🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | المبادرة والحذر الاستراتيجي: عقيدتان في مواجهة واحدة:*اغتيال الإمام الخامنئي: حين يسبق الرهان اليقين
المبادرة والحذر الاستراتيجي:
عقيدتان في مواجهة واحدة
جريدة الأخبار _ رأي _نادر عجمي
*اغتيال الإمام الخامنئي: حين يسبق الرهان اليقين
أرجّح أن الكيان الصهيوني والمؤسسات العميقة الصهيونية الحاكمة في أميركا قد أقنعت وورّطت ترامب والولايات المتحدة معه في عملية اغتيال الإمام السيد الخامنئي. ولا أوافق على أن التقديرات الأميركية والإسرائيلية وأجهزتهما الأمنية انطلقت من فرضية أن ضربةً أولى، واغتيالَ طبقةٍ من القادة، كفيلان بانهيار منظومة القيادة والسيطرة في الجمهورية الإسلامية. فهذه منظومة متداخلة ومتراكمة ومتفرّعة، يعرف عمقها وتعقيداتها كلٌّ من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) و«الموساد».
وأظن أن المقاربة الإسرائيلية - الأميركية قامت على سياسة جسّ النبض واختبار ردود الفعل؛ أي إحداث صدمة أولى، ثم مراقبة حجم الارتدادات، وقياس قدرة الخصم على الاستجابة، والبناء على النتائج في رسم الخطوات اللاحقة. فالمسألة لم تكن مجرّد ضربة عسكرية، بل اختبارًا استراتيجيًّا لمعرفة ما ستكشفه لحظة المواجهة عن تماسك المنظومة وقدرتها على إدارة الأزمة، والاستفادة من لحظة سياسية تقاطعت فيها المصالح والأهداف الإسرائيلية، بقيادة نتنياهو، مع الحسابات الأميركية لترامب في مواجهة عدو مشترك. ولذلك نُفِّذت العملية، وفق هذا التقدير، بتنسيق وتكامل بين الطرفين.
فهناك مدرستان في صناعة القرار: الأولى تبني حساباتها على تسلسل الخطوات (أ، ب، ج، د)، فتضع مُسبقًا سلسلةً طويلةً من الاحتمالات والنتائج، ولا تُقدِم على الخطوة (أ) إلا بعد أن تكون الخطوات اللاحقة واضحةً ومحسوبةً ومدروسةً بإتقان. أمّا الثانية، فتنطلق من خطوة أولى محسوبة، ثم تترك مساحةً واسعةً لتقدير الموقف وفق ما تفرزه الوقائع وما يكشفه الميدان، بحيث تتشكّل الخطوات اللاحقة تباعًا. وليس بالضرورة أن يكون أحد النهجين هو الصواب المطلق، فلكلٍّ منهما ظروفه وشروطه وحدوده. فالإسرائيلي راهن على الصدمة والفراغ، وتفكيك شبكة القرار، وتحريك الشارع على المدى القريب والمتوسط.
وفي تقديري، فإن إسرائيل استفادت من لحظة تقاطع سياسي مع إدارة ترامب، وربما دفعت نحو استثمار هذه اللحظة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها أحاطت بكل زوايا المشهد أو احتسبت جميع التداعيات المحتملة، ولا سيما النتائج السلبية التي قد تنعكس على ترامب والولايات المتحدة سياسيًّا واستراتيجيًّا. فالمبادرة لا تعني دائمًا إحكام السيطرة على جميع مآلاتها، وأحيانًا تحمل الخطوة الأولى في طياتها مخاطر وارتدادات قد تتجاوز حسابات من أطلقها.
وفي هذا السياق، أعتقد أن إسرائيل تميّزت، خلال السنوات الماضية، بنقطة ارتكاز أساسية هي المبادرة، بما يعكس تطويرًا لكثير من أدوات وعناصر عقيدتها الأمنية، ولا سيما في اتجاه العمل الاستباقي، وتوسيع هامش الحركة، والاعتماد على التفوّق الاستخباراتي والعمليات الدقيقة. لكن لا ينبغي أن يقود ذلك إلى تصوّر أن إسرائيل تتحرك دائمًا وفق حسابات دقيقة ومضمونة، أو أنها لا تخوض المخاطر والمغامرات. فجزء من أسلوبها يقوم أيضًا على المخاطرة والمقامرة المحسوبة، وعلى اختبار حدود الخصم وقدرته على الردع. وقد مكّنتها هذه الخلطة، في محطات معينة، من تحقيق إنجازات عملياتية، لكنها لا تعني أنها عصيّة على الخطأ، أو أنها تحتسب جميع السيناريوات بدقة كاملة.
والدليل أن نجاح عملية اغتيال أو اختراق أمني لا يعني بالضرورة نجاح الأهداف السياسية والاستراتيجية التي تقف خلفها، بل إن التقدير الأكثر واقعية قد يكون أن إسرائيل، رغم امتلاكها معلومات استخباراتية وأمنية واسعة عن طبيعة النظام في الجمهورية الإسلامية، كانت تدرك أن المشهد الداخلي والمؤسّسي أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في اغتيال شخصيات قيادية، وأن احتمال فشل الرهان السياسي، رغم نجاح العملية الأمنية، كان قائمًا منذ البداية.
*حماس تخرق القاعدة وتبادر إلى تنفيذ عمليتها
المُثير للاهتمام هو مبادرة حماس، بوصفها حركة مقاومة، إلى تنفيذ عمليتها في 7 أكتوبر 2023 على المستوى العملياتي والاستخباري، وتحقيق المفاجأة. فقد استغلّت الافتراضات الإسرائيلية المُسبقة بشأن الردع، وكثافة الاعتماد على التكنولوجيا، والتقدير القائل إن الحركة غير معنية بخوض حرب واسعة. لذلك تمكّنت من اختراق الحدود، وشلّ منظومات القيادة والسيطرة في الساعات الأولى، وفرضت إيقاعها في بداية المعركة. وبهذا المعنى، استطاعت حماس أن تقلب بعض مُسلّمات العقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على الإنذار المبكر، والدفاع المتقدّم، ونقل القتال سريعًا إلى أرض الخصم.
لكن هذا النجاح لم يتحوّل تلقائيًّا إلى نجاح استراتيجي؛ إذ لم تحقّق الحركة، حتى الآن، أهدافًا استراتيجية حاسمة بالمعنى العسكري أو السياسي، ودخلت في حرب طويلة ذات كلفة باهظة.
في المقابل، استعادت إسرائيل زمام المبادرة بعد الصدمة الأولى، وأظهرت قدرة كبيرة على التكيّف والابتكار العملياتي، فنفّذت سلسلة من العمليات النوعية ضد أطراف في محور المقاومة، شملت اغتيالات وضربات دقيقة وعمليات استخبارية مُعقّدة في مراحل مختلفة من الحرب. ويعكس ذلك مرونة مؤسساتها الأمنية والعسكرية في استعادة المبادرة.
ومع ذلك، واجهت إسرائيل أيضًا فجوة بين الإنجاز العملياتي والنتيجة الاستراتيجية. فعلى الرغم من نجاحها في تنفيذ عمليات نوعية وإلحاق خسائر كبيرة بخصومها، ظل تحقيق أهدافها المُعلنة، مثل القضاء الكامل على حماس، واستعادة جميع الرهائن بالقوة العسكرية، وضمان واقع أمني مستقر في غزة، موضع نقاش، ولم يتحقّق بصورة حاسمة في المدى المنظور.
*المبادرة وإرباك الخصم: قراءة في الحرب وفق نظرية جون بويد
تُعدّ نظرية جون بويد (ضابط طيار في سلاح الجو الأميركي، 1927–1997، ويُعد من أبرز المنظّرين العسكريين في القرن العشرين، واشتهر بتأثيره الفكري أكثر من إنجازاته القيادية) من أكثر الأطر التحليلية مُلاءمة لفهم ما جرى منذ 7 أكتوبر، لأنها تنظر إلى الحرب بوصفها صراعًا على المبادرة وسرعة اتخاذ القرار.
فجوهر نظريته، المعروفة بحلقة OODA (المراقبة، والتوجيه، واتخاذ القرار، والتنفيذ)، لا يقوم على مجرد مواجهة بين موازين القوى، بل على أن الطرف المنتصر ليس بالضرورة الأقوى عسكريًّا، وإنما هو القادر على المرور بهذه الحلقة بسرعة أكبر من خصمه، بحيث يفرض عليه إيقاع المعركة ويجبره على الاكتفاء بردود الفعل.
من هذا المنظور، نجحت حماس في المرحلة الأولى من عملية السابع من أكتوبر في الدخول إلى داخل الحلقة الإسرائيلية. فقد راقبت خصمها سنوات طويلة، ودرست افتراضاته الأمنية والاستخبارية، واختارت توقيتًا غير متوقّع، ثم نفّذت هجومها بسرعة أربكت القيادة الإسرائيلية وأفقدتها القدرة على الاستجابة الفورية. ووفق معيار بويد، استطاعت حماس في الساعات الأولى أن تنتزع المبادرة، وأن تجعل إسرائيل تتلقّى الأحداث بدل أن تصنعها.
لكنّ هذه المعادلة لم تستمر طويلًا. فقد تمكّنت إسرائيل من إعادة بناء صورتها الاستخبارية بسرعة، وأعادت تنظيم عملية اتخاذ القرار، ثم استعادت المبادرة عبر سلسلة من العمليات العسكرية والأمنية والاستخبارية، ووسّعت ساحات الاشتباك، ونقلت الضغط إلى خصومها. وبهذا المعنى، نجحت في العودة إلى داخل حلقة خصومها، وفرضت عليهم، في مراحل عديدة، التكيّف مع مبادراتها بدل فرض إيقاعهم عليها.
أمّا إيران والمحور، فقد اتبعا، في معظم مراحل المواجهة، نهجًا مختلفًا. فقد غلب على أدائهما الطابع التفاعلي أكثر من الطابع المبادر، إذ جاءت غالبية خطواتهما في سياق الرد على مبادرات الخصم أو احتواء آثارها، مع الحرص على ضبط مستوى التصعيد. ويمكن القول إن هذا النهج حافظ على قدر من التحكّم بوتيرة التصعيد، لكنه لم يسعَ، في أغلب الأحيان، إلى نقل الخصم بصورة مستمرة إلى موقع رد الفعل، وهو العنصر الذي يضعه بويد في صلب مفهوم المبادرة.
وبناءً على ذلك، تكشف نظرية جون بويد أن المبادرة ليست ملكًا لطرف واحد، بل هي حالة ديناميكية تنتقل بين المتحاربين تبعًا لقدرتهم على المراقبة، وفهم الواقع، واتخاذ القرار، والتنفيذ بوتيرة أسرع من الخصم. فقد انتزعتها حماس في بداية الحرب، ثم استعادت إسرائيل زمامها في مراحل لاحقة، بينما اختار المحور، في معظم محطات المواجهة، إدارة الصراع من موقع أكثر تحفظًا، الأمر الذي يثير سؤالًا استراتيجيًّا حول ما إذا كان الانتأوضح من رد الفعل إلى المبادرة يمكن أن يغيّر دينامية الصراع في المراحل المقبلة.
*كلاوزفيتز: الحرب تُقاس بالغاية السياسية لا بالنجاح العملياتي
يُعدّ كارل فون كلاوزفيتز (جنرال ومفكر عسكري بروسي، ويُعد أشهر منظّر للحرب في التاريخ الحديث. ألّف كتابه الشهير «في الحرب»، الذي لا يزال حتى اليوم من أهم المراجع في الدراسات العسكرية والاستراتيجية) من أبرز المنظّرين الذين انطلقوا من مبدأ أن الحرب ليست غايةً في ذاتها، بل هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى. ومن هذا المنظور، لا يُقاس النجاح بعدد العمليات العسكرية، أو حجم الخسائر التي يُلحِقها كل طرف بخصمه، أو حتى بحجم الاختراقات الاستخبارية، وإنما بقدرته على ترجمة الإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية تحقّق الغاية التي خاض الحرب من أجلها.
ويشير كلاوزفيتز كذلك إلى «الاحتكاك» بوصفه السبب الذي يجعل سير المعارك يخرج عن مسار الخطط الموضوعة سلفًا. فإرادة الخصم، وتقلبات الزمن، وضغوط الرأي العام، والقيود الدولية، والمفاجآت الميدانية، عوامل تتداخل لتغير مجرى الأحداث وتُلزِم المتحاربين بمراجعة تقديراتهم على نحو دائم.
كما يطرح مفهوم «نقطة الذروة»، وهي اللحظة التي ينقلب فيها استمرار الهجوم من أداة لتحقيق المكاسب إلى عبء سياسي وعسكري، حين تصبح كلفته أفدح من العائد المرتجى.
ومن هذا الإطار النظري يمكن قراءة الحرب التي أعقبت السابع من أكتوبر. فقد حقّقت حماس نجاحًا عملياتيًّا واستخباريًّا بارزًا في تنفيذ هجومها المباغت، وأحدثت صدمة عميقة في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، إلا أن هذا الإنجاز، حتى الآن، لم يتحوّل إلى حسم سياسي يحقّق الغايات التي انطلقت العملية من أجلها.
وفي المقابل، استعادت إسرائيل زمام المبادرة، وأظهرت تفوّقًا واضحًا في مجالات الاستخبارات والعمليات العسكرية، ونفّذت سلسلة واسعة من الضربات والاغتيالات والاختراقات الأمنية، لكنها، وفق المعيار الكلاوزفيتزي نفسه، لم تتمكن حتى الآن من ترجمة هذا التفوّق العملياتي إلى تحقيق كامل أهدافها السياسية المعلنة، سواء على مستوى إنهاء التهديد، أو فرض واقع أمني وسياسي جديد ومستقر.
أمّا إيران وحلفاؤها، فقد انتهجوا مقاربة مختلفة، قوامها امتصاص الصدمة، والحفاظ على تماسك منظوماتهم، ومنع الخصم من استثمار نجاحاته العملياتية في فرض نتائج سياسية نهائية. وقد أظهرت المواجهات أن طهران استطاعت احتواء آثار الضربات، وإعادة تنظيم منظومتها القيادية، والحيلولة دون تحوّل الإنجازات العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية إلى نصر سياسي حاسم. لكنها، في المقابل، لم تنتقل هي الأخرى إلى فرض معادلة سياسية جديدة تُحدِث تحوّلًا استراتيجيًّا في مسار الصراع، بل بقي أداؤها، في معظمه، ضمن إطار إدارة المواجهة والردع المتبادل، أكثر منه السعي إلى فرض واقع سياسي جديد.
*ماذا لو أعادت إيران قراءة عقيدتها الأمنية؟
وهنا يبرز السؤال الأهم: إذا كانت المبادرة هي القادرة على تغيير موازين القوى وفرض إيقاع الصراع، فلماذا بقيت إيران، في معظم مراحل المواجهة، تتحرك ضمن منطق الاستجابة لمبادرات خصومها أكثر من سعيها إلى فرض مبادراتها؟
لقد انتهجت إيران، طوال عقود، سياسة الصبر الاستراتيجي، وضبط التصعيد، وإدارة الصراع بحسابات دقيقة فرضتها اعتبارات إقليمية ودولية مُعقّدة، فضلًا عن الحرص على تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة في توقيت يختاره الخصم. كما أن عملية «طوفان الأقصى»، وما أعقبها من تفوّق ناري إسرائيلي هائل، وضعت محور المقاومة أمام بيئة سياسية وعسكرية مُعقّدة قيّدت هامش المبادرة في كثير من المحطات.
لكن تطورات الحرب غيّرت جزءًا من هذه البيئة. فقد اتسع الضغط السياسي على إسرائيل، وأظهرت المواجهة اللاحقة مع إيران قدرة طهران على امتصاص الضربة والحفاظ على تماسكها، بعد أن تعرّضت لعدوان صهيوأميركي، بينما كانت تتجه نحو مسار تفاوضي في سلطنة عمان.
ومع ذلك، فإن إسرائيل، ومعها المنظومة الصهيونية الحاكمة في الولايات المتحدة، لم تتخلّيا عن عقيدتهما القائمة على المبادرة والعمل الاستباقي. فالتصريحات الصادرة عن قادة إسرائيل، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو، تؤكد أن مبدأ «انهض واقتل أولًا» لا يزال يحكم تفكيرهم، وأنهم يواصلون البحث عن فرصة لتنفيذ مبادرة هجومية جديدة، بعد إخفاق عملياتهم السابقة في تحقيق أهدافها السياسية.
من هنا، فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت إيران تمتلك عناصر القوة، أو ما إذا كانت تدرك أنها دخلت اللعبة العالمية الكبرى من بابها الواسع، بل ما إذا كانت المرحلة المقبلة تفرض عليها إعادة قراءة عقيدتها الأمنية، بحيث تصبح المُبادرة، لا ردّ الفعل، نقطة الانطلاق في إدارة الصراع.
فبعد أن اختبرت حماس المبادرة، ثم استعادت إسرائيل زمامها، من دون أن ينجح أيّ منهما في تحقيق حسم سياسي نهائي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينتظر المحور، بقيادة إيران، مبادرةً صهيو-أميركيةً جديدة، أم يقلب قواعد اللعبة، وينتزع زمام المبادرة، ويفرض معادلات جديدة؟
هذه، في تقديري، هي المسألة الاستراتيجية الأعمق التي ستحدّد شكل الصراع وتوازناته في المرحلة المقبلة.
https://t.me/wakalanewsOfficial