الحدث

رسالة مفتوحة إلى الرئیس بایدن: فلنُعد العلاقات الودیة بین المملكة العربیة السعودیة وأميركا

عزیزي السید الرئیس،
 یسرني أن أكتب إلیكم هذه الرسالة بصفتي مواطنا سعودیاً یعتز بالشراكة التاریخیة بین دولتینا العظیمتین التي صمدت أبداً في وجه الزمن ولأكثر من ثلاثة أرباع قرن، وما دفعني إلى اللجوء إلى سرد ما یدور في ذهني هو العثرة الأخیرة الذي أصابت علاقاتنا، وتجدر الإشارة إلى أن سبب «الخلاف» القائم على حادث مأساوي- والذي تلاشى إلى حد كبیر بعیدا عن الأضواء العامة-قد تحول إلى حدث حزین على هامش التاریخ، إلا أن قیادتكم الحكیمة اختارت بدلاً من ذلك «إعادة معایرة» العلاقات السعودیة الأميركیة.
ولا بد من أن تكون یا سیدي الرئیس قد اكتسبت من منطلق انتخابك كأصغر عضو في مجلس الشیوخ الأمیركي في عام ١٩٧٢ إلى تبوئكم مؤخراً أكثر المناصب قوة في العالم فهم عمیق للتعقید والتحدیات التي تسود منطقتنا، وقد ساعدت كنائب للرئیس أوباما في نزع فتیل الفتنة الطائفیة في العراق، كما ساعدت تحذیراتك التي تلت «الربیع العربي» في ثني أنصار أجندة
الدیمقراطیة اللیبرالیة في المنطقة التي تتمد جذور الأزمة السیاسیة فیهه في المقام الأول إلى أسباب اجتماعیة واقتصادیة.
ومن المؤسف أن أوجه عدم الاتساق في السیاسات أو عدم وجود حل من جانب إدارتي أوباما وترامب قد أسفرت عن تآكل مصداقیة الولایات المتحدة كشریك عربي موثوق به، وحقیقةً لقد أحدثت شراكتنا الاستراتیجیة فارقا كبیراً في العقود الماضیة في تحریر العالم من مخاطر الشیوعیة والإرهاب، وتعد هذه الشراكة مطلوبة الیوم أكثر من أي وقت مضى، إذ تضاعفت أزمات المنطقة المتعددة إلى حد كبیر، ویتعین على أمیركا تحت قیادتك الحكیمة أن تتصرف على نحو مغایر من أجل استعادة مصداقیتها المفقودة في المنطقة، لذا من المهم أن نلقي الضوء على الحقائق كما هي في العالم العربي وأن نوضح المظالم التي نعاني منها هنا في المملكة العربیة السعودیة.
بدایةً، ما زالت المملكة العربیة السعودیة على وجه الخصوص تتجرع مرارة سنوات أوباما، إذ وجهت لنا كونها «الحلیف المزعوم» خطاباً حاداً وطلبت منا «تقاسم المنطقة مع إیران»- الدولة التي ما زالت مصنفة كراعیة للإرهاب وفقاً الأمم المتحدة- ومازال التصور السائد في منطقة الخلیج یرى أن خطة العمل المشتركة الشاملة مع إیران- التي رعتها إدارة أوباما في عام ٢٠١٥ دون التشاور مع الحلفاء العرب- كانت صفقة نوویة سیئة: فقد تمكن النظام الثوري الإیراني تحت غطاء الخطة من نشر نفوذه المزعزع للاستقرار في المنطقة عبر وكلائه المسلحین أو الدول العمیلة له وخاصة في الیمن وسوریا والعراق ولبنان، ومنذ ذلك الحین هدد الحوثیین المسلحین بطائرات إیرانیة مسیرة وقذائف دقیقة التوجیه الأمن السعودي تهدیداً مباشراً مرات عدة.
وعلاوة على ذلك، فإن السبب خلف معاناتنا وحتى هذا الیوم لتداعیات الربیع العربي المأساویة یرجع إلى خطأ محاكمة قوى التطرف في باديء الأمر مثل جماعة الإخوان المسلمین في مصر وترك ضحایا الصراع اللاحق في سوریا یواجهون وحدهم غضب النظام الاستبدادي، ویظهر ذلك جلیاً في الموقف الذي أصبحت فیه كل من سوریا ولیبیا الیوم، كما إن لبنان على حافة الهاویة، وهناك العدید من الدول العربیة الأخرى التي ما زالت تجد صعوبة في التعافي من تداعیات انتفاضات ٢٠١١ بما في ذلك مصر والجزائر.
ثانیاً، لا شك العلاقات الدبلوماسیة والدفاعیة بین المملكة العربیة السعودیة والولایات المتحدة قد شهدت دفئاً في فترة رئاسة ترامب، ولكن حقیقةً لقد حول الرئیس ترامب علاقتنا الاستراتیجیة إلى علاقة تفاوضیة – حتى أنه سخر علناً من ملكنا لأنه لم یصمد «أسبوعین» دون الحمایة الأميركیة، كما أنه لم یفعل أي شيء حیال الهجوم الشبیه بهجوم « بیرل هاربر» والذي شنته إیران عام ٢٠١٩ على منشآت نفط ارامكو في منطقة بقیق باستخدام الصواریخ والطائرات المسیرة، ویستثنى من ذلك تقدیمه مساعدة عسكریة أمیركیة رمزیة والتي ذكر أنه یتعین
على المملكة العربیة السعودیة دفع «تكالیفها١٠٠٪».
لذلك فإن ما یسمى بفكرة التعاون السعودي مع السید ترامب معیبة جداً، بغض النظر عن كون صهره جارید كوشنیر وولي العهد الأمیر محمد بن سلمان قد طورا علاقة شخصیة وثیقة والتي تشیر بعض التقاریر على أنها مهدت الطریق لإبرام إتفاقات إبراهام، ویعد تطبیع العلاقات بین إسرائیل و أربع دول عربیة — الإمارات العربیة المتحدة والبحرین والمغرب والسودان — مقابل تجمید المستوطنات الیهودیة في الضفة الغربیة یجدد إمكانیة حل الدولتین لمشكلة فلسطین المزمنة، كما تعالج هذه الاتفاقات بشكل كبیر المخاوف الأمنیة الإسرائیلیة المعلقة في منطقة لا متناحرة، وإذا كان ولي العهد الأمیر محمد بن سلمان كان قد أسهم في سیر هذه العملیة حتى وإن تلخص ذلك في شراكته مع السید كوشنیر، فإن ذلك یعني أنه من المرجح قد أنجز خلال نصف عقد من الزمان ما لم یتمكن جیل من الزعماء العرب من تحقیقه في العقود العدیدة السابقة.
كما یعمل الأمیر محمد بن سلمان على تحویل المملكة العربیة السعودیة بشكل جوهري من خلال توجیه عملیات إصلاحیة في المجالات الإجتماعیة والاقتصادیة بأكثر السبل ثوریة ضمن إطار خطته الاستراتیجیة لرؤیة ٢٠٣٠ لفطام اقتصاد البلاد عن الاعتماد المفرط على النفط وإعادة تشكیل مجتمعها على القیم اللیبرالیة المتمثلة في المساواة بین الجنسین والتسامح الدیني والانفتاح العالمي، وعلى الصعید الداخلي اتسعت سبل التعبیر الحر والتعلیم الحدیث والترفیه العام إلى حد كبیر بصرف النظر عن الفوارق العرقیة أو الطبقیة أو الجنسیة، كما أصبحت أصداء تمكین المرأة متداولة باتساع، بینما لم یعد التسامح مع الفساد موضع نقاش، وقد وسعت الإصلاحات القضائیة سبل العدالة وقلصت سلطات النظام الدیني، وركزت خطة الإصلاحات الاقتصادیة على تمكین الشباب، الذي یشكل أغلبیة المكون السعودي- وإتاحة الفرص السانحة للشریحة المتحضرة والمتعلمة من أجل الإرتقاء بالمجتمع وما یترتب على ذلك من أدوار في التنمیة الوطنیة.
وعلاوة على ذلك، أعاد الأمیر محمد بن سلمان إعادة تعریف مشاركة المملكة العربیة السعودیة عالمیاً إذ تطمح المملكة الآن للتحول إلى مركز دولي للسیاحة والتجارة والاستثمار وإلى قوة اقتصادیة على الساحة العالمیة، وإلى جانب خلق مناخ موات لنمو القطاع الخاص- بما في ذلك الاستثمارات من الخارج- تطور المملكة العربیة السعودیة حالیاً أول مشروع ضخم من نوعه المتمثل في مشروع منتجع البحر الأحمر في مدینة نیوم،كما دعم الأمیر محمد بن سلمان خطاب الدولة الذي یستبدل الاعتبارات الأیدیولوجیة بالأولویات التنمویة فیما یخص سلوك المملكة الدولي، ولم تشهد المملكة العربیة السعودیة منذ عهد الملك فیصل بن عبد العزیز- قبل حوالي نصف قرن -أي زعیم یتمتع بمثل هذه الرؤیة التقدمیة أو العزیمة.
وتفسر كل تلك الأمور شعبیة الأمیر محمد بن سلمان وبخاصة بین الشباب السعودي، ولا شك أن بلادنا تمر الآن بلحظة تاریخیة إذ یسعى قادتها الإصلاحیون إلى إحداث فارق على الصعیدین الداخلي والخارجي، كما إن المملكة بحاجة إلى الدعم العالمي المستدام من أجل تحقیق التنویع الاقتصادي والتحرر الاجتماعي داخلیاً بدلاً من إقصائها لأسباب غیر مقنعة كما حدث مؤخرا للأسف، سیدي الرئیس لقد وضعت إدارتكم أهدافا واضحة فیما یتصل بالاقتصاد العالمي وإنعاش القیم اللیبرالیة في مختلف أنحاء والتي لا تتعارض مع الأولویات السیاسیة الحالیة في المملكة العربیة السعودیة.
وعلى الصعید الدولي، فإن الحكومة السعودیة تمتلك من الفطنة ما یكفي لتكییف سیاساتها مع الدینامیات السیاسیة المتطورة، بما في ذلك في الولایات المتحدة – ولكن بالتأكید لیس على حساب أمنها الوطني أو سلامتها الإقلیمیة، حتى أن رفع الحصار عن قطر من خلال المفاوضات الدبلوماسیة -ویستثنى من ذلك حل المسائل المعلقة- قد جاء قبل تنصیب حضراتكم منصب الرئاسة، كما أطلقت المملكة العربیة السعودیة من منطلق احترامها لبرنامج حقوق الإنسان الخاص بك الناشطة السعودیة في مجال حقوق المرأة لجین الهذلول والعدید من المواطنین الأميركیین من السجن، فضلا عن ذلك، وعلى الرغم من رفع الدعم العسكري الأمیركي لجهود الحرب السعودیة في الیمن وإلغاء التصنیف الذي صنف میلیشیا الحوثي على أنها جماعة إرهابیة أجنبیة، أكدت السلطات السعودیة على تعاونها الكامل مع مبعوثك «تیم لیندركینغ» سعیاً منها إلى التوصل لتسویة دبلوماسیة في الیمن، وكما كان متوقعا، فإن الحوثیین غیر مستعدین للاستجابة للنداء السعودي لإعلان وقف إطلاق النار، وبدلاً من ذلك أطلقوا طائرات مسیرة وقذائف استهدفت قلب صناعة النفط السعودیة في أرامكو في رأس تنورة، ثم أعقب ذلك هجوم آخر بطائرات مسیرة وقذائف على مصافي النفط في العاصمة الریاض.
ویقودنا هذا إلى سیاق خطة العمل الشاملة المشتركة التي شجعت إیران على إحداث الخراب في الأراضي العربیة حتى یومنا هذا، ورغم ذلك إلا أن المملكة العربیة السعودیة أبدت استعدادها للمشاركة في عملیة دبلوماسیة تعید التفاوض على شروط معاهدة نوویة جدیدة مع إیران، شریطة أن یكون رفع العقوبات الاقتصادیة عن نظامها التوسعي مشروطا لیس بحد قدراتها على التخصیب النووي فحسب، بل وأیضا بمعالجة مسألتین بالغتین الأهمیة وهما قدرات إیران الصاروخیة دقیقة التوجیه وسلوكها الخبیث في المنطقة، إن موقفنا المبدئي حول إحتواء النزعة العسكریة الإیرانیة في الیمن والعراق وسوریا ولبنان منطقي تماماً، حتى أنك أیدته في مقال نشرته مجلة «فورین أفیرز» العام الماضي، وبالإشارة إلى ما كتبه حضراتكم: «لا تساورني الأوهام حول النظام الإیراني الذي انخرط في سلوك مزعزع للاستقرار في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وقهر بوحشیة المحتجین في الداخل واحتجز الأمیركیین ظلما».
وأنا سعید بأن غرائزكم الحذرة قد سادت مرة أخرى لعكس إتجاه التدهور الحاد في العلاقات السعودیة-الأميركیة الذي حصل مؤخراً بین حكومتینا، وكما یقولون فإن السیاسة المحلیة والسیاسة الخارجیة كثیراً ما تكون متداخلة، ونحن نفهم الانقسامات الحالیة في السیاسة الأمیركیة ولكنها شأنك الداخلي، إلا أن المصالح السیاسیة الحزبیة في الكونجرس الأمیركي هي وخاصة الیسار الدیمقراطي وتحالفه الأثیم مع الجماعات الحقوقیة التي سعت جاهدة لملاحقة الأمیر محمد بن سلمان بانتقادات لاذعة بسبب صلته الشخصیة بالسید كوشنیر، وقد تمكنوا بذلك من إفساد علاقتنا الراسخة التي تتجاوز عادة حدود السیاسات المحلیة أو الخیارات القیادیة، وستتمكن هذه الجهات من إلحاق المزید من الضرر في حال لم تُكبح في الوقت المناسب.
من یهیمن على القضیة السعودیة وفي الوقت نفسه، لا بد لبلادنا من المضي قدما، فسیدي الرئیس إن إعرابكم عن تضامنكم مع المملكة العربیة السعودیة في محادثة أجریت مع الملك سلمان الشهر الماضي وإعراب قیادتنا في وقت سابق عن اهتمامها بزیادة توسیع علاقاتنا المشتركة، ترسي الأسس الجوهریة لما تحتاجه السعودیة والولایات المتحدة معا لتحقیق السلام في العالم العربي، من صیاغة السلام في الیمن وخلق الاستقرار في العراق إلى عكس المأساة الإنسانیة في سوریا ومنع إیران من إفساد المزید من المستقبل العربي.
لقد قام المسؤولون في إدارتكم بعمل عظیم من خلال الإشارة إلى أن «الخلاف» في العلاقة أمر غیر صحیح وأن الولایات المتحدة لا تسعى إلا «إعادة معایرة» علاقاتها مع المملكة العربیة السعودیة، التي تشكل على حد تعبیر وزیر الخارجیة بلینكن: «علاقة مهمة، إذ لدینا مصالح مستمرة وكبیرة، ونحن ملتزمون بالدفاع عن المملكة»، كما أكد المتحدث باسم حضراتكم «نید برایس» أن المملكة العربیة السعودیة دولة ذات تأثیر كبیر في العالم العربي وخارجه، وإن ما یحدث في المملكة العربیة السعودیة یُحدث وسیحدث أثاراً عظیمة تتجاوز حدود المملكة العربیة السعودیة»، ولهذا السبب یرى «برایس» أنه من أجل أن تحقق الولایات المتحدة «أعظم قدر من الإنجاز مع السعودیین: لا بد من إنهاء الحرب في الیمن وتخفیف الأزمة الإنسانیة فیها، واستخدام قیادتنا لصیاغة علاقات لرأب أكثر الخلافات مرارة في المنطقة، سواء أكان ذلك عبر التراجع من شفا الوقوع في حرب مع إیران إلى حوار إقلیمي حقیقي أو إقامة سلام تاریخي مع إسرائیل أو مساعدة الشباب السعودیین على فتح مجتمعهم للتواصل مع العالم واغتنام إمكاناتهم الكاملة وبناء العلاقات مع الأمیركیین.
كما إن المملكة العربیة السعودیة قویة بالفعل فهي تتمتع بقوى ناعمة وصارمة هائلة على مستوى العالم الإسلامي كونها منبر الإسلام، كما لها ثقلها في منطقة الخلیج والعالم العربي بسبب رأسمالها السیاسي وإمكاناتها الاقتصادیة، وهي أیضا لاعب دولي مسؤول، وقد نجحت في منع الركود الاقتصادي العالمي عدة مرات في الماضي من خلال تثبیت قیمة الطاقة العالمیة، ففي العام الماضي فقط وبناء على طلب الولایات المتحدة رفعت المملكة العربیة السعودیة قدرتها على إنتاج النفط ثم خفضته بناءً على طلبكم أیضاً، كما تعهدت مجموعة العشرین في عام ٢٠٢٠وفي ظل القیادة السعودیة بتخصیص أكثر من ٢١ ملیار دولار لمكافحة وباء فیروس كورونا من خلال تطویر اللقاحات والعلاجات، وضخت أكثر من ١١ تریلیون دولار من أموال التحفیز لاستعادة الاقتصاد العالمي.
وفي حین تستعد القیادة السعودیة للإصلاحات الاجتماعیة والاقتصادیة الداخلیة-ومقاومة أي محاولة أجنبیة تملي علیها تحركاتها- تولي المملكة العربیة السعودیة اهتماماً لإعادة تقییم العلاقات مع الولایات المتحدة، ففي الواقع لا توجد هناك نقاط اختلاف كثیرة حول القضایا الرئیسیة التي تتعلق بالسلام الإقلیمي، وقد سعت المملكة العربیة السعودیة دوما إلى إیجاد حل سیاسي في الیمن منذ بدایة الصراع في عام ٢٠١٥ من خلال التعاون مع مبعوثین تابعین للأمم المتحدة، واتخاذ خطوات لإعادة توحید المجلس الانتقالي الشمالي مع الجنوبي وتقدیم ١٧ ملیار دولار في هیئة مساعدات إنسانیة، كما تبنت المملكة العربیة السعودیة المبادرة الخلیجیة، ویسرت نتائج حوار السلام الیمني، ودعت إلى تنفیذ قرار مجلس الأمن ٢٢١٦.
أما فیما یخص العراق فقد خلق النهج الأميركي المتناقض المتمثل في دعم المصالح الطائفیة المتنافسة منذ حرب ٢٠٠٣ فراغ سیاسي وأمني مكن الإرهاب الداعشي والنزعة العسكریة الإیرانیة من الصعود في البلاد، فإن انهیار العراق لا یصب في مصلحة المملكة العربیة السعودیة ولا في مصلحة الولایات المتحدة، كما إن فرصة السلام المستدام في العراق لن تتجسد إلا من خلال عكس مسار المكاسب الأمنیة والسیاسیة التي حققتها إیران ولاسیما في فترة ما بعد خطة العمل الشاملة المشتركة من خلال الجهود المتضافرة كما یمكن منع صعود داعش في الدولة التي مزقتها الحرب بنفس الطریقة، كما مكنت سیاسة الولایات المتحدة المتناقضة في سوریا أیضاً القوى غیر العربیة مثل روسیا وتركیا وإیران، إذ یعمل حزب الله كوكیل عسكري لإیران من خلال تعزیز نفوذها، وضمان بقاء نظام وحشي فیها وإحداث أزمة إنسانیة لم یسبق لها مثیل، ویتعین علینا أن نستعید مصلحتنا المشتركة في سوریا من خلال إنهاء التدخل الأجنبي من خلال إستراتیجیة دفاعیة ودبلوماسیة جدیدة هدفها الوحید هو إنقاذ السوریین.
وإلى جانب مناطق الصراع هذه هناك العدید من القضایا الأمنیة والاقتصادیة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفریقیا التي تتطلب مساهمات سعودیة-أمیركیة مثل لبنان والسودان ولیبیا وأفغانستان، ولكن البصمة العسكریة السائدة من الخلیج إلى بلاد الشام هي البصمة الإیرانیة التي تُعد أصل الاضطرابات الإقلیمیة، وقد یعود السبب وراء اختیار أربعة من هذه البلدان الشراكة مع إسرائیل بموجب اتفاقات أبراهام هو عدم انخراط الولایات المتحدة والتعاون مع حلفائها العرب بالقدر الكافي للتعامل مع هذه المشكلة الأساسیة، كما أدى تخلي الولایات المتحدة عن مسؤولیتها الإقلیمیة إلى تیسیر توغل تركیا في الشؤون العربیة وخاصة في سوریا والعراق، ولا تبدي تركیا أي تراجع عن تنفیذ نظامها العثماني الجدید تحت قیادة الرئیس أردوغان وملاحقة الأجندة التوسعیة، لذا فإن إیران لیست وحدها التي تشكل خطراً على أمن العدید من الدول العربیة، وعلیه لابد من التعامل مع تركیا وصلتها بروسیا.
أما بالنسبة لمستقبل فلسطین ما بعد اتفاقیات أبراهام، فقد حان لإحیاء مبادرة السلام العربیة لعام ٢٠٠٢ التي اقترحتها أیضا القیادة السعودیة -التي أقرتها جامعة الدول العربیة في وقت لاحق- والتي تعرض على إسرائیل السلام والتطبیع مع الدول الـ٢٢ الأعضاء في جامعة الدول العربیة كمكافأة للانسحاب من جمیع الأراضي العربیة المحتلة والموافقة على إقامة دولة فلسطینیة مستقلة في الضفة الغربیة وقطاع غزة تكون لها عاصمة في القدس الشرقیة، وقد تكون هذه الصفقة هي صفقة القرن ومن أجل تحقیقها یتعین على إدارتكم السعي إلى التعاون مع المملكة العربیة السعودیة.
وأخیرا فلنعد سیدي الرئیس صیاغة علاقاتنا في المجال الاقتصادي، فلا یمكن إنكار مساهماتنا في مجال الطاقة في الاقتصاد العالمي الذي یصب في مصلحة الاقتصاد الأمیركي، كما أسهمت الاستثمارات السعودیة عن صمود خزانة الولایات المتحدة لعدة عقود من الزمان، هذا وقد ازداد عدد الاستثمارات تحت ظل الأمیر محمد بن سلمان الذي انخرط في حملة عالمیة كبرى لاجتذاب الاستثمار الدولي من أجل خطته الخاصة بالتنویع الاقتصادي، ویمكن للقطاع الأميركي الخاص وخبرته في مشاریع البنیة التحتیة والمشاریع الإنمائیة والمشاریع الصغیرة في هذا المجال أن یحدث فارقا كبیرا في المملكة العربیة السعودیة، ومن شأن هذا أن یرسخ الروابط الاقتصادیة بین المملكة العربیة السعودیة والولایات المتحدة حتى وإن استمرت خلافاتنا حول تصوراتنا السیاسیة المتعلقة بالأمن الإقلیمي والجغرافیا السیاسیة مادامت العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل.
سفير المملكة العربية السعودية السابق في لبنان
(نشر في مجلة «ذا ناشونال انترست» الاميركية يوم السبت ٢٧ /٣ /٢٠٢١)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى