عاجل | صورة حزب الله بعد الحرب في المرآة الإسرائيلية
عاجل | صورة حزب الله بعد الحرب في المرآة الإسرائيلية
شكّلت الحرب الأخيرة على لبنان محطة مفصلية دفعت المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية إلى إعادة تقييم شاملة لطبيعة التهديد الذي يمثّله حزب الله، إذ اتّجه النقاش الإسرائيلي، بعد أشهر من العمليات العسكرية، نحو مراجعة أعمق لنتائج الحرب ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها الاستراتيجية المعلنة. وقد كشفت التحليلات العبرية أن تقييم صورة حزب الله لم يعد يقوم على حجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبّدها، بقدر ما بات مرتبطًا بقدرته على مواصلة القتال وإعادة تنظيم صفوفه والحفاظ على حضوره الفاعل في معادلات الردع والصراع. كما تراجع، بحسب تصريحات القادة العسكريين والباحثين والمحللين الإسرائيليين، الخطاب الذي كان يفترض إمكانية الحسم العسكري الكامل، ليفسح المجال أمام مقاربة أكثر واقعية تقرّ بأن المقاومة ما زالت تمتلك مقومات الاستمرار، وأن الحرب، رغم ما أحدثته من استنزاف، لم تنهِ قدراتها العسكرية أو السياسية.
وفي هذا الإطار، تتفق التقديرات الإسرائيلية على أن حزب الله تكبّد خسائر بشرية وبنيوية كبيرة خلال المواجهات، غير أن هذه الخسائر لم تُنتج تآكلًا أو تفكّكًا حقيقيًا في بنيته العسكرية أو العملياتية، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى استمرار تنفيذ مئات العمليات التي شملت المسيّرات والصواريخ والعبوات الناسفة والاشتباكات المباشرة، بما يعكس بقاء ديناميكية القتال وقدرة التنظيم على المبادرة. ويبرز في هذا السياق التحول النوعي في استخدام الطائرات المسيّرة كأحد أهم عناصر القوة المستجدة، حيث باتت تُصنَّف في الخطاب العسكري الإسرائيلي كتهديد مركزي منخفض الكلفة وعالي الفاعلية، قادر على تجاوز التفوق التكنولوجي وإرباك منظومات الدفاع الجوي، إضافة إلى اعتماد المقاومة تكتيكات أكثر تطورًا كالاستطلاع المسبق والهجمات الدقيقة والعمل الليلي واستخدام تقنيات تقلل من قابلية الرصد والتشويش، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من التكيف العملياتي. وفي هذا الصدد يرى المقدّم في الاحتياط ساريت زهافي أن "إسرائيل" ستستمر في مواجهة تنظيم أُضعف بشدة لكنه لا يزال قادرًا على إعادة بناء نفسه وتهديد "إسرائيل" وجرّها مع لبنان إلى جولة جديدة من الحرب، بينما تذهب رفيف دروكر إلى أن حزب الله أثبت أنه لم يعد ذلك التنظيم المهزوم الذي كان عليه في تشرين الأول 2024، فرغم ما يواجهه من مشكلات خطيرة تتعلق بالشرعية في لبنان عمومًا وفي أوساط الطائفة الشيعية خصوصًا، إضافة إلى المشكلات الاقتصادية، إلا أنه يبقى قوة قادرة على استعادة نجاحاتها السابقة في فترة المنطقة الأمنية، ومواصلة إلحاق الضرر بالمستوطنات في المنطقة الشمالية، بل وقد يحاول اختراقها رغم التواجد العسكري الكثيف.
وتُظهر التحليلات العبرية أيضًا تحولًا مهمًا في مفهوم الردع، إذ لم يعد يُنظر إلى حزب الله بوصفه تنظيمًا قابلاً للردع الكامل أو الإضعاف الحاسم، فاستمرار قدرته على إيقاع الخسائر رغم الضربات الموجهة إليه يعكس تآكلًا تدريجيًا في الردع الإسرائيلي مقابل قدرة الحزب على الحفاظ على فاعلية هجومية مستمرة. ويُلاحظ في هذا السياق تصاعد التساؤلات داخل المؤسسة الأمنية حول أسباب العجز عن "إغلاق الجبهة الشمالية" رغم التفوق العسكري والتكنولوجي، كما تعكس بعض التحليلات النقدية قناعة متزايدة بأن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لإنتاج حسم نهائي، وأن معادلة الردع باتت أكثر تعقيدًا من النماذج التقليدية السابقة. ويعبّر الكاتب دان بيري عن هذا القلق بوضوح حين يشير إلى أن الجنود الإسرائيليين لا يزالون يُقتلون هناك، وأن مستوطني الشمال ما زالوا يعيشون في حالة من عدم اليقين، معتبرًا أنه إذا كان الحكم على الاستراتيجية يعتمد على النتائج لا النوايا، فإن هذه الاستراتيجية قد فشلت فشلاً ذريعًا، وأن المشكلة ليست في نقص القدرات العسكرية بل في عدم توافق الهدف العسكري مع الهدف السياسي، ذلك أن المنطقة العازلة في جنوب لبنان لا يمكنها القضاء على حزب الله.
ويُجمع عدد من المحللين العسكريين والاستراتيجيين في الكيان الإسرائيلي على أن القضاء الكامل على حزب الله عسكريًا لا يبدو خيارًا واقعيًا في ظل المعطيات الحالية، إذ تشير هذه القراءات إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب حربًا واسعة النطاق واحتلالًا طويل الأمد لعمق الأراضي اللبنانية، مع ما يرافق ذلك من كلفة بشرية ومادية عالية وضغوط دولية كبيرة. وانطلاقًا من ذلك، يبرز نقد متزايد لفكرة "النصر الكامل" لصالح مقاربة أكثر براغماتية تقوم على إدارة التهديد بدل إنهائه، كما يتم التشكيك بجدوى المنطقة العازلة أو الشريط الأمني باعتبارهما غير قادرين على إزالة مصدر التهديد الاستراتيجي، بل قد يكرّسان حالة استنزاف طويلة الأمد دون نتائج حاسمة. ويذهب دان بيري إلى أن أي معالجة جذرية لن تتوقف عند شريط ضيق من الأراضي على طول الحدود، بل ستتطلب حربًا عسكرية واسعة النطاق تمتد إلى عمق لبنان وصولاً إلى سهل البقاع حيث تتركز معظم بنية حزب الله التحتية وأجهزته الداعمة، وهو ما يستلزم احتلالاً مطولًا لأجزاء كبيرة من البلاد وتكاليف مالية باهظة وخسائر فادحة في صفوف الإسرائيليين ومعاناة مدنية جسيمة، خاصة أن حزب الله لن يضطر للقتال كجيش نظامي بل سينتشر ويندمج في المناطق المدنية ويشن تمردًا مطولًا. ويضيف الصحافي يوسي يهوشع أنه لا يمكن تجاهل المشاعر الصعبة التي تنتاب جنود الجيش الإسرائيلي العاملين في المنطقة الأمنية جنوب لبنان، الذين يشعرون أحيانًا وكأنهم "أهداف سهلة"، مُجبرون على العمل في منطقة مليئة بالتهديدات في ظل قيود عملياتية بينما يواصل الخصم محاولاته لإضعافهم.
ويحتل التهديد النوعي الجديد المتمثل في الطائرات المسيّرة موقعًا محوريًا في التحليلات الإسرائيلية، إذ يُنظر إليه كعامل تغيير جذري في طبيعة المواجهة، بالنظر إلى أن هذه الوسائل تجمع بين الكلفة المنخفضة والقدرة العالية على إحداث ضرر دقيق، إضافة إلى صعوبة اكتشافها. وتشير التقديرات إلى أن هذا التهديد لا يقتصر على الجانب التكتيكي، بل يمتد إلى إشكالية بنيوية في منظومات الدفاع الإسرائيلية مرتبطة بالفجوة بين تكلفة الاعتراض وتكلفة الهجوم، فضلًا عن محدودية القدرة على مواكبة التطور السريع في أدوات الحرب غير التقليدية، مع احتمال تطور هذه القدرات مستقبلاً عبر نماذج أكثر تعقيدًا. ويوضح المحلل رون بن يشاي أن خطر الطائرات المسيّرة المتفجرة، خاصة تلك التي تُنقل عبر الألياف الضوئية، لا يزال دون حل مُرضٍ، وإن كان عدد الضحايا قد انخفض مؤخرًا بفضل جهود الجيش الإسرائيلي للقضاء على مشغلي هذه الطائرات وتطوير القنوات التكنولوجية وأساليب الإدارة الميدانية وشبكات الدفاع، مؤكدًا أن القصة اللبنانية لم تنتهِ بعد.
ولا يمكن فهم حزب الله بمعزل عن بعده الإقليمي، فهو ليس فاعلًا مستقلًا بقدر ما هو جزء من منظومة تقودها إيران، إذ يشكّل استمرار الدعم العسكري والتقني، خاصة في مجالي المسيّرات والاستخبارات، عاملًا أساسيًا في قدرة المقاومة على التعافي وإعادة بناء قدراتها بعد الضربات. وبحسب التحليلات العبرية، يُنظر إلى أي تفاهمات أو ترتيبات أميركية-إيرانية على أنها عامل قد ينعكس بشكل غير مباشر على ميزان القوى في لبنان، سواء عبر توفير هامش سياسي أو عبر تعزيز قدرة طهران على إعادة تمكين حلفائها، وبالتالي فإن معالجة تهديد حزب الله تبقى مرتبطة بإطار إقليمي أوسع يتجاوز الساحة اللبنانية وحدها. ويرى الكاتب إريك ر. ماندل أنه طالما احتفظت إيران بالموارد والحرية اللازمة لتمويل هذه المنظمات وتسليحها وتوجيهها، فإن أي تقدم يُحرز في غزة أو لبنان سيتبدد سريعًا، معتبرًا أن الوهم بإمكانية تحقيق استقرار إقليمي دون إضعاف الحكم في إيران بشكل جذري ربما يكون أخطر المفاهيم الخاطئة لدى الأميركيين، وأن تغيير الحكم هناك هو السبيل الوحيد لانهيار قوة حلفائها.
وفي ضوء ذلك كله، يظهر انقسام واضح داخل الكيان الإسرائيلي بين مقاربتين: الأولى تميل إلى استمرار الضغط العسكري وربط أي تسوية بنزع سلاح حزب الله، والثانية تدعو إلى إدراك حدود القوة العسكرية والانتأوضح نحو مقاربة سياسية-أمنية طويلة الأمد. غير أن الاتجاه العام، كما تعكسه التحليلات، يشير إلى تحول تدريجي في العقيدة العملياتية من السعي إلى الحسم الكامل نحو إدارة الصراع، بما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المواجهة مع حزب الله ليست قابلة للإغلاق العسكري النهائي، بل هي حالة ممتدة من التهديد المستمر تتطلب أدوات مركّبة عسكرية وسياسية ودبلوماسية. ويرى بن شاي أنه رغم الهجمات - ومنها عملية أجهزة البيجر - التي ألحقت ضررًا كبيرًا بعناصر الحزب، إلا أن حزب الله تمكن من إعادة تنظيم صفوفه واستمر في القتال رغم الخسائر، مؤكدًا أن صواريخ غزة وإيران والمسيّرات القادمة من لبنان أثبتت أن أي منظومة دفاع جوي إسرائيلية ليست منيعة بشكل مطلق، وأن تل أبيب، رغم التطور الكبير الذي بلغته صناعتها العسكرية في مجال المسيّرات، وجدت نفسها تواجه تحديًا كبيرًا من مسيّرات بسيطة ومنخفضة التكلفة يستخدمها خصومها. أما بن كاسبيت فيذهب إلى أن نتنياهو، حين وعد بـ"النصر الكامل" في خطاباته وتصريحاته المتكررة، كان يقصد في العمق نصره الشخصي وبقاءه السياسي واستمراره في رئاسة الوزراء، مدركًا استحالة تحقيق نصر كامل على حماس أو تدميرها، واستحالة نزع سلاح حزب الله. ويختم إيلي فودي هذا الجانب بالإشارة إلى أن التحدي الرئيسي يبقى في حزب الله، وأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية يغذي أيديولوجيا الحزب الذي طالما قدّم هذا الاحتلال ذريعة لاستمرار الكفاح المسلح، بما يعزز صورته كمدافع عن لبنان، وهو ما يستدعي، من وجهة نظره، دعم "إسرائيل" للعملية الداخلية اللبنانية الرامية إلى الحد من نفوذ الحزب بدل الاعتماد على المقاربة العسكرية وحدها.
وخلاصة القول، تُظهر التحليلات العبرية أن حزب الله بعد الحرب لا يزال يُنظر إليه كفاعل عسكري لم يُهزم استراتيجيًا، إذ احتفظ بقدر من تماسكه التنظيمي، ونجح في ترميم جزء من قدراته العملياتية، بما مكّنه من مواصلة أنماط الاستنزاف وفرض قيود ملموسة على حرية الحركة الإسرائيلية. وهذا ما يكرّس صورة حزب الله كتهديد مستمر، مرن وقابل لإعادة الإنتاج والتكيّف، ويعكس في الوقت نفسه انتأوضح المقاربة الإسرائيلية من منطق الحسم والإخضاع إلى منطق الاحتواء وإدارة التهديد، ضمن صراع طويل الأمد تحكمه معادلة ردع هشّة واستنزاف متبادل، تُدار فيه المواجهة ضمن حدود السيطرة على التصعيد دون الوصول إلى تسوية نهائية.
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




