الحدث

لبنان بين تجاذبات دولية ومؤتمر تأسيسي

سماهر الخطيبكاتبة صحافية، وباحثة في العلاقات الدولية والدبلوماسية

وكالة نيوز

لطالما كان لبنان مسرحاً للتجاذبات الدولية وكذا نتيجة للتوافقات الدولية، فقد بات معروفاً لدى القاصي والداني بعلم السياسة، أن السياسة اللبنانية هي مجموعة سياسات دولية بل خلاصة تلك السياسات والتوافقات الدولية التي تتبلور في الساحة اللبنانية.

ولسنا هنا في وارد ذكر أنّ نشوء الدولة اللبنانية كغيره من دول المنطقة، كان نتيجة لأطماع إستعمارية وإرضاء لمطالب أجنببية، إنما ما نريد ذكره هنا أنّ ما تعانيه الدولة اللبنانية اليوم من أزمات اقتصادية واجتماعية ونقدية وسياسية، هو نتيجة لتراكمات جمّة وأخطاء عدّة أوصلت الحال لما هو عليه الآن..

وفي توصيف الحالة اللبنانية الغير عادية من جهة نشوء وتكوين الدولة، وصولاً إلى طريقة الحكم الحالية وبالرغم من كونها تحمل مسمى نظام الحكم البرلماني المنبثق من الشعب حيث تتوزع السلطة ما بين التشريعية والتنفيذية والقضائية، وصلاحيات محدودة لرئيس الجمهورية عُقب اتفاق الطائف، ورغم أنّ هذه السلطة تُمارس على أساس ديمقراطي وتعددية حزبية، إلا أنّ هذا في ظاهر الأمر أما في باطنه الحقيقي، فإنّ هذه الأحزاب بمعظمها هي أحزاب طائفية وليست سياسية مدنية أو اجتماعية، وكل حزب يؤطر داخل صفوفه من هم من طائفة معينة أو موالي لتلك الطائفة في حال ضم إليه من هم بعيدون عن طائفته.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية، حيث تغلغت التقسيمات الطائفية من رأس الهرم حتى قاعدته وباتت التقسيمات والمحاصصة الطائفية في جميع المسالك الوظائفية والتعليمية والاجتماعية..

كما أنّ أحد الأسباب الأساسية للمشكلة هو أنّ اتفاق الطائف الذي يحكم وفق بنوده أو بعض بنوده، تمّ وضعه من قبل جهات خارجية بتوافق تلك الأحزاب اللبنانية، وهناك من سيقول بأنّ هذا الإتفاق تمّ بصيغته لإنهاء حرب أهلية دامت عقود عدة، إنما ما نريد قوله هنا أنّ هذا الاتفاق أوقف ألسنة نيران الحرب الأهلية، لكنه لم يطفئ جمرها المتقد والدليل على ذلك أحداث الطيونة وشويا وخلدة وغيرها الكثير..

ناهيك عن كون تلك الأحزاب الحاكمة في لبنان بمعظمها تتبع لقوى خارجية وتنفذ أجندات دولية على أرض لبنانية، وبات لبنان مرتع لتلك السياسات الخارجية، عاجزاً عن حل أزماته الداخلية إلا بقرار خارجي بصرف النظر عن مكمن ذلك القرار سواء أكان أقليمي أو دولي..

حتى باتت الدولة العميقة في لبنان، هي مجموعة سياسات خارجية وجهات دولية تتحكم بالداخل اللبناني وفق مقتضيات الأوضاع الدولية السائدة، وبلا سيادة بات لبنان يشحذ تلك الحلول من هذه الدولة أو تلك، ومن هذا التوتر أو ذاك بل وأكثر باتت البؤر المشتعلة في المنطقة تنعكس على لبنان سلباً أو إيجاباً بحسب مواقف أحزابها من تلك البؤر المشتعلة..

وما كانت الزيارة لتركيا مؤخراً أو زيارة الكويت وغيرها من الوفود التي جاءت إلى لبنان، إلا لاجتراح حلول خارجية وليست داخلية..إنما الحل الأنسب لجميع تلك المشكلات التي باتت بنيوية في بنية الدولة حتى عامت الدولة بمواطنيها على مستنقع من الأزمات الاقتصادية والنقدية والمعيشية والسياسية بل والأمنية والاجتماعية..

ويبقى الحل الأنسب لكل تلك المشكلات هو مؤتمر تأسيسي جديد يذهب إليه جميع اللبنانيون، ينسفون عبره ذاك الثوب الطائفي الممزق ويحددون خيارهم من تلك التدخلات الخارجية، ومحاسبة جميع من ساهم بإغراق اللبنانيين في هذا المستنقع المعيشي البائس، بعد أن كان نموذجاً في بناه التحتية، وصرحاً شامخاً من صروح التعليم والعلاج والثقافة والفن والإعلام والاقتصاد.

وما يريده اللبنانيون اليوم وخاصة فئة الشباب منهم، نظاماً سياسياً مختلفاً لا مكان فيه للمحاصصة الطائفية، على اعتبار أنّ من شأن ذلك وحده قطع دابر الفساد والمفسدين، وإقامة نظام ديمقراطي حقيقي يلبي تطلعات الشعب وينهض بهذا البلد من قلب رماد الطائفية البائسة، إنما تبقى إرادة اللبنانيين شيء والإرادة الدولية شيء آخر.

وبما أنّ الانتخابات النيابية باتت على الأبوب وهناك هواجس بعدم حدوثها لأسباب عدّة، إحداها التوجس الخليجي والأميركي من الفوز الكاسح لحزب الله وحلفائه في الإنتخابات، وهو ما أشارت إليه الصحف الخليجية مرات عدّة، فعدم إجراء الانتخابات يصب بالصالح الخليجي والقوى الخليجية والسعودية تحديداً التي بدلت أدواتها في لبنان، وبات دعمها متوجهاً نحو حزب القوات ممثلاً بسمير جعجع، وبالتالي سيل الاتهامات التي يوجهها الأخير نحو حزب الله ووقوفه خلف عدم إجراء الانتخابات، هو اتهام يراد به تنظيف الكف الخليجي والقواتي من رجس الإطاحة بالانتخابات، والدليل تلك الورقة الخليجية التي حملتها الكويت والتي أصرّت فيها على نزع سلاح حزب الله وتطبيق قرار 1559، وهو مطلب للضغط على لبنان شعباً ودولة وترسيخ الانقسام الحاصل من موضوع سلاح المقاومة..

وبالتالي نحن هنا أمام سيناريوات عدّة:

السيناريو الأول:”حدوث الانتخابات واكتساح لحزب الله وحلفائه للمقاعد النيابية، ووفق معظم الإحصاءات فأن حزب الله وحلفاءه يضمنون، بما لا يقبل أي مجال للشكّ، الفوز بـ75 مقعداً نيابياً، وهنا سيكون كل ما قامت به الدول الخليجية عموماً، والسعودية خصوصاً من ضغوطات في مهب الريح، وبالتالي فربما ستعمل على إلغاء الانتخابات عبر ضرب التناقضات وافتعال بعض التحركات المشبوهة عبر تكليف قنواتهم في الداخل اللبناني لجهة إثارة المناخ العام ضدّ إجراء الانتخابات”..

السيناريو الثاني:”تمديد مجلس النواب لنفسه في حال عدم حدوث الانتخابات بانتظار ما يتمخض عن مفاوضات فيينا من تفاهمات، وما بين المباحثات الإيرانية والسعودية وكذلك الإتصالات السعودية والسورية..بمعنى نضوج الجو الدولي والإقليمي وانعكاساته على الداخل اللبناني، وهنا سنكون بعد عام أمام انتخابات رئاسية لبنانية، أو شغور رئاسي وحكومة تصريف أعمال إذا لم تنضج تلك الأجواء الدولية والأقليمية، وهذا من أخطر السيناريوات على لبنان بوجوده على حافة الهاوية مع مجلس نيابي ممدد، وحكومة تصريف أعمال وفراغ رئاسي وملفات متراكمة من الأزمات بانتظارالدولة العميقة، التي ذكرناها سابقاً لحل تلك الأزمات”..

السيناريو الثالث:”حكومة عسكرية انتقالية، وهو سيناريو ليس بجديد في الحياة السياسية اللبنانية، فقد جرى حلّ أزمة في لبنان بحكومة من هذا النوع وذلك في العام 1943 حيث تولى الشيخ بشارة الخوري أول رئاسة للجمهورية، وجرى تجديدها بولاية ثانية، لكنّها سقطت منتصف الطريق عام 1952 تحت ضغط الشارع، وقد استقال الخوري آنذاك وكلّف قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب بترؤس حكومة انتقالية أجرت انتخابات، ونقلت السلطات إلى الرئيس الجديد كميل شمعون”.

وكانت تجربةالحكومة العسكريّة الانتقاليةالثانية في عام 1988، عندما انتهت ولاية أمين الجميّل دون الإفلاح بانتخاب رئيس جديد، فكلّف قائد الجيش ميشال عون بترؤس حكومة انتقالية، إلا أنّ أي قرار دولي حول مستقبل لبنان لم يتبلور بعد، ما يعني أنّ لبنان سيبقى على حاله في الواقت الحالي ويبقى المؤتمر التأسيسي أفضل الحلول لكل المشكلات العالقة”..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى