العسكرية وحدها، بل عبر تداخل الأمن، والاقتصاد، وإعادة الإعمار، وبناء المؤسسات، وآليات التحقق الدولية.

وفي هذا السياق، يتجاوز الدور الأمريكي مفهوم الوساطة التقليدية. فالولايات المتحدة لا تؤدي وظيفة الميسر للمفاوضات فحسب، بل تصبح جزءاً من بنية الاتفاق نفسها؛ تشارك في تصميم الترتيبات الأمنية، وتراقب التنفيذ، وتربط الدعم الاقتصادي والمالي بإجراءات أمنية محددة، وتسعى إلى تحويل إعادة الإعمار إلى أداة من أدوات تثبيت النظام الأمني الجديد. وهذا يعكس تطوراً في مقاربة واشنطن لإدارة الأزمات، حيث لم تعد تفصل بين الأمن والاقتصاد والحوكمة، بل تتعامل معها بوصفها عناصر مترابطة في عملية واحدة.

ومن زاوية أوسع، لا يمكن فصل هذه الوثيقة عن التحولات التي يشهدها النظام الإقليمي. فالصراع لم يعد يدور فقط حول خطوط الحدود أو قواعد الاشتباك، بل حول من يمتلك القدرة على تصميم قواعد النظام نفسه. ولهذا، فإن اتفاق الإطار يبدو أقرب إلى محاولة لبناء إطار حوكمة أمنية طويلة الأمد منه إلى كونه اتفاقاً لإنهاء نزاع عسكري محدد.

غير أن التاريخ اللبناني يقدم تحذيراً واضحاً من المبالغة في قدرة الوثائق على إعادة تشكيل الواقع.

فمن اتفاق القاهرة، إلى اتفاق 17 أيار، مروراً بتفاهم نيسان والقرار 1701، تكشف التجربة اللبنانية أن النصوص تستطيع تنظيم توازنات قائمة، لكنها لا تستطيع أن تخلق توازنات جديدة إذا لم تكن البيئة السياسية والأمنية قد وصلت إليها بالفعل. ولهذا، فإن نجاح أي اتفاق لا يرتبط بدرجة إحكام صياغته القانونية، بل بمدى انسجامه مع ميزان القوى الذي يفترض أنه ينظمه.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو المقارنة مع اتفاق 17 أيار أكثر دلالة مما قد يظهر للوهلة الأولى. فكلا الاتفاقين ينطلق من فرضية أن إعادة تعريف دور الدولة اللبنانية يمكن أن تصبح المدخل لإعادة إنتاج الأمن على الحدود. وكلاهما يمنح الولايات المتحدة موقعاً محورياً في إدارة التنفيذ. وكلاهما يعتمد على ترتيبات أمنية متدرجة تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار. لكن التجربة التاريخية تأفاد أيضاً بأن قدرة أي وثيقة على الصمود تبقى مرتبطة بتفاعلها مع البيئة السياسية الداخلية والإقليمية، لا بما تتضمنه من مواد أو ملاحق.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فكلما أصبحت الاتفاقات أكثر تفصيلاً، ازدادت حاجتها إلى بيئة سياسية مستقرة تستطيع حملها. أما عندما تكون البيئة نفسها موضع تنازع مستمر، فإن كثافة النصوص قد تعكس حجم القلق من التنفيذ أكثر مما تعكس الثقة في نجاحه.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان اتفاق الإطار يكرر اتفاق 17 أيار حرفياً، ولا ما إذا كان يختلف عنه في التفاصيل القانونية، بل ما إذا كانت المنطقة نفسها قد تغيرت بالقدر الذي يسمح بإنتاج نموذج مختلف لإدارة الصراع. فالنصوص تستطيع أن ترسم خرائط للسلام، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع موازين القوى التي تمنح تلك الخرائط حياتها.

ولهذا، فإن اتفاق الإطار قد يكون أكثر اختلافاً عن اتفاق 17 أيار في الشكل، لكنه أكثر شبهاً به في الفلسفة التي تحكمه. فكلتا الوثيقتين تنطلقان من محاولة تحويل الترتيبات الأمنية إلى أساس لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة، والحدود، والأمن الإقليمي. ويبقى الاختبار الحقيقي، كما كان دائماً، خارج النص نفسه: في قدرة الواقع على حمل ما تقترحه الوثيقة، لا في قدرة الوثيقة على إعادة كتابة الواقع.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى