ثقافة
عاجل | حروب الذاكرة على السوشال ميديا | اجتياح 82 والمقاومة: فعل أم رد فعل؟
يشكّل الصراع على الذاكرة والرواية التاريخية أحد أبرز ميادين المواجهة في العصر الرقمي، حيث تتنافس السرديات على تفسير اجتياح لبنان عام 1982 ونشأة المقاومة وتحديد العلاقة بين الاحتلال وردود الفعل التي أفرزها

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | حروب الذاكرة على السوشال ميديا | اجتياح 82 والمقاومة: فعل أم رد فعل؟
يرتبط فهم أي تجربة تاريخية إلى حد كبير بطريقة تقديم روايتها لا سيما للأجيال اللاحقة. مع مرور الزمن، تتراجع الذاكرة الشفوية المباشرة التي عاصرت الأحداث، ويتقدم تأثير السرديات المتداولة في الإعلام والثقافة والتعليم ووسائل التواصل.
ومن هنا تبرز أهمية التذكير الدائم بملابسات اجتياح لبنان عام 1982 وظروف نشوء المقاومة الإسلامية، خصوصاً لدى الأجيال التي لم تعش الاحتلال ولم تشهد مراحله المختلفة.
فالكثير من النقاشات الراهنة تنطلق من لحظة متأخرة من المشهد، فيما تساعد العودة إلى السياق التاريخي الكامل على فهم تسلسل الأحداث كما جرت: احتلالٌ عسكري فرض نفسه على الأرض، ثم حركات مقاومة نشأت لمواجهته، بجنسياتها وانتماءاتها الطائفية والحزبية المتنوعة. وفي سياق الاستعداد للمواجهة، وجد بعض الشباب في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية (حديث النشأة حينها) والمعادي لأنظمة الاستكبار وللكيان الصهيوني حليفاً وراعياً وداعماً. ولو وجدوا غيره بالمواصفات والشروط نفسها، لتحالفوا معه أيضاً.
تكمن أهمية سرد الرواية -حين تُقدَّم بالسياقات والظروف المحيطة بها- في حجم التشابه مع السياق الحالي وكيف أنّ التاريخ يعيد نفسه. ومن هنا تأتي أهمية معرفة المرء لتاريخه وتأمله في تاريخ السالفين وكم يمنحه ذلك فهماً ووعياً وبصيرة تعطيه مناعةً، فلا يكون ساذجاً سطحياً تُنصب له فِخاخ الخديعة ولا يلتفت إليها إلا متأخراً، خصوصاً في زمن وسائل التواصل وهذا الانفتاح الهائل المتاح لتقديم السردية للملايين وتلقّي الضخ المقابل بمنتهى البساطة والسرعة.
ومن أبلغ التوصيات بهذا الخصوص ما أوصى به الإمام علي بن أبي طالب نجلَه الحسن حين أوضح له: «أي بني، إني وإن لم أكن عُمِّرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم، حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عُمِّرت مع أولهم إلى آخرهم ».
وفي تتمة النص: «فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره».
وتزداد أهمية هذا الجهد التوثيقي مع تصاعد الخطاب الإعلامي والسياسي بشكل واسع تزامناً مع المخاض الذي تواجهه المنطقة، ويسعى إلى إعادة تفسير التسلسل التاريخي للأحداث، ويجتزئ روايتها، إذ تظهر المقاومة كأنّها سبب المشكلة بدل كونها إحدى النتائج التي أفرزها الاحتلال.
ولتحقيق هذه الغاية، تستنفر مراكز الأبحاث وتعقد المؤتمرات وتُضخ الأموال الطائلة، وتُستحدث الأطر والمؤسسات والمنصات والمواقع الإعلامية دورياً لتضخ الرواية نفسها للغاية نفسها: المقاومة انتحار وتركها مفتاح التقدم والنعيم.
وحين تتضح هذه الرسالة الحاكمة على كل الأطر المُسخّرة لهذه الغاية من مواقع ومنصات وقنوات بل وأفراد، يصبح فهم الكثير من السلوكيات أكثر سهولة. فكل شيء محسوب، من شاشة البث المباشر المقسمة (Split Screen) لعدد من القنوات الإعلامية (لا تجد فيها مشاهد عمليات المقاومة النوعية والمُحَدّثة على مدار الساعة ولا أي حيز بسيط لصالح الاستمرار في عرض مشهد قصف مبنى بشكل عنيف يظل يتكرر نفسه لساعات) وصولاً إلى طريقة تحرير الأخبار العاجلة وسرد الأحداث على منصات التواصل، وأخيراً توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء مقاطع تخدم هذه الفكرة.
وفي السياق نفسه، كشف تحقيق حديث نشره موقع Hamakom Hachi Ham BeGehinnom العبري، استناداً إلى وثائق داخلية مسربة، عن برامج تدريب وعمليات تأثير مرتبطة بجهات في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. ووفق التحقيق، تشمل هذه البرامج تخطيط الحملات المعلوماتية، وإدارة السرديات، وتحليل استجابات الجمهور، وتوظيف المؤثرين، وإنتاج المحتوى الموجّه، ودراسة الخصائص الثقافية والنفسية للجماهير المستهدفة بهدف التأثير في الرأي العام وتوجيه فهمه للأحداث. كما أشارت الوثائق إلى استثمارات متزايدة في مجالات الحرب النفسية والحرب الإدراكية والعمليات الرقمية، بما يعكس إدراكاً متنامياً لأهمية الوعي والذاكرة كساحة مواجهة موازية للميدان العسكري.
ومن هذا المنظار، تندرج محاولات إعادة تفسير محطات الصراع مع العدو الإسرائيلي من اعتداءاته قبل الاجتياح إلى اجتياح 1978 واجتياح 1982 ونشأة المقاومة وصولاً إلى تحرير الـ2000 مروراً بحرب تموز والحروب التي جرى إشعالها في المنطقة وصولاً إلى الحرب الأخيرة... ضمن صراع أوسع على الرواية التاريخية وتحديد نقطة البداية التي تُبنى عليها قراءة الأجيال الجديدة للأحداث ونتائجها.
لذلك، إن عرض الوقائع والوثائق والشهادات والصور والأفلام والأحداث الميدانية المتعاقبة وضخها الكثيف لا يُعدان ترفاً، إنما يشكلان جوهر الصراع ويسهمان في ترسيخ الوعي التاريخي ويمنحان الأجيال الجديدة أدوات أفضل لفهم تلك المرحلة.
ولإيصال هذه السردية إلى شرائح واسعة، ينبغي الإفادة من تنويع الوسائط والأساليب؛ عبر الأفلام الوثائقية، والكاروسيل التفاعلي، والخرائط الزمنية، والروايات الشخصية، ورفدها بشهادات الأسرى والمقاومين وأهالي المناطق المحتلة، واستثمار المحتوى القصير الموجه لمنصات التواصل في ذلك. فالقصص الإنسانية والصور والأحداث الملموسة تمتلك قدرة أكبر على الوصول والتأثير من السرد السياسي المجرد.
وعندما تتحول الذاكرة إلى مادة معرفية متجددة تُقدَّم بلغة العصر وأدواته، تصبح أكثر قدرة على الصمود أمام محاولات إعادة تشكيل الوعي أو إعادة كتابة التاريخ، وتبقى الوقائع حاضرة في وجدان الأجيال الجديدة بوصفها جزءاً من فهمها لهويتها وتاريخها ومسارها الوطني. فمن لا يعرف تاريخه يفقد البوصلة ويكرر أخطاءه في الحاضر، ومن يقرأه بوعي يختصر عمراً من التجارب والدروس
زهراء الحسيني اختصاصية في المجال التربوي وباحثة ومدربة في مجال الإعلام الرقمي
9 حزيران 2026
المصدر: الاخبار
عاجل | حروب الذاكرة على السوشال ميديا | اجتياح 82 والمقاومة: فعل أم رد فعل؟



