عاجل | سؤال طلال مداح الذي أجاب عنه الزمن؟! – أخبار السعودية
عاجل | سؤال طلال مداح الذي أجاب عنه الزمن؟! - أخبار السعودية
قبل سنوات طويلة، وقبل أن يدخل الذكاء الاصطناعي حياتنا ويصبح قادراً على صناعة الصورة واللحن والصوت، كان الفنان طلال مداح ينظر إلى مستقبل الفن ويسأل سؤالاً بدا في زمنه بعيداً.
روى لي الفنان طلال سلامة أن طلال مداح تساءل يوماً عما إذا كان سيأتي وقت يجلس فيه الفنان في منزله، وتتولى الآلة صناعة الأغنية.
مضى طلال، وبقي السؤال.
واليوم تستطيع الآلة أن ترسم وتلحن وتولّد الصوت وتصنع الصورة وتحركها وتشارك في صناعة الفيلم والتصميم والكتابة، وكأن سؤالاً قيل قبل عقود ظل ينتظر الزمن ليولد.
لكن الإجابة فتحت أسئلة أكبر عن الفن نفسه. إذا استطاعت الآلة أن ترسم، فهل الفن في اليد أم في الفكرة؟
وإذا استطاعت أن تلحّن، فأين يبدأ دور الموسيقي؟
وإذا أنتجت عملاً يجعلنا نحب ونحزن ونشتاق، فمن أين جاءت العاطفة؟
ربما لا يكون السؤال الأهم ماذا تستطيع الآلة أن تفعل.
السؤال: ماذا سيبقى للإنسان أن يقول ويفعل؟
وربما لاحقاً، أن يفكر؟
فالآلة تستطيع أن تمنحنا آلاف الصور والألحان في وقت قصير، لكن كثرة الإنتاج لا تمنح كل ما ينتج قيمة.
فالقيمة في المعنى والأثر وما يبقى من العمل بعد انتهاء لحظة إنتاجه.
وهنا تبدأ فكرة (خطاب الفنون)
فالفن يحمل شيئاً من صاحبه ومجتمعه وزمنه، وقد يقصد الفنان معنى ساعة إنجاز عمله ثم يأتي الزمن فيمنحه دلالات أخرى. وخلف كل لوحة ولحن وصورة ومشهد وحركة وحرف خطاب يستحق القراءة.
فالعمل الفني لا ينتهي حين يضع الرسام فرشاته، أو يخفت آخر وتر، أو تنطفئ شاشة السينما. تبدأ له حياة أخرى في عين المتلقي وذاكرة المجتمع.
ما وراء الفن .. ماذا يقول الفن عنا؟
لكل فن لغته، وفي كل لغة شيء من الإنسان.
المسرح والسينما والفنون البصرية والموسيقى لغات متعددة لروح واحدة، تحمل ثقافة الإنسان وهويته وإرثه وفكره، وتمنح الفن خطاباً إنسانياً يتجاوز الحدود، ويصل الإنسان بالإنسان على اختلاف المشارب.
وتكتب العمارة سيرة المكان، ويكفي أن نتأمل رواشين جدة لنقرأ فيها علاقة الإنسان بالضوء والهواء والجمال.
وفي العرضة والخطوة والسامري والمجرور والخبيتي والألوان البحرية تتحرك الذاكرة أمامنا حاملة جغرافيا المكان ووجدانه.
تختلف الأدوات، ويبقى الإنسان هو النص.
يكتب نفسه باللون واللحن والحجر وحركة الجسد والحرف والثوب والنافذة، وقد لا يتحدث عن نفسه ثم تأتي فنونه فتقول الكثير.
ومع اتساع المشهد وكثرة ما ينتج، يبرز سؤال القيمة.
لغة الأرقام مهمة لقراءة اتساع المشهد الثقافي.
كم فناناً لدينا؟ كم معرضاً؟ كم مسرحية؟ كم فيلماً؟ وكم حفلاً؟
لكن بعد الأرقام يبدأ السؤال الأصعب: ماذا بقي؟
قد تمر مئات اللوحات ويبقى عمل واحد في ذاكرة الفن، ويمنح موسيقي الوطن لحناً يعيش بعده، ويؤسس مسرحي تجربة تمتد إلى أجيال، ويمنح مخرج بلاده صورة تصل بها إلى العالم.
الأرقام تقيس حجم الحركة، والقيمة تقيس عمق الأثر.
وفي اتساع المشهد تكمن القيمة في التقاط المختلف، ومنحه مساحته، وقراءة ما يضيفه قبل أن يذوب في الأرقام.
فالفنان ينتج العمل، والجامعة تمنح الموهبة المعرفة، والناقد يقرأ ما وراء العمل، والمؤسسة الثقافية تقاس بما اكتشفته من مواهب، وما رعته من تجارب، وما حفظته من ذاكرة، وما تركته في مجتمعها من أثر.
فالكم يصنع الحركة، والنوعية تصنع التاريخ.
وخلف ما نعيشه اليوم حكاية بدأت قبل سنوات.
أحلام أصبحت واقعاً
عاصرنا زمناً كانت فيه مساحات الفن أضيق والإمكانات أقل، وكانت الطموحات تسبق الواقع بمسافات.
حلمنا بمسرح يجد مكانه، وشاشة تحتفي بالفيلم، ومتاحف تحتضن التجارب، ومعاهد للموسيقى، وجامعات تفتح أبوابها للفنون علماً ومعرفة.
رحل بعض من حملوا تلك الطموحات، وبقي آخرون شهوداً على وطن مضى بها إلى أبعد مما تخيلوا.
واليوم أخذت الثقافة والفنون مكاناً واسعاً في مشروع التحول الوطني، ومع وزارة الثقافة وهيئاتها المتخصصة أصبحت السينما والمسرح والموسيقى والفنون البصرية والأزياء والعمارة والتصميم وغيرها مشهداً حاضراً في حياة المجتمع.
ولعلها من أجمل مفارقات الزمن، أن نشهد واقعاً كان حلماً في عيون من سبقونا.
وإذا شهدنا تحقق كثير مما تطلع إليه ذلك الجيل، فما الذي سنتركه نحن لمن يأتي بعدنا؟
نحن نصنع فنون حاضرنا، ونكتب معها شيئاً من صورتنا التي سيقرأها القادمون.
ويبقى السؤال :
أين ينتهي الإنسان في فنه، وأين يبدأ الفن في كتابة الإنسان؟
منذ سنوات طويلة، وقبل أن يدخل الذكاء الاصطناعي حياتنا ويصبح قادرا على خلق الصور والألحان والأصوات، كان الفنان طلال مداح يتطلع إلى مستقبل الفن ويطرح سؤالا بدا بعيدا في عصره.
أخبرني الفنان طلال سلامة أن طلال مداح تساءل ذات يوم: هل سيأتي زمان يجلس فيه الفنان في بيته بينما تتولى الآلة تأليف الأغاني.
رحل طلال، ولكن يبقى السؤال.
اليوم، تستطيع الآلات الرسم، والتأليف، وتوليد الصوت، وإنشاء الصور، وتحريكها، والمشاركة في صناعة الأفلام، والتصميم، والكتابة، وكأن سؤالاً طُرح منذ عقود من الزمن ينتظر الوقت ليمنحه الحياة.
لكن الإجابة فتحت أسئلة أكبر حول الفن نفسه. إذا كانت الآلة قادرة على الرسم، فهل الفن في اليد أم في الفكرة؟
وإذا كان يستطيع التلحين، فمن أين يبدأ دور العازف؟
فإذا أنتج عملاً يجعلنا نحب، ونحزن، ونشتاق لشيء ما، فمن أين تأتي العاطفة؟
ولعل السؤال الأهم ليس ما يمكن للآلة أن تفعله.
والسؤال هو: ماذا سيبقى للإنسان أن يقول ويفعل؟
وربما في وقت لاحق، للتفكير؟
فالآلة تستطيع أن تزودنا بآلاف الصور والألحان في وقت قصير، لكن كثرة الإنتاج لا تعطي قيمة لكل ما يتم إنتاجه.
وتكمن القيمة في المعنى والأثر وما يبقى من العمل بعد انقضاء لحظة إنتاجه.
وهنا تبدأ فكرة (خطاب الفنون).
يحمل الفن شيئًا من خالقه ومجتمعهم وزمانهم، وقد يقصد الفنان معنىً ما لحظة إتمام عمله، إلا أن الزمن يمنحه دلالات أخرى. وراء كل لوحة ولحن وصورة ومشهد وحركة وحرف خطاب يستحق القراءة.
لا ينتهي العمل الفني عندما يضع الرسام فرشاته جانباً، أو يتلاشى الوتر الأخير، أو تظلم شاشة السينما. وتبدأ حياة أخرى في عين الناظر وذاكرة المجتمع.
ماذا يكمن وراء الفن.. ماذا يقول الفن عنا؟
كل شكل من أشكال الفن له لغته، وفي كل لغة هناك شيء من الإنسان.
المسرح والسينما والفنون البصرية والموسيقى لغات متعددة لروح واحدة، تحمل ثقافة الإنسان وهويته وتراثه وفكره، وتمنح الفن خطاباً إنسانياً يتجاوز الحدود، ويربط إنساناً بآخر عبر خلفيات مختلفة.
العمارة تكتب تاريخ المكان. ويكفي أن نتأمل رواشين جدة لنقرأ العلاقة بين الإنسان والضوء والهواء والجمال.
في العرضة والخطوة والسمري والمجرور والخبيتي والألوان البحرية، تتحرك أمامنا الذاكرة، حاملة جغرافية المكان ومشاعره.
قد تختلف الأدوات، لكن يبقى الإنسان هو النص.
يكتبون أنفسهم بالألوان واللحن والحجر وحركة الجسد والحروف والملابس والنوافذ، وقد لا يتحدثون عن أنفسهم، لكن فنونهم تقول الكثير.
ومع اتساع المشهد وزيادة حجم الإنتاج، يبرز سؤال القيمة.
لغة الأرقام مهمة لقراءة اتساع المشهد الثقافي.
كم عدد الفنانين لدينا؟ كم عدد المعارض؟ كم عدد المسرحيات؟ كم عدد الأفلام؟ وكم عدد الحفلات؟
لكن بعد الأرقام يبدأ السؤال الأصعب: ماذا بقي؟
قد تمر مئات اللوحات، لكن يبقى عمل واحد في ذاكرة الفن، وقد يبدع عازف الوطن لحناً يعيش، ويؤسس لتجربة مسرحية تمتد إلى الأجيال، وقد يقدم المخرج صورة تصل إلى العالم.
تقيس الأرقام حجم الحركة، بينما تقيس القيمة عمق التأثير.
وفي اتساع المشهد تكمن القيمة في التقاط المختلف، ومنحه مساحة، وقراءة ما يضيفه قبل أن يذوب في أرقام.
الفنان ينتج العمل، والجامعة تمنح المعرفة للموهبة، والناقد يقرأ ما وراء العمل، وتقاس المؤسسة الثقافية بما اكتشفته في المواهب، وما رعته في التجارب، وما حفظته في الذاكرة، وما تركته من أثر في مجتمعها.
الكمية تخلق الحركة، بينما الجودة تصنع التاريخ.
ووراء ما نعيشه اليوم قصة بدأت منذ سنوات.
الأحلام أصبحت حقيقة
عشنا في زمن كانت فيه مساحات الفن أضيق والإمكانيات أقل، وكانت التطلعات تتقدم على الواقع بكثير.
حلمنا بمسرح يجد مكانه، وشاشة تحتفي بالفيلم، ومتاحف تحتضن التجارب، ومعاهد موسيقية، وجامعات تفتح أبوابها للفنون معرفة وتعلماً.
لقد رحل من حمل تلك التطلعات، وبقي آخرون شهوداً على أمة أخذتهم إلى أبعد مما كانوا يتصورون.
واليوم، أخذت الثقافة والفنون مكاناً واسعاً في مشروع التحول الوطني، ومع وزارة الثقافة وهيئاتها المتخصصة، أصبحت السينما والمسرح والموسيقى والفنون البصرية والأزياء والعمارة والتصميم وغيرها مشهداً حاضراً في حياة المجتمع.
ولعل من أجمل مفارقات الزمن أننا نشهد واقعاً كان حلماً في عيون من سبقونا.
وإذا كنا قد شهدنا تحقيق الكثير مما كان يطمح إليه ذلك الجيل، فماذا سنترك لمن يأتي بعدنا؟
نحن نصنع فنون حاضرنا، ونكتب بها شيئًا من صورتنا ليقرأها من يأتي بعدنا.
ويبقى السؤال:
أين ينتهي الإنسان في فنه، وأين يبدأ الفن في كتابة الإنسان؟
نشر لأول مرة على: www.okaz.com.sa
تاريخ النشر: 2026-08-14 21:25:00
الكاتب: محمد بن إبراهيم آل صبيح - مدير جمعية الثقافة والفنون بجدة @alsubaih_
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: www.okaz.com.sa بتاريخ: 2026-08-14 21:25:00. الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




