الحدث

الحقيقة الممنوعة في”أم الكوارث”

رفيق خوري-نداء الوطن

 

ماذا تبدّل بعد سنة على “أم الكوارث” في انفجار المرفأ؟ ما الذي بقي ثابتاً على الرغم من أهوال الجريمة وأحوال المتضررين؟ وأين 4 آب البيروتي من 4 آب الباريسي؟هنا لم يهتز موقع مسؤول واحد عن جريمة دمرت ثلث العاصمة، ولا بدا الغضب والحزن والحراك الشعبي للتضامن مع أهل الضحايا سوى صوت صارخ في برية سلطة تكمل انهيار لبنان. وهناك مؤتمر دولي عن بعد يديره الرئيس الفرنسي ويشارك فيه الرئيس الأميركي مع آخرين، لمساعدة اللبنانيين الذين صاروا جميعاً ضحايا مافيا سياسية ومالية وميليشيوية حاكمة ومتحكمة.

أما الثابت، فإنه قرار المافيا الذي مختصره: ممنوع التوصل الى الحقيقة في التحقيق العدلي. ممنوع الوصول الى ثلاثة: الصاحب الفعلي لـ2754 طناً من نترات الأمونيوم. ومن كان يأخذ منها بحيث بقي يوم الإنفجار 552 طناً حسب تقديرات الخبراء. والجهة التي حمت كل ذلك، فلم يجرؤ أي جهاز أمني في المرفأ على مخالفتها، ولا أي مسؤول أكبر في السلطة على تحديها، أو حتى على ذكر اسمها. وأما ما يدور في العلن، فإنه مباراة في التذاكي والتغابي بين ذئاب وثعالب حول الحصانات الرئاسية والوزارية والنيابية لجعل الممكن صعباً والصعب مستحيلاً. و”لا شيء يقتل أكثر من السخافة”، كما يقول مثل فرنسي.

ذلك أن مناورة “الإرتياب المشروع” دفعت المحقق العدلي فادي صوان الى التنحي. والألعاب البهلوانية باسم الدستور والقانون تحاصر المحقق العدلي طارق بيطار. ولا أحد يعرف الى أي حد يستطيع أن يصل قاضٍ شجاع ويعرف الأصول مثل بيطار. لكن المؤكد أنه مخيف لكل هؤلاء الأقوياء المخيفين الذين لهم دور في الجريمة، وإن فعلوا كل شيء لتخويفه.

وليست جريمة التفجير في المرفأ سوى فصل في كتاب أكبر عنوانه الحقيقي اغتيال لبنان، وإن كان التسويق لعنوان آخر هو الحماية والرعاية. فما كان لدينا هو مرفأ لمافيا، لا مرفأ لبلد ومنطقة كما في الماضي. وفي مرفأ تهيمن عليه المافيا، فإن الإنفجار أو أي شيء آخر يمكن أن يحدث بقوة الأشياء. وفي “قانون” المافيا المسمى “لوميرتا” فإن الإنكار هو جزء من الولاء، والجريمة لم تحدث. لكن الحد الأدنى المطلوب أمران: أولهما إعادة بناء المرفأ على أساس أنه مرفأ للبنان المعاد بناؤه ودوره في المنطقة. وثانيهما رجل واحد في السلطة من الذين يعرفون، يقف ويكشف الحقيقة بالوثائق والمعلومات. ومثل هذا حدث ويحدث في أميركا وأوروبا مهما تكن الظروف صعبة، لأن الحقيقة في الديموقراطيات أقوى من أية قوة.

لكن من الصعب إيجاد مسؤول هنا مثل المسرحي الكبير فاتيسلاف هافل الذي قال بعدما صار رئيساً لتشيكيا: “بعد عمل سنوات في المسؤولية أشعر أني رث بال وفارغ ويجب إنهاء الشرب من الكأس المرة”. وكل ما لدينا هو سلطة تصنع الكوارث، وتعجز عن منع الكوارث، وتفشل في إدارة الكوارث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى