ارشيف الموقع

ناشونال إنترست: واشنطن هي الخاسر الاستراتيجي من الحرب في أوكرانيا

اوكرانيا – الولايات المتحدة الأمريكية

تدخل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا اليوم شهرها السادس فيما تعيش الولايات المتحدة التي فرضت العقوبات الاقتصادية على موسكو من جهة، وتغذي النظام في كييف عسكرياً ومالياً من جهة أخرى، تداعيات النتائج العكسية. ففي مقال له في مجلة “ناشونال إنترست” الأمريكية يشرح المحامي الدولي المتقاعد، رامون ماركس، سلسلة من الأسباب والمتغيرات التي توصل الى استنتاج مفاده أن واشنطن هي “الخاسر الاستراتيجي من الحرب في أوكرانيا” وأنها لم تعد القوة العظمى الوحيدة في العالم”.

المقال المترجم:

بغض النظر عمن سيفوز في الحرب الأوكرانية، ستكون الولايات المتحدة هي الخاسر الاستراتيجي. ستقيم روسيا علاقات أوثق مع الصين ودول أخرى في القارة الأوروبية الآسيوية، بما في ذلك الهند وإيران والمملكة العربية السعودية ودول الخليج. سوف يبتعد بشكل نهائي عن الديمقراطيات الأوروبية وواشنطن. مثلما لعب الرئيس ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر “ورقة الصين” لعزل الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، سيلعب الرئيسان فلاديمير بوتين وشي جين بينغ أوراقهما في محاولة لاحتواء الولايات المتحدة.

ونظرا لمعرفتها بأنها لا تستطيع الحفاظ على أوروبا كزبون مهم في مجال الطاقة، فقد بدأت روسيا بالتحرك نحو بيع وقودها الأحفوري إلى آسيا، وتحديدا الصين والهند، لتحل محل السعودية كأكبر مزود للنفط لـ بكين. لدى روسيا في الوقت الحالي خط أنابيب واحد فوق الأرض يربطها بالصين، وهو خط أنابيب “إسبو”، كما أنه يتم دعم خطي الغاز والنفط بكميات محمولة بحرا عبر طرق تصل إلى بر الصين. وفي الأعوام المقبلة، ستقوم الصين بلا شك بعمليات استثمار لتوسيع عمليات نقل الغاز والنفط بين البلدين، ما سيجعل روسيا المزود الرئيس للوقود إلى الصين.

إن توثيق العلاقات في مجال الطاقة بين الصين وروسيا سيساعد في تقريبهما من كونهما حليفين استراتيجيين “بلا حدود” في القارة الأوراسية. من خلال وجود مورد طاقة روسي ملتزم في فنائها الخلفي، ستحصل الصين حتمًا على مزيد من المرونة الاستراتيجية للتعامل مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين في المحيطين الهندي والهادئ، وكل ذلك على حساب الديمقراطيات الغربية.

كما زادت روسيا بشكل كبير من نشاطها التجاري في مجال الطاقة مع الهند منذ الغزو الأوكراني. وفقًا لمركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، “كانت الهند هي المشتري الرئيسي للبضائع من المحيط الأطلسي التي لم تعد أوروبا تريدها”. قبل غزو أوكرانيا، لم تكن الهند تشتري أي نفط تقريبًا من روسيا. وتستورد الآن أكثر من 760 ألف برميل في اليوم. ستكون الزيادات في مبيعات الوقود الأحفوري الروسي إلى الهند ضارة بالجهود التي تبذلها الولايات المتحدة وأستراليا واليابان لمواصلة جذب دلهي إلى فلك أقرب مع الدول الديمقراطية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

في الواقع، تبنت الهند موقفا “محايدا” من الحرب في أوكرانيا وامتنعت عن التصويت في الجمعية العامة لقرار يشجب الغزو الروسي كما أنها رفضت تحميل موسكو المسؤولية. وإلى جانب تحول روسيا كمزود مهم للنفط إلى الهند، فهي منذ وقت طويل تزود القوات الهندية بالأسلحة.

الأهم من ذلك، تظل دلهي أيضًا تقدر الدعم الروسي طويل الأمد لكشمير. يؤكد الرد الهندي على الحرب الروسية الأوكرانية حقيقة أن الهند من المحتمل ألا تندمج بالكامل في تحالف غرب المحيط الهادئ مثل الرباعية. إذا كانت الصين ذكية بما يكفي لتجنب المزيد من المعارك الحدودية مع الهند، فقد يتراجع الزخم الذي يدفع الهند للمشاركة بشكل أكبر في الرباعية.

ولم تكن الهند الوحيدة التي امتنعت عن التصويت في الأمم المتحدة ضد حرب روسيا في أوكرانيا، فهناك 34  دولة أخرى لم تدل بأصواتها، ومعظمها من دول العالم الثالث حيث يعيش ثلثا سكان العالم في الدول التي لم تشجب روسيا، وحتى المكسيك، الدولة الجارة للولايات المتحدة، رفضت شجب الغزو أو فرض عقوبات ضد موسكووتعد هذه استراتيجيات صعبة للولايات المتحدة كي تمتصها وتتعامل معها.

بعد الغزو الروسي ، اندمجت الديمقراطيات الغربية بسرعة ، وأصدرت مجموعة واسعة من العقوبات ضد موسكو ، بما في ذلك المواعيد النهائية لإنهاء مشتريات الوقود الأحفوري من روسيا. لقد أدت عقوبات الطاقة التي فرضها الغرب إلى نتائج عكسية إلى حد ما ، مما تسبب في حدوث اضطرابات تضخمية وإمدادات شديدة لدرجة أن بروكسل تكافح الآن للتعامل مع العواقب الاقتصادية. حتى أن الاتحاد الأوروبي أعلن بهدوء عن خطوات لتخفيف عقوبات الطاقة الروسية للمساعدة في استقرار أسواق الطاقة. بينما يشتكي الغرب من أن روسيا قامت بتسليح صادراتها من النفط والغاز، فإن الحقيقة هي أن بروكسل وواشنطن هما أول من رفع سيف الطاقة عندما أعلنا عزمهما على تقليص مشتريات الوقود الأحفوري الروسي فور الغزو الأوكراني.

إن المظهر الإيجابي للحرب الروسية-الأوكرانية كان إنعاش حلف الناتو والذي عبأ الدعم من أجل أوكرانيا وأصبح قويا بعد إعلان كل من فنلندا والسويد عن انضمامهما له. لكن الجانب السلبي هو أن الولايات المتحدة تتحمل أكثر من حصتها التناسبية لدعم أوكرانيا، مقارنة مع أعضاء التحالف الأخرى وباستثناء بولندا ودول البلطيق.

وفي أيار/ مايو 2022 أعلنت الولايات المتحدة عن التزامات بـ 54 مليار دولار لدعم أوكرانيا عسكريا، فيما جاءت بريطانيا بالمرتبة الثانية ولكن بمسافة بعيدة، 2.5 مليار دولار وتبعتها بولندا بـ1.49 مليار دولار. ومنذ أيار/ مايو التزمت الولايات المتحدة بدعم لكييف هو ثلاثة أضعاف دعم دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة، وهي المزود الأكبر للسلاح في الحرب ضد روسيا التي تمثل تهديدا مباشرا على أوروبا مقارنة مع أمريكا التي تبعد عنها 5,700 ميل وعبر المحيط الأطلسي.

كشفت أوكرانيا مرة أخرى عن اعتماد أوروبا الغربية على دعم أمريكا العسكري وقيادتها وخطورة هذا الأمر. إن هذا الاعتماد لن يتغير إلا في حال غيرت الولايات المتحدة سياستها الخارجية والمعتقد القائم على أهلية واشنطن لقيادة حلف الناتو.

على الولايات المتحدة التكيف مع الحقيقة الصارخة والفظيعة وهي أن البند الخامس من ميثاق حلف الناتو يشمل فقط منطقة المحيط الأطلسي، فلو هاجمت الصين، كوريا الشمالية أو روسيا، أو بيرل هاربر أو هاواي أو غوام، فلن تكون الحماية الجماعية للناتو شاملة لهذه المناطق. يجب ألا تتخلى أمريكا عن الناتو حتى لو لم تكن هناك فرصة لتعديل ميثاقه كي يشمل منطقة الهادئ.

وعلى صناع السياسة الخارجية في أمريكا تشجيع الحلفاء في أوروبا على تحمل نصيب الأسد والعبء الأكبر من مسؤولية الجزء الأوروبي، لافتا إلى أنه لو استمرت الولايات المتحدة بالتفكير في الافتراضات التاريخية التي قادت لإنشاء الناتو عام 1949، فستزيد الأمور سوءا للمصادر والقدرات الأمريكية والتزاماتها الواسعة.

الولايات المتحدة لم تعد القوة العظمى الوحيدة في العالم، ويجب أن يحدث التشارك في تحمل العبء بنظام التحالفات الأمريكية عاجلا وليس آجلا، حتى تكون قادرة على التعامل مع عالم متعدد الأقطاب.


المصدر: ناشونال إنترست

الكاتب: رامون ماركس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى