ثقافة
عاجل | إحياء الأمل

📌 محتوى المقال
🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | إحياء الأمل
بعد السابع من أكتوبر 2023 طفا إلى السطح تغيّرٌ جوهري في العقيدة العسكرية والأمنية للعدو، لكنه كان يتوّج في واقع الحال مخططًا طويلًا لقتل الأمل عند الفلسطينيّين وداعميهم. وهذا بدأ قبل عقدين من الزمن أو أكثر، وقت أخذ المشروع الصهيوني بالتصاعد مجدِّدًا نفسه، في مقابل هبوط عربي متواصل.
ربما سرّعت عملية طوفان الأقصى هذه الموجة لكن لم تطلقها. فلم تكن حروب الإبادة التي أعقبت تلك العملية ردة فعل خالصة بل فعلًا وُلد قبل أوانه. يقرّ رئيس حكومة العدو في مقابلة له في أيار 2026، بأنّ "حرب غزّة أشبه بصبّ الكيروسين على نار كانت مشتعلة أصلًا".
لا ينطلق بنيامين نتنياهو من فراغ في حديثه المتكرّر عن تغيير وجه الشرق الأوسط، بل يعيد تعريف أفكار برزت في العقل الصهيوني خلال ربع القرن الأخير. لقد حُسم أمر "إسرائيل الكبرى" قبل سنوات، بمعنى ضمّ كامل التراب الفلسطيني إلى الكيان، وجرى التحضير على قدم وساق للمهمة الآتية: "إسرائيل العظمى" المهيمنة على المنطقة والشريكة في النظام الدولي والمستقلّة اقتصاديًّا وبنحوٍ ما تكنولوجيًّا.
يردّد نتنياهو في حديثه عن "إسرائيل الكبرى" و"العظمى" ما سبقه إليه من يوصفون بالمتطرفين في "إسرائيل"، الذين يطلقون قبل غيرهم مواقف وآراء تصبح لاحقًا التيار العام. وعلينا أن نصغي بانتباه إلى أقوال هؤلاء بما فيها من تطرّف ونزوات عنصريّة، فهم يمتلكون ما يكفي من الوقاحة والمصلحة في كشف ما يدور في باطن العقل الصهيوني. إنّهم الطلقة التحذيرية التي تنبئ عمّا سيضعه السياسيّون العاديّون في وقتٍ ما في أوضحب مقبول وذي جمهور واسع. بعبارة أخرى، تولد الاتجاهات على يد من يوصفون بالمتطرفين ثم يقفز إليها الآخرون تباعًا، مع مسافة تضيق باستمرار بين هؤلاء وأولئك.
في وضعنا الراهن كان تسلسل الأحداث والنوايا واضحًا حتى قبل "طوفان الأقصى". لم تعد هناك حاجة في "إسرائيل" إلى رسم حدود زائفة بين الممكن والمطلوب. باتت فكرة تفعيل ميزان القوة حتى أقصاه، التي دارت على ألسنة من يقفون على أطراف المسرح السياسي، محلّ إجماع وقبول من الغالبيّة الساحقة، حتى لو نزع ذلك الشرعيّة عن دولةٍ لم تعد تبالي بآراء الآخرين بها. يقلّل قادة العدو من أهميّة الغضب العالمي إزاء ارتكابات كيانهم، ويرونه مشكلة علاقات عامّة، أو إخفاقاً في معركة الوعي، أو حتى أضراراً جانبيّة قابلة للاحتواء والمعالجة... لا أكثر. وبالإصغاء جيدًا، يمكننا التنبّه إلى أفعال متطرّفة تلوح في الأفق، ومنها فكرة الحرب الدائمة التي يتبنّاها المجتمع السياسي الإسرائيلي ويُهيّأ الرأي العام لها وستبقى مقبولة لأجيال عدّة، فيما كانت مجرّد ترّهات تتردّد على ألسنة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وأمثالهما.
إنّ تفسير الحاضر وتوقّع الآتي في الصراع مع "اسرائيل" يتصل بصورة أكيدة بنقاط موجودة في الماضي. لقد شهد ربع القرن الأخير تحوّلًا عميقًا وخطيرًا في المشروع الصهيوني، كشف عنه بعبارات صريحة الأكثر فجاجة وتطرّفًا من سياسيّي الكيان، قبل أن يصير منطقًا عامًّا يلتحق به الباقون أو يسايرونه. وفي المقابل، تراجع الحضور العربي وانكفأ، وخلّف فراغًا استراتيجيًّا كان لا بدّ من ملئه، وهذا ما تفعله المقاومة في لبنان والمنطقة، التي وعت دون غيرها حقيقة هذا التحوّل واختارت موقع المواجهة ورفض الفراغ، فيما تلكّأ الباقون أو تواطؤوا أو آثروا الصمت.
قتل الأمل
جاءت الطفرة في المشروع الصهيونيّ في حقبة إقليميّة ودوليّة ظنّ فيها قادة "إسرائيل" أنّهم أمام فرصةٍ تاريخيّةٍ لحسم الصراع، شبيهةٍ بتلك التي أفضت في القرن الماضي إلى تأسيس الدولة. وهذه انعطافه عن الاستراتيجيّة التي سادت حتى بداية العقد الأوّل من الألفيّة الجديدة، والتي قامت تجاه الفلسطينيّين على ضبط وجودهم ديموغرافيًّا وجغرافيًّا، فيما رَاوحت تجاه باقي العرب، كلّ بحسبه، بين الاحتواء والاستتباع والردع.
ولم يكن خيار الاستئصال الكامل للفلسطينيّين الكامل غائبًا عن أذهان مؤسّسي الكيان وقادته، وبالخصوص بعد مؤتمر بلتيمور في نيويورك (أيار 1942)، الذي فتح باب الهجرة اليهوديّة على مصراعيه ومهّد لقيام "دولة يهوديّة" لا مجرّد "وطن قوميّ لليهود" في فلسطين. ومع بداية الألفيّة عاد منطق الاستئصال والحسم ليطلّ برأسه من جديد، انطلاقًا، كما في السابق، من "الأحزاب المتطرّفة" التي عبّرت صراحةً عمّا يضمره سواها، وقدّمت خططًا واضحة لتحويل التفوّق العسكريّ إلى وقائع سياسيّة نهائيّة لا رجعة عنها.
ولا تقتصر البدايات على أوساط اليمين المتطرّف، إذ نجد جذور منطق الاستئصال والحسم لدى شخصيّاتٍ معارضة أو تصف نفسها بالاعتدال. فمثلًا، يكتب موشيه يعلون في مؤلَّفه "الطريق الطويلة القصيرة" (أيلول 2008) أنّ تقديم التنازلات للعرب يشجّعهم على "الإرهاب"، وأنّ التوقّف عن الانسحاب من الأراضي المحتلّة سيُشعِر العرب والفلسطينيّين بقوّة "إسرائيل" ويجبرهم على إعادة حساباتهم، وعليه، يجب عدم التردّد في توجيه "ضرباتٍ عسكريّةٍ ساحقةٍ تُشعِر الطرف المقابل بالعجز عن الانتصار".
ومع ذلك، شكّل التطرّف اليمينيّ، الذي جمع بين القوميّة الصهيونيّة والعقيدة اليهوديّة، الشرارة التي حوّلت فكرة الحسم من تصوّرٍ إلى سياسة. أُوصِي دائمًا المهتمين بإلقاء نظرة على "خطّة الحسم" لأرض "إسرائيل" التي أطلقها سموتريتش في 7 أيلول 2017، واصفًا إيّاها بأنّها الأمل الوحيد (لليهود) والطريق إلى "قتل الأمل" (عند أعدائهم). يقول: "ما يعنيه حسم الصراع هو اتخاذ قرار واعٍ وعملي وسياسي بأن ثمّة مكانًا غربي نهر الأردن لحق تقرير مصير قومي واحد: الحق اليهودي. فأصلًا ليست هناك، ولن تقوم، (برأي سموتريتش) دولة عربية في قلب أرض إسرائيل تُجسِّد تحقيق المطامح القومية العربية فيها. إنّ إلغاء هذا الحلم سيقلّص الدافعية لتحقيقه، وبالتالي سيؤدّي ذلك إلى تقليص الإرهاب".
وهذا لم يعد رأي أقليّة فكريّة أو أيديولوجيّة أو سياسيّة، بل أضحى موقفًا يقترب من تحقيق إجماع سياسي مماثل لذلك الذي تشكّل عام 1948 بشأن طرد الفلسطينيّين. يتواطأ الجميع على دعم الخيارات الراديكاليّة، ويُترك لقلّةٍ من الواقفين على طرف المسرح مهمّة الجهر بها علنًا. ويُعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما جرى قبيل النكبة، وقتها تجنّب ديفيد بن غوريون التأييد العلني لخطط التطهير، لكنّه أفسح المجال أمام عصابات شتيرن وأرغون لتنفيذ مجازر مروّعة بحقّ الفلسطينيّين. أراد بذلك أن يبقي سجلّ "الهاغاناه" (النواة الأولى لجيش العدوّ) خاليًا من الجرائم الموثّقة. غير أنّ القيادة العليا للهاغاناه أقرّت في آذار 1948 "خطّة دالِت" للتطهير العرقيّ، التي هدفت إلى طرد السكان من أراضيهم، بما في ذلك المناطق التي خصّصها قرار التقسيم للدولة العربيّة.
ولفكرة الحسم جذورها الفكريّة التي تنبع من خطابات عددٍ من المؤرّخين الصهاينة والأميركيين، الذين عبّروا بصراحةٍ عن أنَّ "الحلّ النهائي" للنزاع لن يتحقّق عبر المفاوضات، بل، كما ذُكر سابقًا، من خلال إقناع الفلسطينيّين بالهزيمة التامّة وإلغاء إمكانية قيام دولة. ولا يتورّع دانيال بايبس، عن الدعوة إلى ممارسة ضغط سياسي وعسكري على الفلسطينيّين حتى يشعروا بالهزيمة والتسليم بواقع "إسرائيل" الجديد. ولا يقوم السلام على حدّ قول إفرائيم كارش، إلّا بعد "إعادة صياغة الوعي الفلسطيني" بما يناسب مصالح "إسرائيل".
ويضع المؤرّخ العسكري مارتن فان كريفيلد ذلك في إطاره النظري، فالحروب ليست صدامات عسكرية فقط، بل أدوات لفرض "اعترافٍ ضمنيٍّ بالهزيمة". إنّ مفهوم "النصر الاستراتيجي" يفرض على الطرف المهزوم (الفلسطيني) شروطًا تُجبِره، برأي مايكل أورن، على إعادة حساباته السياسيّة بعد الحرب والتخلّي عن قناعاته الراسخة. فمن دون "الحلول القسرية" لم يكن ليتحقّق "الوجود الإسرائيلي"، على حدّ قول بني موريس الذي يبرّر دون مواربة سياسات الترحيل، علمًا أنّه أحد مؤرّخي "إٍسرائيل" الجدد، والذي هُلّل لأعماله في توثيق وقائع التهجير القسري للفلسطينيّين.
عاجل | إحياء الأمل




