عاجل | واشنطن تسعى إلى خنق حزب الله… لكنها لا تملك النهاية
عاجل | واشنطن تسعى إلى خنق حزب الله... لكنها لا تملك النهاية
ليس السلاح وحده ما تريد واشنطن انتزاعه من يد حزب الله.
القراءة الدقيقة لمشروع قانون "Lebanon Sanctions, Stabilization, and Support Act" تكشف أن الهدف أوسع: تضييق شبكة القوة التي تسمح للحزب بإعادة إنتاج نفوذه، من التمويل والخدمات إلى المؤسسات والأمن والسياسة.
المشروع الذي قدمته السيناتورة جين شاهين والسيناتور جيمس لانكفورد في مجلس الشيوخ الأميركي في 6 آب/أغسطس 2026، لا يطرح عقوبات منفصلة، بل يبني تصوراً متكاملاً لدعم مؤسسات الدولة اللبنانية بالتوازي مع الضغط على حزب الله وشبكات الدعم المرتبطة به.
وهنا تكمن أهميته. واشنطن لا تريد فقط إضعاف السلاح، بل إضعاف البيئة التي تجعل السلاح قادراً على إنتاج النفوذ والاستمرار.
فالمشروع يتيح فرض عقوبات على أشخاص أجانب ترى الإدارة الأميركية أنهم قدموا دعماً مادياً لحزب الله أو عرقلوا جهود الدولة اللبنانية لاحتكار السلاح، كما يتضمن تجميد أصول وقيوداً مالية وإجراءات أخرى.
لكن السؤال الأهم:
إذا كانت المشكلة هي السلاح فقط، فلماذا تدخل الخدمات والثروة وإعادة الإعمار والجيش والقطاع المالي في المعادلة؟
لأن واشنطن تتعامل مع حزب الله باعتباره منظومة قوة، لا مجرد ترسانة.
من نزع السلاح إلى تفكيك مصادر القوة
المشروع ينطلق من فرضية واضحة: لا يكفي أن يصبح السلاح خارج سلطة الحزب إذا بقيت لديه القدرة المالية والاجتماعية والسياسية على إعادة بناء نفوذه.
ولهذا يربط المشروع بين دعم الجيش وقوى الأمن وبين إحراز تقدم في احتكار الدولة للسلاح، كما يشترط استمرار بعض التمويل بتحقيق تقدم في مواجهة القوى التي تصنفها واشنطن وكلاء لإيران، ومن بينها حزب الله. وفي الوقت نفسه، يدعو إلى توسيع خدمات الدولة في المناطق التي تعتمد على خدمات موازية يوفرها الحزب.
وهذه ربما أهم نقطة في المشروع كله.
واشنطن تريد أن تنافس حزب الله في الوظيفة التي أنتجت جزءاً من نفوذه، لا في السلاح وحده.
فالجيش الأقوى يقلص المساحة الأمنية الموازية.
والدولة التي تستعيد خدماتها تقلص الوظيفة الاجتماعية الموازية.
والنظام المالي الأكثر رقابة يضيّق حركة الأموال.
وإعادة الإعمار التي تمر عبر مؤسسات الدولة تقلل قدرة أي قوة سياسية على تحويلها إلى مصدر نفوذ.
وهكذا تتحول المساعدات الأميركية من أداة دعم تقليدية إلى جزء من محاولة إعادة توزيع مصادر القوة داخل لبنان.
الدولة في مواجهة "المنظومة"
الأكثر دلالة أن المشروع لا يتوقف عند التمويل العسكري.
فهو يتعامل مع إصلاح القطاعين المصرفي والمالي، وملاحقة شبكات التمويل، وتعزيز قدرة المؤسسات اللبنانية، ومراقبة تدفقات الأسلحة، ضمن تصور واحد. كما يربط المساعدات الأمنية بمؤشرات محددة تتعلق بقدرة المؤسسات اللبنانية على تنفيذ قرارات احتكار القوة ونزع سلاح حزب الله.
بمعنى آخر:
السلاح يحتاج إلى مال، والمال يحتاج إلى شبكة، والشبكة تحتاج إلى بيئة، والبيئة تحتاج إلى نفوذ اجتماعي وسياسي.
لذلك تحاول واشنطن ضرب الحلقة التي تجعل هذه العناصر قادرة على إعادة إنتاج بعضها البعض.
وهنا تصبح المعركة أعمق من العقوبات.
إنها محاولة لرفع كلفة استمرار البنية الموازية للدولة، مقابل رفع قدرة الدولة نفسها على الحلول محلها.
الجيش ليس تفصيلاً
في هذه المعادلة، يحتل الجيش اللبناني موقعاً مركزياً.
المشروع يريد استخدام التمويل والتدريب والمساعدة الأمنية لبناء قدرة المؤسسات اللبنانية على مواجهة القوى التي تصنفها واشنطن وكلاء لإيران، وربط جزء من استمرار الدعم بإثبات تقدم في احتكار الدولة للقوة.
وهذا يكشف وظيفة الجيش في التصور الأميركي:
ليس مجرد مؤسسة أمنية تتلقى المساعدة، بل الأداة التي يفترض أن تنتقل عبرها الدولة من موقع التعايش مع قوة مسلحة موازية إلى موقع احتكار القرار الأمني.
لكن هنا تحديداً تظهر حدود المشروع.
تقوية الدولة لا تعني تلقائياً إلغاء القوة التي تريد واشنطن تقليصها.
فالقرار الأميركي يستطيع أن يفرض كلفة، ويمنع أموالاً، ويشدد الرقابة، ويزيد الدعم للمؤسسات اللبنانية. لكنه لا يستطيع وحده إعادة هندسة التوازنات السياسية والاجتماعية والأمنية التي تشكلت خلال عقود.
المعركة الحقيقية: من يملأ الفراغ؟
المشروع نفسه يكشف أن واشنطن تدرك هذه الحقيقة.
فهو لا يطرح مساراً خاطفاً، بل يبني تمويلاً ومراجعات وتقارير وشروطاً تمتد لعدة سنوات، ويربط استمرار بعض الموارد بإحراز "تقدم ذي معنى" في مواجهة القوى المسلحة وبناء خدمات الدولة في المناطق التي تعتمد على الخدمات الموازية لحزب الله.
وهذا يعني أن واشنطن لا تتعامل مع المسألة باعتبارها عملية نزع سلاح في يوم واحد.
إنها تراهن على تغيير البيئة التي تجعل السلاح مصدراً مستداماً للقوة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تستعيد الوظائف التي سمحت لقوة موازية بأن تتحول إلى لاعب سياسي وأمني واجتماعي؟
إذا نجحت، تتقلص مساحة الحزب.
وإذا فشلت، يبقى السلاح جزءاً من منظومة أوسع قادرة على إعادة إنتاج نفسها.
القانون ليس قدراً
لكن من الخطأ التعامل مع مشروع القانون وكأنه نتيجة محسومة أو قدر سياسي لا يمكن تغييره.
فحتى تقديمه في مجلس الشيوخ لا يعني تحوله تلقائياً إلى قانون نافذ؛ والمشروع، بحسب الوثيقة نفسها، أُحيل إلى لجنة العلاقات الخارجية بعد تقديمه.
وحتى إذا أصبح قانوناً نافذاً، فإن القانون لا يعمل في فراغ.
سيصطدم بالتوازنات اللبنانية، وبقدرة الدولة على التنفيذ، وبموقف القوى السياسية، وبالواقع الاجتماعي، وبالتطورات الأمنية، وبمواقف إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وسائر القوى الإقليمية.
والأهم أن حزب الله ليس مجرد ملف عقوبات أميركي.
فحزب الله، مهما كان حجم الضغط الذي يمكن أن يتعرض له، يظل لاعباً لا يمكن تجاهل تأثيره في معادلة الأمن في الشرق الأوسط؛ ولذلك لا يمكن اختزال مستقبله في القانون الأميركي وحده، ولا افتراض أن تغيير موقعه الإقليمي يمكن أن يتم بقرار أميركي منفرد.
وهنا يجب التمييز بين القدرة على التقييد والقدرة على الإلغاء.
قد تستطيع واشنطن تضييق مصادر التمويل، ورفع كلفة الحركة، وتعزيز قدرات الدولة اللبنانية، لكنها لا تملك وحدها إعادة صياغة البيئة الإقليمية التي تحدد أدوار اللاعبين وحدود نفوذهم.
التقييد شيء، والإلغاء شيء آخر.
من يملك القدرة على إعادة إنتاج نفسه؟
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
المشروع الأميركي يحاول نقل لبنان من معادلة:
الدولة + قوة مسلحة موازية
إلى معادلة:
الدولة بوصفها المرجعية الأمنية والسياسية والخدمية الوحيدة.
لكن الانتأوضح بين المعادلتين لا تحدده واشنطن وحدها.
فحتى لو دخل المشروع حيز التنفيذ، سيبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة حزب الله على التكيف، وحول قدرة الدولة اللبنانية على ملء الفراغ، وحول ما إذا كانت البيئة الإقليمية ستسمح بتغيير التوازن الذي قام عليه نفوذ الحزب.
ولهذا فإن قراءة المشروع باعتباره "قراراً أميركياً بنهاية حزب الله" ستكون قراءة سطحية.
الأدق أنه محاولة أميركية لتغيير شروط بقاء حزب الله وقواعد إنتاج قوته.
واشنطن تريد أن تجعل السلاح أقل قدرة على إنتاج النفوذ، والنفوذ أقل قدرة على إنتاج المؤسسات، والمؤسسات أقل قدرة على إنتاج استقلال عن الدولة.
لكنها لا تملك وحدها مفتاح النتيجة.
وهنا يصبح السؤال الاستراتيجي الحقيقي أكثر تعقيداً:
هل تستطيع واشنطن تغيير شروط القوة التي جعلت حزب الله لاعباً مؤثراً في الأمن اللبناني والإقليمي، أم أن الضغط عليه سيدفع فقط إلى إعادة تشكيل أدواته وموقعه داخل المعادلة؟
فالقانون، حتى لو أصبح نافذاً، ليس قدراً.
والعقوبات ليست نهاية الصراع.
والسلاح ليس كل القوة.
في الشرق الأوسط، لا تتغير موازين القوة بمجرد صدور قانون، بل عندما تتغير البيئة السياسية والأمنية والاجتماعية التي تنتج تلك القوة.
ولهذا قد تستطيع واشنطن تضييق هامش حزب الله، ورفع كلفة حركته، ومحاصرة بعض مصادر قوته؛ لكنها لا تملك وحدها تقرير موقعه النهائي في معادلة الأمن الإقليمي.
فالضغط الأميركي قد يغيّر قواعد اللعبة، لكنه لا يضمن وحده نتيجتها.
وهنا تحديداً تكمن حدود المشروع: واشنطن تستطيع أن تسعى إلى خنق حزب الله، لكنها لا تملك وحدها كتابة نهايته.
ويبقى السؤال الأهم:
من يملك القدرة على التكيف عندما تتغير قواعد اللعبة؟ ومن يملك القدرة على إعادة إنتاج نفسه عندما تبدأ الدولة باستعادة وظائفها؟
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




